في خطوط طويلة تفتقر لوجود دورة مياه:كيف تُختبر كرامة النساء في سفر اليمن اليومي؟

شارك المقال

فاطمة العنسي – نسوان فويس

غادرت سلمى (اسم مستعار) مدينة تعز في وقت مبكر من الفجر. كانت وجهتها العاصمة صنعاء في رحلة استغرقت قرابة الست ساعات، أغلقت قنينة الماء بإحكام، ليس حرصا على توفير المياه، بل لتفادي الحاجة إلى ما تعلم يقينا أنه غير متوفر على طول الطريق؛ دورة مياه مخصصة للنساء.

مع مرور الساعات، تحوّلت الرحلة من مجرد مسافة تُقطع إلى صبر يُستنزف، كانت السيارة تتوقف عدة مرات، في سبيل أن ينزل الذكور لقضاء حاجتهم، والعودة سريعا، بينما بقيت سلمى في مقعدها، تحبس البول، مُفضّلةً تحمل الألم على التعرض للإحراج أو الإهانة في مكان مكشوف يفتقر إلى أي حماية أو خصوصية.

لم تشرب كثيرا، ولم تتحرك، فقط انتظرت، وهي تدرك أن جوهر المشكلة لا يكمن في مشقة السفر بحد ذاته، بل في الافتقار إلى حق أساسي وبسيط لا ينبغي أن يكون موضع نقاش أو إهمال.

وعند وصولها إلى صنعاء، كانت سلمى متعبة جسديا ومنهكة نفسيا، لكنها أخفت تجربتها القاسية خلف ابتسامة.

واقع يتكرر على طرق طويلة

تجسّد تجربة سلمى واقعا مريرا تعيشه آلاف النساء اللائي يسافرن عبر خطوط الطرق الطويلة، حيث تتحوّل الرحلة العادية إلى امتحان صامت للكرامة الإنسانية ويُصبح توفير دورة مياه آمنة مطلبا جوهريا يتجاوز كونه خدمة ثانوية، بل هو حاجة أساسية لا يمكن التغاضي عنها.

وفي إطار توضيح المسؤوليات، أشار تيسير السامعي، مسؤول الإعلام الصحي في وزارة الصحة بتعز، لمنصة “نسوان فويس” إلى أن مسألة توفير دورات مياه آمنة للسيدات على الطرقات لا تندرج ضمن مسؤوليات وزارة الصحة بشكل مباشر، بل تقع على عاتق جهات أخرى، في مقدمتها السلطة المحلية، ومصلحة الطرقات، وصحة البيئة.

وأوضح أن دور وزارة الصحة يقتصر على التنبيه إلى الأضرار الصحية الناتجة عن غياب مرافق صحية مناسبة، خاصة للنساء، مثل احتباس البول وما يترتب عليه من مخاطر صحية كأمراض الكلى.

وأضاف أن الوزارة لا يمكنها تنفيذ مثل هذه المشاريع دون تنسيق ودعم من الجهات المعنية، مشيرا إلى شح الإمكانيات حاليا. مع ذلك، شدد على أهمية تكاتف الجهود المجتمعية، ودعم رجال المال والأعمال، وتشجيع المبادرات المحلية، معتبرا أن المجتمع قادر على سد بعض الفجوات الخدمية في ظل غياب الدولة.

المعاناة الناجمة عن نقص المرافق الصحية لا تقتصر على النساء فحسب، بل تشمل أيضا فئات أخرى مثل كبار السن ومرضى السكري، الذين تتحول الرحلة بالنسبة لهم إلى مصدر قلق حقيقي ومستمر.

كما أن العديد من كبار السن لا يستطيعون حبس البول لساعات طويلة، كما أن بعضهم يعاني من أمراض مزمنة تتطلب استخدام الحمام بشكل متكرر

معاناة لا تقتصر على النساء

يؤكد منير البقمي، وهو أحد سائقي سيارات النقل العاملة على الخطوط الطويلة، أن المعاناة الناجمة عن نقص المرافق الصحية لا تقتصر على النساء فحسب، بل تشمل أيضا فئات أخرى مثل كبار السن ومرضى السكري، الذين تتحول الرحلة بالنسبة لهم إلى مصدر قلق حقيقي ومستمر.

وأوضح في حديثه لمنصة “نسوان فويس” أن العديد من كبار السن لا يستطيعون حبس البول لساعات طويلة، كما أن بعضهم يعاني من أمراض مزمنة تتطلب استخدام الحمام بشكل متكرر.

ويضيف البقمي، الذي يعمل سائقاً على خط (صنعاء–تعز–صنعاء–الحديدة): “في بعض الأحيان، نضطر للتوقف في أماكن غير مهيأة وغير مناسبة، وهذا ليس رغبة منا، بل لأن راكبا مسنا أو مريض سكري لم يعد قادرا على التحمل. المشكلة تكمن في أننا كسائقين نشعر بالحرج، والراكب يشعر بالحرج أكثر، لأن المكان غير آمن ولا إنساني”.

ويشير إلى أن مرضى السكري يعانون بشكل خاص، بسبب تأثير المرض والأدوية المدرّة للبول، لافتا إلى أن بعضهم يقلل من شرب الماء عمدا طوال الرحلة، ما يعرضهم لمضاعفات صحية خطيرة، فقط لأن الطريق يفتقر إلى دورات مياه مناسبة. ويختم بالقول إن توفير دورات مياه آمنة ونظيفة على الطرق سيخفف معاناة الجميع، نساءً ورجالًا، وسيجعل الرحلة أكثر إنسانية وأقل إحراجا.

المخاطر الصحية لحبس البول

تشير الدراسات الطبية إلى أن حبس البول لفترات طويلة، خاصة أثناء السفر، يؤثر سلبا على صحة الجهاز البولي. تؤكد هذا الأمر نهى العريقي، طبيبة عامة تعمل في أحد المستشفيات الحكومية، موضحةً أن حبس البول يزيد من احتمالية الإصابة بزيادة الأملاح، والتهابات المثانة، والتهابات الجهاز البولي بشكل عام، وقد يتطور الأمر إلى حالة ارتجاع بولي.

وتلفت العريقي الانتباه إلى أن التكرار المستمر لهذه الممارسة قد يؤدي إلى ضعف في عضلة المثانة نتيجة لتمددها المتكرر، مما يقلل من كفاءتها الوظيفية وقدرتها على العمل بكفاءة. وعلى النقيض من ذلك، فإن التفريغ المنتظم للمثانة يساهم في الحفاظ على صحة الجهاز البولي ووظائفه الطبيعية.

وتضيف العريقي في حديث لمنصة “نسوان فويس”:” استخدام الحمامات العامة التي تفتقر إلى النظافة يشكل عامل خطر للإصابة بالالتهابات، مع ملاحظة أن النساء أكثر عرضة للإصابة بسبب طبيعة التكوين التشريحي للجهازين البولي والتناسلي”

وتشدد على أن هذه المشكلة لا تتعلق بجهة مختصة واحدة، بل هي قضية صحة عامة وثقافة مجتمعية، في ظل غياب الوعي الكافي بأهمية النظافة في المرافق العامة.

وتؤكد أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تضافر جهود المجتمع والجهات المختصة والخيرية لتوفير مرافق صحية ملائمة وضمان الإشراف المستمر على نظافتها.

اضطرار المرأة إلى كبت احتياجاتها الجسدية لساعات طويلة يضع جسدها ونفسها في حالة توتر دائم، ويعزز شعورا بأن الفضاء العام غير مهيأ لها أو غير آمن.

ومع تكرار التجربة، تتحوّل إلى إجهاد نفسي تراكمي يظهر على شكل قلق مزمن، خوف من التنقل، أو تجنب السفر والأنشطة الاجتماعية

التداعيات النفسية العميقة على المرأة

من منظور نفسي، تقول الأخصائية من مستشفى الأمل للطب النفسي بصنعاء وفاء علي، لمنصة “نسوان فويس”: “غياب دورات مياه آمنة على الطرق ليس تفصيلا خدميا بسيطا، بل تجربة ضاغطة تمس الاحتياجات الأساسية للنساء المتعلقة بالأمان والكرامة”.

وتوضح أن اضطرار المرأة إلى كبت احتياجاتها الجسدية لساعات طويلة يضع جسدها ونفسها في حالة توتر دائم، ويعزز شعورا بأن الفضاء العام غير مهيأ لها أو غير آمن.

ومع تكرار التجربة، تتحوّل إلى إجهاد نفسي تراكمي يظهر على شكل قلق مزمن، خوف من التنقل، أو تجنب السفر والأنشطة الاجتماعية.

ومن زاوية أخرى، ترسّخ هذه التجربة رسالة ضمنية مفادها أن احتياجات المرأة أقل أهمية، ما يؤثر سلبا على الثقة بالنفس وإحساس الاستحقاق في الحياة. وقد تمتد التأثيرات إلى الجسد نفسه عبر توتر عضلي وآلام متكررة، وإلى العلاقات الاجتماعية عبر الانسحاب أو تقليص المشاركة.

أبعد من مجرد خدمة مفقودة

أثناء التنقل، لا ينصب تفكير النساء على الوجهة النهائية بقدر ما ينصب على قدرة أجسادهن على حبس حاجتهن الطبيعية للحمام، كيف سيتحمل الجسد؟ وإلى متى سيصمد؟ في الطرق التي تفتقر إلى دورات مياه آمنة، تتحول الحاجة الطبيعية إلى مصدر قلق صامت، وتصبح الرحلة اختبارا للأعصاب والكرامة في آن واحد؛ فغياب المرافق الصحية الآمنة يترك أثرًا نفسيًا عميقًا على شعور النساء بالأمان، ويقيد حريتهن في التنقل، ويحد من مشاركتهن الفعّالة في الحياة العامة.

تم إنشاء الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

مقالات اخرى