إجازة بلا راتب.. حين تتحول العطلة إلى عبء

شارك المقال

منيرة أحمد الطيار – نسوان فويس

في الوقت الذي تبدو فيه الإجازة المدرسية فترة انتظار مفضلة لدى كثير من الطلاب، تتحول لدى عدد كبير من المعلمات في المدارس الخاصة إلى مصدر قلق وضغط، بسبب توقف الرواتب خلال هذه الفترة، لما يترتب على ذلك من صعوبات متزايدة في تلبية الالتزامات الأساسية مثل إيجار السكن وتوفير الغذاء وسداد التزامات الحياة اليومية.

وعوضاً من أن تكون الإجازة محطة للراحة، تصبح بالنسبة لهؤلاء المعلمات فترة ثقيلة تتضاعف فيها الأعباء، خصوصاً لمن يتحمل منهن مسؤوليات أسرية، ولا يمتلكن مصادر دخل بديلة تساعدهن على تغطية نفقات المعيشة طوال مدة الإجازة.

 

الخيار الوحيد

في السنوات الأخيرة ومع ارتفاع معدلات البطالة، اتجهت العديد من الخريجات حتى من خارج التخصصات التربوية إلى العمل في قطاع التدريس باعتباره أحد الخيارات المتاحة في سوق عمل محدود الفرص، إذ وجدت حاملات شهادات في مجالات متنوعة في المدارس الخاصة بابًا مفتوحًا نسبيًا مقارنة بقطاعات أخرى تكاد تكون مغلقة أمام النساء.

ورغم غياب أرقام دقيقة لعدد المدارس الخاصة في اليمن، إلا أن حضورها، بات واضحًا في معظم المناطق في ظل هشاشة غير مسبوقة للتعليم الحكومي وتزايد أعداد الطلاب، مما جعل هذه المدارس خيارًا واسع الانتشار للأسر الباحثة عن استقرار نسبي للعملية التعليمية.

غير أن هذا الانتشار لا يعني بالضرورة استقرارًا وظيفيًا للمدرسات، فغالبية المدارس الخاصة تعتمد أنظمة تعاقدية مرنة توقف صرف الرواتب خلال الإجازات، ما يضع المدرسات خصوصًا المعيلات لأسرهن في مواجهة مباشرة مع انقطاع الدخل.

أصعب ما في عملي ليس ضغط الحصص ولا تصحيح الدفاتر، بل تلك الفترة التي يتوقف فيها كل شيء فجأة، إذ تتوقف الرواتب مع نهاية العام الدراسي وحتى بداية العام الدراسي الجديد، ومما يزيد الأمر سوءا هو تزامن العطلة مع المناسبات والأعياد مثل رمضان وعيدي الفطر والأضحى، لكن بالنسبة لي هي بداية معركة

 

عطلة أم معركة يومية

تشرح أمل، معلمة لمادة اللغة العربية في مدرسة خاصة، منذ سبع سنوات وأرملة وأم لثلاثة أطفال، تجربتها لـ “نسوان فويس” بنبرة حزينة متعبة: “أصعب ما في عملي ليس ضغط الحصص ولا تصحيح الدفاتر، بل تلك الفترة التي يتوقف فيها كل شيء فجأة، إذ تتوقف الرواتب مع نهاية العام الدراسي وحتى بداية العام الدراسي الجديد، ومما يزيد الأمر سوءا هو تزامن العطلة مع المناسبات والأعياد مثل رمضان وعيدي الفطر والأضحى، لكن بالنسبة لي هي بداية معركة”.

تعتمد أمل كليا على راتبها الشهري لتغطية إيجار المنزل وفواتير الخدمات ومصاريف أطفالها الدراسية، ومع توقفه تبدأ سلسلة من الحسابات الدقيقة حول ما الذي يمكن تأجيله وما الذي يمكن الاستدانة لأجله.

وفي هذه الحالة، تلجأ أمل إلى الاستدانة “من قريباتي، وأحيانا اشتري من البقالة دينًا، رغم أن هذا الخيار مكروه لكن ليس باليد حيلة”، تضيف منكسرة.

 

 

هموم غير مرئية

ليست أمل حالة استثنائية؛ فهناك الكثير من المعلمات اللواتي يعشن ظروفاً مشابهة، مثل فاطمة، معلمة مادة الرياضيات، وهي مطلقة وتعيل طفلين. تقول فاطمة إن الإجازة المدرسية تكشف هشاشة الاستقرار الذي تحاول الحفاظ عليه طوال العام.

وتضيف، وهي تتحدث بحذر لـ”نسوان فويس” عن ظروفها، قائلة: “طوال العام أرتب حياتي على أساس أن الراتب سيأتي كل شهر، ثم تأتي الإجازة فتُربك هذا النظام فجأة”.

وتشير فاطمة إلى أن هذا الواقع يخلق فجوة بين ما تعيشه المعلمات فعلياً وبين نظرة المجتمع إليهن بوصفهن موظفات يتمتعن باستقرار وظيفي، وهي نظرة ترى أنها لم تعد تعكس الحقيقة في ظل المتغيرات الاقتصادية التي شهدتها السنوات الأخيرة.

وتتابع موضحة هذه المفارقة: “الناس تظن أننا في راحة خلال الإجازة، لكنني في الحقيقة أكون في سباق مع الوقت لأجد عملاً مؤقتاً؛ أحياناً أعطي دروساً خصوصية، وأحياناً أشارك في إعداد ملازم تعليمية مقابل مبالغ بسيطة. بالنسبة لي لا يتعلق الأمر بالكماليات، بل بالأساسيات… فالإيجار لا يأخذ إجازة”.

موسم الديون

تحوّلت الإجازة المدرسية لدى كثير من المعلمات في المدارس الخاصة إلى فترة مثقلة بالضغوط المالية، إذ تجد بعضهن أنفسهن مضطرات للاستدانة لتغطية نفقات المعيشة خلال الأشهر التي تتوقف فيها الرواتب. وفي هذه الفترة تعتمد العديد منهن على الاقتراض من أفراد العائلة أو الصديقات، فيما تلجأ أخريات إلى الانضمام لجمعيات ادخار شهرية أو حتى بيع بعض مقتنياتهن الشخصية لتجاوز هذه المرحلة الصعبة.

في هذا السياق، تروي سلمى، وهي معلمة لمادة العلوم، تجربتها لـ “نسوان فويس” مع هذه الظروف قائلة: “كنت أحاول ادخار جزء من راتبي تحسباً للإجازة، لكن الغلاء المتزايد جعل الادخار مهمة شبه مستحيلة؛ فالراتب بالكاد يغطي الأساسيات، وعندما تأتي الإجازة أشعر وكأنني أبدأ من الصفر”.

أمام هذا الواقع، تلجأ بعض المعلمات إلى ابتكار وسائل مختلفة للتكيّف مع الضغوط المالية، مثل تقديم دروس خصوصية أو العمل في الخياطة المنزلية، إضافة إلى إعداد أطعمة للبيع أو الالتحاق بأعمال مؤقتة في مراكز تدريب أو محال تجارية. ومع ذلك، تبقى هذه الحلول مرهقة وتأتي في وقت يفترض أن تكون فيه الإجازة فرصة لاستعادة المعلمة طاقتها استعداداً لعام دراسي جديد.

 

هشاشة العقود في المدارس الخاصة تعكس طبيعة الاقتصاد غير المستقر عموما، حيث تنتقل المخاطر المالية من المؤسسات إلى الأفراد بدل أن تتحمل المؤسسة عبء التخطيط لفترات الإجازة يلقى العبء على المدرسة في بيئة اقتصادية ضاغطة أصلًا

 

أعباء مضاعفة

يرى الخبير الاقتصادي، أحمد الطيار، أن ما تعيشه المعلمات خلال الإجازات لا يمكن فصله عن السياق الاقتصادي العام في اليمن والذي يمر فيه الاقتصاد بمرحلة صعبة مع ارتفاع في معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية، مما يجعل أي انقطاع، ولو كان مؤقتا تهديدا مباشرا للاستقرار المعيشي.

وأضاف في حديث لـ “نسوان فويس”:” الأسر التي تعيلها نساء تتأثر بشكل مضاعف، إذ غالبا ما تكون المعلمة المصدر الأساسي أو الوحيد للدخل، وبالتالي فإن أي اهتزاز في دخلها ينعكس فورًا على مستوى معيشة الأسرة كاملة”.

ويتابع:” هشاشة العقود في المدارس الخاصة تعكس طبيعة الاقتصاد غير المستقر عموما، حيث تنتقل المخاطر المالية من المؤسسات إلى الأفراد بدل أن تتحمل المؤسسة عبء التخطيط لفترات الإجازة يلقى العبء على المدرسة في بيئة اقتصادية ضاغطة أصلًا”.

اختبار صامت

المفارقة أن الإجازة التي يفترض أن تكون مساحة للراحة والتجديد، تتحوّل لدى بعض المعلمات إلى اختبار صامت للصبر والتحمل لا تظهر معاناتهن في أرقام رسمية ولا تذكر غالبا في النقاشات العامة لكنها حاضرة في تفاصيل يومية صغيرة حسابات مؤجلة، وقلق صامت، وأمنيات بعام أكثر استقرارًا.

 

تم توليد الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي عبر أداة جمناي 

مقالات اخرى