منيرة أحمد الطيار – نسوان فويس
لم تكن رحلة سمية أحمد الشرعبي في عالم المعجنات مجرد وصفات ومقادير تُطبق للخروج بمعجنات ومخبوزات ذات جودة عالية، ومواصفات مطلوبة، بل كانت تحدياً فنياً يتطلب ترويض أدق العناصر وأكثرها تمرداً، ابتداءً بدرجة الحرارة في مطبخها، الذي تفوح منه روائح الزبدة الفرنسية والمخبوزات الساخنة.
أدركت سمية مبكراً أن صناعة الكرواسون المثالي ليست مجرد مهارة بل “علم” يحتاج إلى انضباط ودقة، وصبر؛ شغف صناعة المخبوزات تربى معها منذ نعومة أظفارها، حلم ظل ينمو على مهل حتى قررت طبيبة الأسنان اليمنية أن تستبدل أدوات العيادة الدقيقة بأدوات العجن والفرد، لتبدأ في صنعاء عام 2020 أولى خطواتها الجادة في عالم صناعة المخبوزات من مطبخ منزلها المتواضع مطلقةً العنان لمشروع مخبز روزالينا.

رفعت سمية الشرعبي شعار: “الالتزام الصارم بالمعايير التقنية” مؤمنة بأن الاحتراف يكمن في الحرص على جودة التفاصيل، إذ تشكل الدقيقة الواحدة والدرجة المئوية الواحدة فارقاً شاسعاً بين صناعة مخبوز عادي وكرواسون فرنسي أصيل
معركة الـدرجات
واجهت سمية التحدي الأكبر لصناع المعجنات المتمثل في الحفاظ على برودة العجين في بيئة عمل متغيرة، وبدلاً من الاستسلام للظروف رفعت شعار “الالتزام الصارم بالمعايير التقنية” مؤمنة بأن الاحتراف يكمن في الحرص على جودة التفاصيل، إذ تشكل الدقيقة الواحدة والدرجة المئوية الواحدة فارقاً شاسعاً بين صناعة مخبوز عادي وكرواسون فرنسي أصيل.
ولأن الموهبة وحدها لا تكفي لاقتحام سوق متعطش للجودة قررت سمية صقل خبرتها بالدراسة، فالتحقت بدورات تدريبية مكثفة مع خبراء دوليين حيث تعلمت التقنيات السرية للعجين، وفهمت الكيمياء المعقدة وراء تخمير الطبقات، مما نقل جودة منتجاتها من مستوى الهواية إلى مستوى المنافسة.
كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرة (روزالينا) هي الانتقال من ضيق المطبخ المنزلي، ومحدودية الإنتاج إلى سعة الاحتراف المؤسسي، حيث نجحت سمية في تحويل حلمها إلى كيان قائم بذاته عبر تأسيس معملها الخاص “بيكري” مستفيدة من برامج الدعم والتمويل من جهات دولية ومحلية مرموقة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والبنك الدولي ومؤسسة ريادة، وبنك الأمل

نقطة التحول الكبرى
كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرة (روزالينا) هي الانتقال من ضيق المطبخ المنزلي، ومحدودية الإنتاج إلى سعة الاحتراف المؤسسي، حيث نجحت سمية في تحويل حلمها إلى كيان قائم بذاته عبر تأسيس معملها الخاص “بكري” مستفيدة من برامج الدعم والتمويل من جهات دولية ومحلية مرموقة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والبنك الدولي ومؤسسة ريادة، وبنك الأمل.
في هذا المعمل وفرت بيئة محكومة تقنياً حيث يتم التحكم بكل ذرة هواء وكل درجة حرارة مما منحها القدرة على الإنتاج الغزير وتلبية الطلب المتزايد دون المساس بهوية المنتج وجودته التي اعتبرتها “خطاً أحمر” لا يمكن تجاوزه.
الاستمرارية وبناء الثقة
لم تتوقف سمية عند إتقان تحضير العجين، بل استثمرت بذكاء في الاستشارات الفنية والإدارية وأدركت أن التوسع يتطلب تخطيطاً ذكياً يتجاوز عائق الإنتاج المحدود، ساعدها في تحقيق هذا الوصول وسائل التواصل الاجتماعي، التي لعبت دوراً محورياً في هذه الرحلة حيث كانت جسرها الأول للعبور إلى العملاء، وبناء الثقة في منتج تخصصي كالكرواسون الفرنسي الذي لم يكن مألوفاً بجودة عالية في السوق المحلية.
وعبر منصات روزالينا بيكري خلقت سمية مجتمعاً متفاعلاً مما مهد الطريق لتوفير نقاط بيع دائمة في أرقى المطاعم والمقاهي متجاوزة بذلك حدود الطلب المباشر.

الجودة معيار
تقف اليوم سمية، الأم، والطبيبة، ورائدة الأعمال، خلف علامتها التجارية بكل ثقة مقدمة نموذجاً للمرأة القادرة على الموازنة بين مسؤولياتها الأسرية وطموحها المهني. سمية لم تصنع فقط مخبوزات فرنسية بطابع محلي راقٍ بل صنعت معياراً جديداً للإتقان المحاكاة العالمية، والحرص على جودة التفاصيل، موجهة رسالة لكل حالم بأن المشاريع الكبيرة تبدأ بفكرة بسيطة وأن الالتزام بالجودة والتعلم المستمر والإيمان بالذات هي المقادير الحقيقية لخلطة نجاح حقيقية قادرة أن تنهض وتقاوم في بيئة متخمة بالتحدي.


