أطفال المصحات المنزلية.. مأساة النمو في ظلال الاضطراب النفسي

شارك المقال

منيرة الطيار-نسوان فويس 

خلف الأبواب المؤصدة بصنعاء التي يلفها ستار الستر الاجتماعي، تختبئ قصص لأطفال لم يختاروا أن تكون طفولتهم حقل تجارب للاضطرابات النفسية، حيث لا ينمو الطفل بين الألعاب والحكايات، بل يكبر داخل ما يشبه “مسشفى للمضطربين عقلياً “.

في مكان كهذا ، تصبح لغة الطفل الوحيدة، ترقب النوبة القادمة، ويتحوّل سلاحه الاضطراري إما إلى انفجار عدواني، أو إلى غرق في صمت مطبق، وسط مجتمع يقدّس الخصوصية حتى لو كان ثمنها تحطيم البناء النفسي لطفل لم يدرك من العالم سوى جدران بيته القلقة.

طفولة تحت الصدمة

تبدأ مأساة خولة، ذات الأعوام العشرة، وهي الكبرى بين ثلاثة إخوة يصغرونها سنًا، من هذه النقطة تحديدًا. لم تكن تدرك أن والدها مصاب باضطرابات نفسية، وكل الذي كانت تستوعبه بمداركها الصغيرة هو أن “الوحش” قد يظهر في أي لحظة خلف ملامح أبيها.

كانت تحوم خوله بقلب طفلة تبحث عن الأب الذي تسمع عنه في حكايات صديقاتها، لكنها كانت تُقابل بصراخ يزلزل كيانها الصغير، فتعود إلى غرفتها محملة بذنب لا تعرف مصدره، متسائلة بمرارة إن كانت هي السبب في غضبه.

في المقابل، كانت والدتها تحاول عبثاً إفهامها أن والدها مريض وأن ما يحدث ليس بإرادته، لكن عقل الطفلة ظل يطرح السؤال ذاته: لماذا آباء صديقاتي ليسوا كذلك؟

ندوب مدى الحياة

لم تتوقف معاناة خولة عند حدود الخوف، بل بلغت ذروة المأساة عندما استيقظت ذات يوم على صوت والدتها المذعور وهي تأمرها باللحاق بوالدها الذي خرج لينتحر.

وجدت الطفلة نفسها تركض، لا لتلعب كما يفعل أقرانها، بل لتنقذ “حاميها” المفترض من سلاحه الناري. وعلى حافة جبل، وببرود القاتل والمقتول معاً، ودعها والدها بكلمات قليلة أوصاها فيها بالانتباه إلى إخوتها، قبل أن ينهي حياته أمام عينيها.

مشهد تركها تحمل نظرة الوداع تلك للأبد. وصدمة كبرى حولتها من طفلة، إلى حارسة لأشقائها الأيتام،تحمل هماً لا يسقط بتقادم السنوات، وتعيش في دوامة مستمرة من لوم الذات لأنها لم تستطع ردعه عن الرحيل.

البكاري: الخوف من الوصمة الاجتماعية يدفع كثيراً من الأسر إلى إخفاء المرض النفسي، فيجد الأطفال أنفسهم مجبرين على التعايش مع الاضطرابات وكأن الطفل مطالب بأن يكون ممرضاً قبل أن يكون طفلاً.

السجون داخل المنازل

هذه المآسي ليست حالات فردية، بل هي نتاج بيئة مجتمعية تخشى “الوصمة” أكثر من خشيتها على أطفالها.

يوضح الأخصائي الاجتماعي الدكتور، محمود البكاري، أن كثيراً من الأسر اليمنية تصرّ على الادعاء بأن المريض بخير، مخفية مرضه عن المجتمع، ما يحرمه من العلاج اللازم ويجبر الأطفال على التعايش القسري مع اضطراباته.

ويضيف البكاري في حديث لـ”نسوان فويس” الخوف من الوصمة الاجتماعية الدافع الرئيس لإخفاء حالة المريض والتستر عليها، بدافع الحفاظ على سمعة الأسرة ومكانتها الاجتماعية، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأطفال الذين يجدون أنفسهم مجبرين على مواجهة اضطرابات المريض دون أي مراعاة لمشاعرهم أو احتياجاتهم النفسية، وكأن الطفل مطالب بأن يكون ممرضًا قبل أن يكون طفلاً.

القرشي: “هذا النوع من العنف لا يترك ندوباً ظاهرة على الجسد، لكنه يدمر البناء النفسي للطفل ويؤثر بصورة مباشرة على نموه الإدراكي.”

عنف بلا كدمات

على مقربة من هذا التحليل، يضع أحمد القرشي، رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة، النقاط على الحروف، واصفاً الإهمال العاطفي والتعرض المستمر للقلق النفسي داخل هذه المنازل بأنه أحد أخطر أشكال “العنف المعنوي”.

ويؤكد القرشي في حديثه لـ”نسوان فويس” أن هذا النوع من العنف لا يترك ندوباً ظاهرة على الجسد، لكنه يدّمر البناء النفسي للطفل ويؤثر بصورة مباشرة على نموه الإدراكي.

مضيفاً:” خصوصية المنزل يجب أن تظل مصونة، لكن يجب أن تتوقف فوراً عندما يتحوّل المحيط الأسري من مصدر حماية إلى مصدر خطر وشيك، خصوصاً في حالات التهديد بالقتل أو الانتحار، أو الإيذاء الجسدي الممنهج، أو حتى الإهمال الكلي داخل الأسرة، الذي يترك الطفل دون غذاء أو تعليم بسبب فقدان أحد الأبوين للأهلية” .

ويرى القرشي أن التدخل القانوني في مثل هذه الحالات، ليس مجرد إجراء قانوني، بل واجب أخلاقي وديني يهدف إلى انتشال الطفل من كارثة محتملة.

الشدادي :الطفل الذي ينشأ في بيئة مضطربة نفسياً يعاني خللاً في البناء الأسري، ما يؤدي غالباً إلى نشوء شخصية مهزوزة وشعور دائم بالنقص وعدم القدرة على التكيف

العنف لغة البقاء

على الضفة الأخرى من المعاناة تبرز قصة أيهم، ذي الاثني عشرعاماً، الذي يعيش تحت وطأة عدوانية أخويه المصابين باضطرابات نفسية حادة، وسط تبريرات دائمة من والديه بأنهما “مريضان”.

يقول أيهم ببراءة مؤلمة: “أنا أحبهم، لكنهم لا يحبونني”.

لم يتوقف الأمر عند شعوره بالخوف، بل بدأ يمارس عدوانية مفرطة تجاه زملائه في المدرسة، مقلداً تلك القدوة المشوهة التي يراها يومياً في المنزل، ومفرغاً عبرها غضباً مكتوماً يعتقد أن التعبير عنه بهذه الطريقة هو السبيل الوحيد لإثبات وجوده.

الأخصائي النفسي الدكتور، صخر الشدادي، يُرجع أسباب هذا السلوك، إلى أن الطفل الذي ينشأ في مثل هذه البيئة يعاني خللاً في أحد أهم أركان بناء الشخصية، وهو البناء الأسري.

ويضيف في حديث لـ”نسوان فويس”: “يؤدي نشوء الأطفال في بيئات كهذه غالباً، إلى نموهم بشخصيات مهزوزة، تجنبية أو مائلة إلى سمات الشخصية الحدية، مصحوبة بشعور دائم بالنقص والدونية وعدم القدرة على التكيف” .

ويشير إلى أن الطفل يمتص مشاعر عدم الثقة والتردد من محيطه المضطرب، فتتحول علاقته بالمجتمع الخارجي إلى علاقة قائمة على الخوف من الآخر الذي يشبه، في تقلباته وسلوكه، ذلك الآخر الموجود داخل المنزل.

بين الحب والانهيار

ليست القسوة دائماً هي المحرك الرئيس لهذه المعاناة، فأحياناً يكون العجز هو البطل الحقيقي للمشهد.

تروي أم زياد، كيف ينهش اضطراب ثنائي القطب والوسواس القهري حياة ابنها العشريني أمام شقيقتيه الصغيرتين، اللتين تتراوح أعمارهما بين الثامنة والتاسعة.

وبصوت يملؤه الحزن، تقول لـ”نسوان فويس” إنها تدرك أن طفلتيها لا ذنب لهما في تحمل تبعات مرض أخيهما، لكنها في الوقت نفسه لا تملك حلاً لهذا القدر الذي يجعلهما حزينتين طوال الوقت.

وتضيف أنها تحاول جاهدة شرح طبيعة الحالة لهما، إلا أن قلوب الصغار تجد صعوبة في فهم سبب سرقة المرض لأخيهما منهما، ما يدفعهما أحياناً إلى تمني ألا يكون لهما أخ أصلاً، وهو شعور مرير ينمو في بيئة تفتقر إلى أبسط أشكال الدعم النفسي.

نحو حماية مبكرة

وعن الحلول الوقائية، يشدد الدكتور صخر الشدادي على أن حماية الطفل تبدأ باحتوائه فوراً عند مشاهدة نوبات الاضطراب النفسي، وإبعاده عن الموقف المسبب للصدمة، مع تقديم الدعم النفسي اللازم له بهدوء ودون ارتباك.

كما يؤكد أهمية إشراك الطفل في شؤونه الخاصة، وتوعيته بطبيعة المرض النفسي الذي يعاني منه أحد أبويه أو أحد أفراد أسرته، بصورة سليمة ترفع من ثقافته النفسية، وتساعده على فهم ما يحدث حوله.

ويرى الشدادي أن اكتشاف مواهب الطفل وتنميتها يمثل عاملاً مهماً في تعزيز ثقته بنفسه، كما أن على الأسرة أن توازن بين تقبل الشخص المضطرب واحتواء أطفاله، حتى لا يؤدي الخلل البيئي داخل المنزل إلى ظهور اضطرابات نفسية مستقبلية لدى الأطفال أنفسهم.

مسؤولية تتجاوز الجدران

وشدد الشدادي على أن الرسالة الجوهرية التي يجب أن تصل إلى المجتمع هي أن الاضطراب النفسي لا علاقة له بقوة الإيمان أو ضعفه، بل هو اعتلال يحتاج إلى الدعم والعلاج تمامًا كما يحتاجه أي مرض جسدي.

ودعا وسائل الإعلام إلى الاضطلاع بدور أكبر في نشر الثقافة النفسية، وإنتاج محتوى توعوي هادف يرفع مستوى الوعي المجتمعي ويصحح المفاهيم المغلوطة التي تزيد من معاناة المرضى وأسرهم.

وفي مواجهة ثقافة “الستر” الضارة، يرى القرشي أن بقاء الأطفال داخل هذه المصحات المنزلية غير المعلنة يمثل مشاركة غير مباشرة في صناعة جيل مضطرب نفسيًا.

ويؤكد أن مصلحة الطفل الفضلى يجب أن تسبق أي اعتبار للخصوصية الزائفة التي تغلف بيوت الرعب الصامتة، داعيًا إلى تفعيل قنوات التبليغ الآمن التي تكسر قضبان السجون النفسية التي صنعها الصمت والوصمة.

ويختم بالتشديد على ضرورة حماية هؤلاء الأطفال قبل أن تتحول صدماتهم المكتومة إلى سلوكيات تدميرية تهدد مستقبلهم ومستقبل المجتمع بأسره.

مقالات أخرى