أنسام عبدالله – نسوان فويس
في مدينة الشحر بحضرموت، التي عُرفت بازدهار الفن والأدب والمسرح، ولدت الأديبة وردة بلسود عام 1983، في أسرة محافظة تؤمن بأهمية تعليم البنات، لتشق طريقها بين الموروث الاجتماعي وطموحها الأدبي منذ نعومة أظافرها.
التحقت بلسود بمدرسة الجلاء للتعليم الأساسي، ثم ثانوية باحسن، وتخرجت لاحقا من كلية التربية، قسم اللغة العربية بجامعة العلوم والتكنولوجيا بحضرموت عام 2004. اليوم، هي معلمة متعاقدة، وناشطة في النادي الأدبي النسوي بالشحر، وإعلامية في دائرة المرأة والطفل بالمجلس الانتقالي، بالإضافة إلى كونها مُحاضرة في المناسبات الاجتماعية والسياسية والصحية والثقافية، كل ذلك بلا دخل مادي، بدافع الحب للكتابة وخدمة المجتمع.
بداية الشغف الأدبي
تروي وردة بلسود شغفها بالكتابة لمنصة “نسوان فويس” قائلة: “بدأت كتابة القصص بطريقة عفوية في المرحلة الثانوية، لم يكن ذلك واجبًا مدرسيًا، بل نافذة أطل منها على ذاتي، أفرّغ فيها مشاعري وأمنح الورق جزءًا من روحي. لم أدرك حينها أنني أكتب قصة، كنت فقط أروي، أروي وحسب”.
حين التحقت بالجامعة، شاركت في مسابقة أدبية وكتبت كما اعتادت: “بصدق وعفوية”، وحققّت الجائزة الثانية، وكانت لحظة اعتراف بنجاحها وبدايتها الحقيقية ككاتبة: “حينها قلت لنفسي: أنا كاتبة”.
من خلال القصة أواجه مخاوفي، أخلق شخصيات وأحكي عن قضايا تهمني بشكل غير مباشر. القصة ليست مجرد خيال، بل وسيلة للتواصل مع الآخرين ونقل همومهم
الكتابة السردية الأقرب
تعتبر وردة أن الكتابة السردية القصصية هي الأقرب إلى قلبها، ولها أعمال عديدة نشرت في المجلات الأدبية، تتناول المرأة وقضاياها بحساسية وعمق، مثل: “الطرحة والأمان”، “بكاء قلبي”، و”ساندريلا خارج الحكاية”.
توضح: “من خلال القصة أواجه مخاوفي، أخلق شخصيات وأحكي عن قضايا تهمني بشكل غير مباشر. القصة ليست مجرد خيال، بل وسيلة للتواصل مع الآخرين ونقل همومهم”.
وتصف وردة واقع المرأة الأديبة في الشحر: “المرأة هناك تكتب غالبًا تحت أسماء مستعارة، خوفًا من أن يُقال إنها تجرؤ على التعبير عن قضية، وكأن التعبير عن الذات جريمة. رغم ذلك، بعض النساء ظهرن ليعبرن عن أصواتهن بإبداع وجرأة”.
القدوات والإنتاج الأدبي
تشير وردة إلى أن قدوتها في الأدب الأستاذ المرحوم صالح سعيد باعامر، والروائي عمر باخريص، مؤكدة نشرها للعديد من الكتابات الثقافية المنشورة، ومجموعة قصصية، وتستعد لنشر روايتها الأولى، على الرغم من صعوبة النشر بواسطة دور معروفة.
تقول: “نشرت مجموعتي الأولى ذاتيًا في قرطاسية، لأني أؤمن بأن القصص تنبض من الواقع اليومي، من أحاديث المجالس، ووجوه الناس، وصمت الأزقة”.
تواجه بلسود عقبات في إيصال أعمالها المطبوعة إلى الجمهور، لكنها تتعامل مع المستقبل بأمل: “أود أن أصل، وتصل كتاباتي للجميع، وأن أكون صوت يمني مؤثر وفاعل في الساحة الوطنية والعربية”.
تأثير الأدب والنقد
بلسود تعبر عن تأثرها بكتاب الروائية الكويتية بثينة العيسى، وتحديدا بكتابها: بين صوتين؛ فنيات كتابة الحوار الروائي، والصمصام للروائي صالح باعامر، وروايات عمر باخريص: عذراء شكلنزة وأميرة الشحر.
بلسود عبرت عن انفتاحها على النقد: “أستفيد من النقد لتطوير أسلوبي وصقل لغتي، لأن رسالتي هي مخاطبة قلوب الناس وعقولهم وترك أثر. وهنا أوجه رسالتي للكتاب الشباب: اعلموا أن طريق الأدب ليس محفوفًا بالتصفيق، بل بالمثابرة والصبر والاطلاع، اكتبوا بصدق، وكونوا أنتم، وليس نسخة من أي أحد”.
بلسود قاصة شابة مسكونة بالسرد، تتحكم بتغيرات مفاجئة في الحبكة، وشخوص قصصها مميزة، تمارس القصة القصيرة بإبداع واضح
الحداثة والواقعية في أدبها
يشيد الروائي عمر باخريص بأدب بلسود: “عندما صدرت مجموعتها القصصية الأولى (الرائحة)، لاحظت جودة أسلوبها وبناء قصصها الأنيق، الحداثة والواقعية في أدبها تظهر في معالجة معاناة الإنسان عامة، وحقوق المرأة خاصة، بأسلوب سلس، وناعم يترك أثرًا على القارئ فكريًا ونفسيًا”.
ويضيف باخريص: “قصص بلسود تعكس واقعًا معاشًا مرتبطًا بعادات وتراث الشحر، مع توظيفه في السبك القصصي لإحياء روح المجتمع، مع التركيز على الإيجابيات وتصحيح السلبيات”.
من جانبه، أشاد الأديب الدكتور عبد القادر باعيسى بأدب وردة قائلا: “قاصة شابة مسكونة بالسرد، تتحكم بتغيرات مفاجئة في الحبكة، وشخوص قصصها مميزة، تمارس القصة القصيرة بإبداع واضح”.
حصلت وردة على جائزة رئيس الجمهورية للأدب في المكلا عام 2008، وكذلك جائزة الشيخة حنان باحمدان، تقديرًا لعطائها الأدبي وتميزها في الساحة اليمنية.
وتبقى بلسود من الأصوات النسائية المهمة على الساحة الوطنية، متمسكة بالأمل والعطاء، متحديةً عقبات التقاليد وضغوط المجتمع التي تحجم التعبير. هذه الأصوات لا تتراجع أمام الصعاب، بل تواصل إيصال كلمتها الصادقة والمؤثرة، حاملة شعلة الأدب والوعي الاجتماعي، لتصبح صوتا حقيقيا يعكس تجربة المرأة والإنسان في حضرموت واليمن.
الصورة تم تعديلها بواسطة الذكاء الاصطناعي

