السل في حضرموت.. حين تقتل “الوصمة الاجتماعية” أكثر من المرض

شارك المقال

إكرام فرج نسوان فويس

لم تكن تتوقع (ر. أ.)، أم لثلاث بنات في العقد الثاني من عمرها من محافظة عدن، أن الحمى التي كانت تهاجمها فجأة ستغير حياتها بالكامل. بدأ الأمر بارتفاع شديد في درجة الحرارة، وألم حاد في الكتف، وضيق في التنفس كان يخنقها لساعات طويلة، فحاولت علاج نفسها بطرق طبيعية ثم بالأدوية، لكن الألم ظل يعود أشد من السابق.

كانت الإجابة التي تسمعها بعد كل فحص متشابهة: التهابات حادة أو ملاريا، لكن حالتها لم تتحسن. غالباً ما يصيب السل البالغين في سنوات العمر التي تشهد ذروة إنتاجيتهم، بيد أن كل الفئات العمرية معرّضة لخطره. وبحسب منظمة الصحة العالمية، تحدث نسبة تتجاوز 80% من الحالات والوفيات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

كما تحتفل الصحة العالمية سنوياً باليوم العالمي للسل بتاريخ 24 آذار/ مارس؛ وذلك لرفع مستوى الوعي العام بما يخلّفه وباء السل من آثار صحية واجتماعية واقتصادية مدمّرة، ولتكثيف الجهود الرامية إلى إنهاء هذا الوباء العالمي. ويتزامن هذا التاريخ مع اليوم نفسه من عام 1882 الذي أعلن فيه الدكتور روبرت كوخ عن اكتشافه للبكتيريا المُسبّبة للسل، مُمهّداً السبيل بذلك أمام تشخيص هذا المرض وعلاجه.

والسل مرض معدٍ يسببه أحد أنواع البكتيريا ويصيب الرئتين في الغالب، وينتقل عن طريق الهواء عندما يسعل المصابون به أو يعطسون أو يبصقون، ويمكن الوقاية من السل وعلاجه.

معاناة مُثقلة

تروي السيدة لمنصة “نسوان فويس” بصوت يختلط فيه التعب بالألم: “ذهبت لإحدى الطبيبات، وبعد اطلاعها على الفحوصات سألتني فجأة: هل أُصبتِ من قبل بمرض السل؟ حينها استغربت السؤال وقلت لها لا، لكنها قالت إن الأعراض تشير إلى إصابتي به”.

كانت تلك اللحظة صادمة لها، ولم تستوعب في البداية أن المرض الذي طالما سمعته مرتبطاً بالفقر والمعاناة قد أصبح جزءاً من حياتها. تم تحويلها إلى أحد المستشفيات، لكن الظروف المادية لم تسمح لها بالبقاء للعلاج، وعادت إلى منزلها وهي تحاول مقاومة المرض بما توفر لديها من مسكنات وأدوية بسيطة، بينما كانت صحتها تتدهور تدريجياً. لاحقاً أحالتها المختبرات إلى مركز مكافحة السل في عدن لإجراء فحوصات متخصصة، قبل أن تتوجه إلى المكلا لاستكمال العلاج.

لكن الصدمة النفسية كانت أكبر من المرض نفسه، لتقول: “عندما عرفت أنني مصابة بالسل شعرت أن نهايتي اقتربت، وظننت أنني سأموت”. مع مرور الوقت بدأ جسدها ينهك وفقدت الكثير من وزنها، ولم تكن قادرة على توفير الغذاء المناسب الذي يحتاجه الجسم أثناء تناول أدوية السل القوية، وأحياناً كانت تضطر لتناول العلاج بطعام خفيف لا يتناسب مع قوة العلاج، ولم تكن معاناتها صحية فقط بل اجتماعية أيضاً.

كانت تعمل في محل كوافير لتعيل بناتها، لكن بعد أن عرف الناس بمرضها بدأوا يتجنبونها، وتسترسل في حديثها: “الناس صاروا يتهربون مني، وتم توقيفي عن العمل خوفاً من أن أنقل لهم العدوى”.

وتحكي أن العزلة كانت قاسية خاصة بعد وفاة ابنتها، وهو الحدث الذي زاد من تدهور حالتها النفسية ودفعها للتوقف عن العلاج لفترة. وتضيف: “كنت أدعو دائماً ألا يبتلي الله أحداً بهذا المرض، وألا يشعر بما أشعر به”.

مرض الفقراء

توضح الدكتورة رانيا بن ثعلب، أخصائية طب الأسرة والباحثة في الصحة العامة والطبيبة في البرنامج الوطني لمكافحة الدرن فرع المكلا، أن هذه القصة ليست حالة فردية، وتقول لمنصة “نسوان فويس”: “إن مرض السل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالظروف الاجتماعية والاقتصادية، والفقر يؤدي إلى سوء التغذية الذي يضعف بدوره جهاز المناعة ويجعل الإنسان أكثر عرضة للإصابة بالمرض”.

كما تشير إلى أن الاكتظاظ السكني وقلة التهوية في المنازل القديمة تسهم أيضاً في انتقال العدوى بين أفراد الأسرة.

وتضيف: “عادة ما تُسجل نسب أعلى من الإصابات في المناطق الأكثر فقراً وفي أوساط النازحين، بسبب ظروف المعيشة الصعبة”.

وبحسب بيانات البرنامج الوطني لمكافحة الدرن في المكلا، تم تسجيل 23 حالة إصابة بالسل خلال شهري يناير وفبراير من عام 2026، بينها حالات إيجابية البلغم (معدية) وأخرى سلبية أو خارج الرئة.

وتشير بن ثعلب إلى أن الأرقام المسجلة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للمرض؛ لأن بعض الحالات لا يتم تشخيصها أو يتأخر المرضى في طلب العلاج.

تحديات العلاج

يواجه مرضى السل في اليمن تحديات متعددة، أبرزها الفقر وضعف الوعي الصحي والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض.

وتقول بن ثعلب: إن الكثير من المرضى قد يتأخرون في إجراء الفحوصات بسبب تكاليف المواصلات أو اعتقادهم أنها مكلفة، رغم أنها مجانية في مراكز مكافحة الدرن. وتضيف أن بعض المرضى يتوقفون عن تناول العلاج بعد تحسن الأعراض، رغم أن مدة العلاج الكاملة تصل إلى ستة أشهر.

وتحذر من أن الانقطاع عن العلاج قد يؤدي إلى عودة المرض أو ظهور سلالات مقاومة للأدوية، كما تؤكد أن بُعد المراكز الصحية يشكل عائقاً كبيراً أمام كثير من المرضى خاصة في المناطق الريفية.

موضحة أن ارتفاع تكاليف المواصلات وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية قد يؤديان إلى تأخر التشخيص أو انقطاع المرضى عن العلاج قبل إكمال مدته، وهو أمر خطير لأنه قد يساهم في استمرار انتشار المرض.

الحاجة إلى الدعم

ترى بن ثعلب أن مواجهة المرض تتطلب تعزيز التوعية المجتمعية وتوسيع خدمات التشخيص والعلاج في المرافق الصحية القريبة.

وتشير إلى أن بعض تقنيات التشخيص الحديثة لا تزال محدودة، موضحة أن جهاز PCR الخاص بتشخيص السل موجود فقط في بعض المراكز، ومركز المكلا هو الوحيد في محافظة حضرموت الذي يملك هذه الميزة.

كما تشدد على أهمية تفعيل الفرق الصحية المتنقلة للوصول إلى المخيمات والمناطق النائية، إضافة إلى تقديم الدعم الغذائي والاجتماعي للمرضى.

صوت من خلف الألم

اليوم لا تزال هذه المرأة تحاول استعادة حياتها خطوة بخطوة، لكنها تقول إن أكثر ما يؤلمها ليس المرض نفسه بل نظرة المجتمع. وتختم حديثها قائلة: “السل مرض مثل أي مرض، لكن الناس تخاف منه وتبتعد عن المريض”.

قصتها ليست مجرد حكاية مرض، بل مرآة لمعاناة خفية يعيشها كثير من المرضى بين الفقر والوصمة الاجتماعية، في وقت يمكن فيه للوعي والدعم أن يصنعا فرقاً حقيقياً في حياتهم.

 

مقالات اخرى