منيرة أحمد الطيار – نسوان فويس
تحتفل اليمنيات بعيد الفطر وعيد الأضحى بطقوس اجتماعية وثقافية متوارثة تعكس عمق الهوية اليمنية وتنوعها الجغرافي. ورغم تمسك كثير من الأسر بعادات الأجداد التي تشكل جزءاً من الذاكرة الجمعية للمجتمع، فإن السنوات الأخيرة شهدت دخول مظاهر احتفالية جديدة غيّرت بعض ملامح العيد مثل زينة “ثيمات العيد” وبوكسات الهدايا، والجاتوهات التي تحمل عبارات التهنئة.
وبين هذه التحولات يظل العيد مناسبة تتقاطع فيها الأصالة مع الحداثة حيث تحافظ العائلات على تقاليدها القديمة بينما تتبنى في الوقت نفسه بعض المظاهر المعاصرة. في هذا الاستطلاع ترصد نسوان فويس أبرز طقوس العيد في عدد من المحافظات اليمنية في محاولة لالتقاط ملامح الفرح كما يعيشها الناس في مناطق مختلفة من البلاد.
لوحة من الفرح الشعبي
في قضاء الشرفين والمحابشة بمحافظة حجة يتجلى العيد في صورة احتفال جماعي يعكس قوة الروابط الاجتماعية بين الأهالي، تقول بشرى الغيلي لـ”نسوان فويس” إن أجواء العيد تبدأ فور انتهاء صلاة العيد حين تعلو دقات الطبول “الطاسة”، وتصدح الأهازيج الشعبية في الساحات، بينما يتجمع الناس في الشوارع في مشهد يغلب عليه طابع الفرح والتآلف.
فيما تلعب النساء دوراً محورياً في التحضير لهذه المناسبة؛ إذ يبدأن قبل أيام بتجهيز المنازل وإعداد “جعالة العيد” التي تضم المكسرات والحلويات، إلى جانب طبق المقصقص الشهير في المنطقة، يُحضَّر المقصقص من الدقيق والبيض والسمن وحبة البركة والسكر والحليب، بعجينة تشبه البيتفور تُقص بالمقص وتُزيَّن بالزبيب واللوز، ليجمع بين الطعمين الحلو والمالح ورغم تغير كثير من مظاهر الاحتفال ما تزال العديد من الأسر تحرص على إعداد هذا الطبق باعتباره جزءاً من موروث المنطقة.
وخلال أيام العيد تستقبل النساء الزوار بالبخور والطيب، وأنواع مختلفة من المكسرات والزبيب والعصائر، وتستمر الزيارات العائلية لعدة أيام، فيما تظل نقوش الحناء على أيدي الفتيات علامة مميزة لأجواء الاحتفال.

العيد بين الذاكرة والتحولات
في محافظة أبين تسرد، سعيدة الشيبة، لـ”نسوان فويس” كيف تبدأ ملامح العيد قبل يومه فيما يُعرف محلياً بـ “يوم الله بعوده” حيث يرتدي الأطفال ملابسهم الجديدة ويجوبون الحارات للحصول على “النعنع” و“العيدية” ورغم أن هذه العادة ما زالت حاضرة فإن كثيراً من الأهالي يلاحظون تغيراً في بعض الممارسات فالأطفال اليوم يقضون وقتاً أطول في اللعب بدلاً من التنقل بين البيوت لجمع العيديات كما كان يحدث في الماضي، كما تراجعت كثافة الزيارات العائلية مقارنة بزمن الأجداد فباتوا يكتفون بالسلام في مصلى العيد.
تقاليد تصمد أمام الزمن
في محافظة الضالع تحكي سامية محمد، أنه ما تزال طقوس إعداد كعك العيد والحلويات الشعبية في المنازل جزءاً أساسياً من الاستعدادات حيث تجتمع الأمهات والبنات قبل العيد بأيام في أجواء عائلية تعزز الترابط الأسري وتحافظ على استمرارية العادات التقليدية.
وفي صباح العيد يرتدي الأطفال ملابسهم الجديدة ويزورون بيوت الأقارب والجيران للحصول على العيدية والحلويات، فيما تحرص النساء على التزين بالحناء الذي يُعد جزءاً مهماً من زينة العيد.
اختلافات بين الساحل والوادي
إكرام فرج، تتحدث عن تميز حضرموت بطقوس عيدية تختلف إلى حدٍ ما عن بقية المحافظات اليمنية الأخرى، بل إنها ترى أن هذه الطقوس تختلف حتى على مستوى المحافظة نفسها، بين مناطق الساحل، والوادي. ففي مناطق الساحل يظهر المسحراتي في اليوم الأخير من رمضان مودعاً الشهر بعد أن أمضى لياليه يوقظ الناس للسحور ويستقبله الأطفال بفرح وهم يرددون أهازيج خاصة ويقدمون له التبرعات، في طقس يرمز إلى ختام الشهر الفضيل واستقبال العيد.
وفي صباح العيد يتوجه بعض الأهالي مباشرة بعد الصلاة لمعايدة أقاربهم بينما يفضل آخرون إقامة فطور جماعي قبل بدء الزيارات. أما في مدينة الحامي التابعة لمديرية الشحر فيشهد اليوم الثاني من العيد طقساً اجتماعياً يعرف بـ “العواد السنوي” حيث يجتمع رجال الحارة لزيارة جميع بيوت الحي، خصوصاً بيوت كبار السن والمرضى، قبل أن تقوم النساء بزيارات مماثلة لاحقاً بما يتناسب مع خصوصية المجتمع.
وتحظى نقوش الحناء أيضاً بأهمية كبيرة قبل العيد إذ تجتمع الفتيات لدى “المنقِّشة” لرسم النقوش التقليدية التي تزين أيديهن استعداداً للمناسبة.

يتفرد الريف بمحافظة إب بفعاليات خاصة، تقام خلال ليالي عيد الأضحى عبارة عن عروض شعبية على إيقاع “المرافع “و”الطاسة” تتخللها مسرحيات فكاهية وقصائد شعرية تعالج قضايا اجتماعية بأسلوب ساخر يجمع بين الترفيه والنقد الاجتماعي.
ومن الطقوس اللافتة ما يعرف بـ “حرواة صاحب البقرة” حيث يقام موكب احتفالي ساخر لصاحب الأضحية، عندما تكون الأضحية أنثى الثور
الفرح كسخرية وفن شعبي
في محافظة إب تتشابه طقوس عيد الفطر مع غيرها من المحافظات من حيث صلاة العيد وتبادل الزيارات وتوزيع الحلوى والعيديات، كما يشير أشرف الريفي، لكن الريف بمحافظة إب يتفرد بفعاليات خاصة، تقام خلال ليالي عيد الأضحى عبارة عن عروض شعبية على إيقاع “المرافع “و”الطاسة” تتخللها مسرحيات فكاهية وقصائد شعرية تعالج قضايا اجتماعية بأسلوب ساخر يجمع بين الترفيه والنقد الاجتماعي.
ومن الطقوس اللافتة ما يعرف بـ “حرواة صاحب البقرة” حيث يقام موكب احتفالي ساخر لصاحب الأضحية، عندما تكون الأضحية أنثى الثور، في أجواء مليئة بالموسيقى الشعبية والرقص والدعابة بهدف إدخال البهجة على الأهالي.
ليلة الجايزة انتهاءٍ وابتداء
في مدينة شهارة بمحافظة عمران، يحتفظ الأهالي بطقس مميز يسبق عيد الفطر يُعرف باسم “ليلة الجايزة” ففي الليلة الأخيرة من رمضان يجتمع الناس في الجامع في أجواء روحانية، يتضرعون فيها إلى الله أن يتقبل صيامهم وقيامهم على أمل أن تكون الجائزة هي القبول والثواب.
ولا تكتمل هذه المظاهر دون طقوسها الاجتماعية إذ يتشارك الأهالي صبيحة يوم العيد، إفطاراً بسيطاً تتصدره الزلابية، إلى جانب “جعالة العيد” التي تضم أصنافاً شعبية مثل العتر والمليمات والمكسرات اليمنية كالذمول والمقصقص والتنفاش ومشروب القهوة، وخلال الزيارات يتم تقديم مبالغ نقدية للنساء والأطفال المواد الغذائية، يسمى بـ “العَسَب” ويقدم إلى جانب ذلك في القرى المجاروة أصناف الطعام مثل اللحـوح والذمول.
وفي عيد الأضحى تستمر هذه الروح الاجتماعية من خلال عادة “الزيارة” حيث تُهدى اللحوم إلى الأقارب والأرحام بعد الأضحية.
خلال السنوات الأخيرة توسعت هذه المظاهر لتشمل “ثيمات العيد” والجاتوهات الفاخرة وهي اتجاهات تعكس محاولة مواكبة أنماط الاحتفال الحديثة غير أن البعض يرى أن هذه المظاهر قد تفرض ضغوطاً اجتماعية ومادية على الأسر محدودة الدخل
بين البساطة ومواكبه التطورات

تتباين ملامح الاحتفال بالعيد في اليمن بين الريف والمدن ففي القرى ما يزال العيد يحتفظ بطابعه البسيط والأصيل حيث تُحضَّر الأطعمة في المنازل وتتم الزيارات العائلية بعيداً عن التكلف ويشارك الأطفال في إشعال “النصيرة” ليلة العيد وهي عادة تنتشر بشكل خاص في المناطق التهامية إذ يجتمع الصغار لجمع الحطب وإشعال النار في طقس رمزي يعبّر عن وداع رمضان واستقبال أيام العيد.
في المقابل بدأت المدن الكبرى تشهد تغيرات تدريجية في شكل الاحتفال مع انتشار بعض المظاهر الحديثة مثل شراء الحلويات الجاهزة بدلاً من إعدادها منزلياً، وتبادل التهاني عبر وسائل التواصل الاجتماعي إضافة إلى ظهور زينة العيد المعاصرة وبوكسات الهدايا.
وخلال السنوات الأخيرة توسعت هذه المظاهر لتشمل “ثيمات العيد” والجاتوهات الفاخرة وهي اتجاهات تعكس محاولة مواكبة أنماط الاحتفال الحديثة غير أن البعض يرى أن هذه المظاهر قد تفرض ضغوطاً اجتماعية ومادية على الأسر محدودة الدخل وتشجع نمطاً احتفالياً أكثر استهلاكاً قد يبتعد تدريجياً عن روح العيد القائمة على البساطة واللقاء العائلي.

