يمنيات في مواجهة خطاب ” عدم أهلية استحقاق الوظائف”

شارك المقال

عبد الرقيب اليعيسي – نسوان فويس 

في الساعة الثامنة صباحًا، تغادر أسماء منزلها في صنعاء متجهة إلى عملها في إحدى شركات الاتصالات. الطريق مألوف، والوجوه متشابهة، لكن الشعور الذي يرافقها كل يوم ليس عاديًا.

أدرك إن البطالة سببها الحرب والوضع الاقتصادي، التي تعيشه البلاد، بس المجتمع اختار يحّملنا نحن النساء الذنب، وعلى افتراض تركت الشغل! البطالة ما بتختف، اللي بيختفي هو دخل أسرتي وبس

الوظيفة كتهمة

أسماء (27 عامًا) تقول لـ”نسوان فويس” إنها بعد عامين من البحث المضني وجدت هذه الوظيفة براتب متواضع، لكنه بات شريان الحياة الوحيد لأسرتها، بعد أن أقعد المرض والدها. “ما كنت أحلم بوظيفة كبيرة، كنت بس أبحث على شيء يخلينا واقفين”.

لكن العمل، الذي كان من المفترض أن يكون مخرجًا من الضيق، تحول إلى ساحة مواجهة يومية. في المكتب، والشارع، وحتى في محيطها الاجتماعي، تسمع الجملة ذاتها بصيغ مختلفة: ” ليش تشتغلي؟ هذا حق الرجال! “.

تروي أسماء أنها في أحد الأيام سمعت زميلًا يقول لها بصراحة جارحة:

“وجودكن في الوظائف سبب بطالتنا”، وفي مرة أخرى، دار حديث جانبي في مكان العمل عن أن النساء” يخربن السوق” لأنهن يقبلن برواتب أقل. “الكلام هذا تعبني نفسيًا أكثر من الشغل نفسه”، تقول أسماء. “خلاني أحس إني مذنبة، كأني سرقت شيء مش حقي”

هذا الإحساس بالذنب انعكس على سلوكها. صارت تتردد في المطالبة بحقوقها، تخشى الاعتراض، وتخفض صوتها حين تتحدث.

حتى عندما طلبت زيادة بسيطة في الراتب، قوبلت بتلميحات بأن وجودها في الوظيفة “فرصة بحد ذاته”، وأن هناك رجالًا أولى بالمكان.

وتضيف بمرارة: “أدرك إن البطالة سببها الحرب والوضع الاقتصادي، الذي تعيشه البلاد، بس المجتمع اختار يحّملنا نحن النساء الذنب، وعلى افتراض تركت الشغل! البطالة ما بتختفي، اللي بيختفي هو دخل أسرتي وبس”.

 

خطاب موسع

قصة أسماء ليست حالة فردية، خلال السنوات الأخيرة، ومع تعمّق الأزمة الاقتصادية، تصاعد خطاب اجتماعي يربط بين خروج المرأة إلى سوق العمل وارتفاع معدلات بطالة الذكور.

خطاب يجد طريقه إلى المجالس العامة، وأماكن العمل، ووسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى إلى المؤسسات التعليمية.

هذا الخطاب يصوّر المرأة العاملة كطرف منافس، وأحيانًا كمتسبب مباشر في أزمة اقتصادية معقدة، في بلد يعاني من انهيار شبه كامل في سوق العمل بفعل الحرب، وتوقف الرواتب، وتراجع الاستثمار، وانكماش القطاعين العام والخاص.

غير أن الأرقام الرسمية ترسم صورة مغايرة تمامًا، فبحسب تقرير منظمة أكابس (ACAPS) المعني بالتمكين الاقتصادي للمرأة في اليمن الصادر في يونيو/حزيران 2023، فإن نسبة مشاركة المرأة اليمنية في القوة العاملة لا تتجاوز 7% فقط منذ عام 2015، وهي من بين أدنى النسب عالميًا.

كما تشير البيانات إلى أن النساء كنّ من أكثر الفئات تضررًا وفقدانًا للوظائف منذ بداية النزاع، سواء بسبب توقف المؤسسات، أو القيود الاجتماعية، أو هشاشة فرص العمل المتاحة لهن.

الحقب: ربط عمل المرأة بارتفاع بطالة الذكور يمثل طرحًا اختزاليًا، يتجاهل التعقيد الحقيقي للمشهد الاقتصادي، ويقفز فوق الأسباب البنيوية للأزمة، مثل ضعف السياسات الاقتصادية، والفساد، وتراجع فرص العمل، وعدم مواءمة التعليم مع احتياجات السوق، إضافة لاختلالات الأجور

قلق المكانة لا صراع الوظائف

يرى الباحث في علم الاجتماع صلاح الحقب أن هذا الخطاب لا يعكس صراعًا حقيقيًا على الوظائف، بقدر ما يعبر عن قلق ذكوري مرتبط بفقدان الامتيازات التقليدية.

فدور الرجل كمُعيل أساسي للأسرة، شكّل أحد أعمدة المكانة الاجتماعية، بات مهددًا في ظل البطالة الواسعة، ما يدفع بعضهم للبحث عن تفسير سهل للأزمة.

ويقول إن تحميل النساء مسؤولية البطالة يدخل ضمن ما يُعرف بـآليات البحث عن “كبش فداء”، حيث تُحمَّل فئة ضعيفة اجتماعيًا مسؤولية أزمات هيكلية لا تملك أي سيطرة عليها.

ويضيف الحقب في حديثه لـ”نسوان فويس” : ” ربط عمل المرأة بارتفاع بطالة الذكور يمثل طرحًا اختزاليًا، يتجاهل التعقيد الحقيقي للمشهد الاقتصادي، ويقفز فوق الأسباب البنيوية للأزمة، مثل ضعف السياسات الاقتصادية، والفساد، وتراجع فرص العمل، وعدم مواءمة التعليم مع احتياجات السوق، إضافة لاختلالات الأجور” .

ولا ينطلق هذا الخطاب، بحسب الحقب، من منطق السوق القائم على الكفاءة والإنتاجية، بل من تصورات ثقافية حول “من يستحق العمل”.

وهي تصورات متجذرة تنطلق من قلقٍ للوعي الجمعي، يُنظر إلى العمل كحق طبيعي للرجل.

هذه النظرة لا تكتفي بإقصاء النساء رمزيًا، بل تترك آثارًا نفسية عميقة. فالمرأة العاملة تجد نفسها في حالة دفاع دائم، تشعر بالذنب لمجرد أنها تعمل، وتعيش ضغطًا نفسيًا مضاعفًا، وتدخل في حالة من الاغتراب الاجتماعي، كأنها متهمة حتى وهي تمارس حقًا اقتصاديًا مشروعًا.

حتى قاعات المحاضرات

لم يتوقف هذا الخطاب عند حدود الشارع وسوق العمل.

تروي نعمة صالح لـ” نسوان فويس ” فنية مختبرات تعمل في مستشفى بمنطقة معبر، أن المفاجأة كانت حين سمعت هذا الاتهام داخل قاعات الدراسة نفسها.

“كان بعض الأكاديميين يقولون أمام الطالبات إن خروج المرأة للعمل بأجور أقل أفسد سوق العمل وتسبب في بطالة الرجال”، تقول نعمة. “ما حد تكلم عن حقنا في العمل، ولا عن الأسباب الحقيقية للأزمة”.

وتضيف بحسرة:” بدل ما يشجعونا على التنافس العلمي والمهني، كنا نُصوَّر كعائق أمام الرجال، وكأن البطالة ذنب ارتكبته النساء”.

وفي شهادة أخرى، تؤكد زميلة لنعمة تعمل معها في نفس المستشفى أن المرأة العاملة تعيش حصارًا مزدوجًا.

فهي متهمة في الفضاء العام بمزاحمة الرجل على العمل، وفي الوقت ذاته تتحمل داخل الأسرة عبء الإعالة، إلى جانب كل الأدوار التقليدية من رعاية وتربية وأعمال منزلية، دون اعتراف أو تقدير. تقول: “نصرف على بيوتنا، ومع هذا نُلام”

“نشتغل، ونتهم، ونتعب… وكأن المطلوب نختفي”.

 

تنافس النساء، الرجال في سوق العمل عبر القبول بأجور منخفضة، وهذا هو السبب الذي أضر بالفرص المتاحة للخريجين الذكور وجعلهم عاطلين عن العمل

تنميط عمل المرأة

في المقابل عبد الرحمن مسعد ( 28 عاماً) خريج فني مختبرات من جامعة صنعاء، يحّمل المرأة المسؤولية الكاملة عن بطالته وعدم حصوله على فرصة عمل، إذ يقول بنبرة يغلب عليها السخط إن “فرص العمل أخذتها البنات”، حد تعبيره.

يقول عبد الرحمن في حديث لـ” نسوان فويس”: ” تنافس النساء، الرجال في سوق العمل عبر القبول بأجور منخفضة، وهذا هو السبب الذي أضر بالفرص المتاحة للخريجين الذكور وجعلهم عاطلين عن العمل” ويذهب أبعد من ذلك حين يزعم أن المرأة التي تعمل” أكبر همّها أن تفتخر بأنها موظفة”، لا أن تتحمل – حسب قوله – مسؤولية إعالة أسرة مثلما يتحمل الذكور.

ولا يتوقف اعتراضه عند حدود الأجور، إذ يلفت إلى أن بعض الجهات، كما يقول، تفضّل توظيف النساء لأنهن “أكثر جاذبية من الناحية الدعائية والوجاهية للمجتمع”، معتبرًا أن حضور المرأة في بعض المؤسسات يُستخدم كـ” ديكور جذب” للزبائن أو المراجعين.

ويختم عبد الرحمن رأيه بالقول إن عمل المرأة، في نظره، “يهبط من مستواها”، ويُفقدها قيمتها الاجتماعية.

طرح مضحك ومبكٍ

من جهتها، تصف الدكتورة سامية الأغبري، أستاذة الإعلام في كلية الإعلام بجامعة صنعاء، لـ”نسوان فويس” مقولة إن النساء يستحوذن على الوظائف بأنها “مضحكة ومبكية في آن واحد”.

وترى الأغبري أن هذا الخطاب يذهب إلى أسهل طريق في البحث عن شماعة للأزمة، بدل مواجهة الأسباب الحقيقية المرتبطة بسوق العمل.

وتشير إلى أن الأولى أن يُوجَّه إلى أرباب العمل الذين يستغلون حاجة النساء للعمل ويشغلونهن بأجور منخفضة، لا إلى النساء أنفسهن.

كما توضح أن الركود الوظيفي لا يطال الذكور فقط، بل يشمل الجميع، في ظل تراجع القطاع الحكومي، واستمرار كبار السن في وظائفهم دون تقاعد، ما يغلق أبواب التوظيف أمام الأجيال الجديدة.

وتضيف أن القطاع الخاص، حين يفضل أحيانًا توظيف النساء، لا يفعل ذلك لأنهن” يخطفن الوظائف”، بل لأنهن أكثر انضباطًا وتحملًا بحكم تعودهن، ولأن كثيرات يُجبرن على قبول أجور أقل بسبب الحاجة، خاصة في ظل انقطاع رواتب عدد كبير من الرجال، وتحمل النساء مسؤوليات الإعالة.

 

وتنفي الأغبري أن يكون خروج المرأة إلى سوق العمل خيارًا ترفيهيًا، مؤكدة أن الظروف الاقتصادية القاسية فرضت ذلك على كثيرات.

وتشير إلى أن بعض النساء اضطررن إلى تأجيل الزواج أو رفضه، لأن دخل الأسرة يعتمد عليهن بشكل أساسي.

اتهامات تطال العِرض

وفي الميدان الطبي، ترى، العاملة في التمريض منال الشميري، التي تعمل في مركز صحي بأحد الأرياف، أن أخطر ما تواجهه المرأة العاملة هو اختزال أزمة البطالة في وجودها بسوق العمل.

وتشير إلى أن هذا الاتهام كثيرًا ما يتحول إلى إساءة أخلاقية، خاصة تجاه النساء العاملات في المناوبات الليلية، مستذكرة مواقف تعرضت فيه، لإهانات مباشرة من شخص اربعيني أتى ليتعالج في المركز، وعندما أكملت من القيام بعملها معه، التفت إليها ووصمها هي وزميلتها بأنهن بلا شرف وليس لديهن أهل معتبراً إن العمل بالليل للرجال..

تعكس هذه القصص واقعًا تعيشه نساء كثيرات في اليمن، حيث يصبح العمل ضرورة قاسية لا خيارًا، ويتحول من حق اقتصادي إلى تهمة اجتماعية.

في بلد يعاني من انهيار شامل، لا تختفي البطالة بإقصاء النساء، لكن ما يختفي غالبًا هو آخر مصدر دخل لأسر بأكملها.

الصورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

مقالات اخرى