امل وحيش- نسوان فويس –
“ما يميز العروس إلا ذهبها”، عبارة استهلت بها خديجة، وهي عروس من محافظة صنعاء، حديثها لـ “نسوان فويس”، قبل أن تضيف بحسرة أن مهرها، البالغ ثلاثة ملايين ونصف المليون ريال يمني، لم يمكّنها من شراء ذهب تتجاوز قيمته مليون ريال فقط، بعدما قفزت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
ورغم ذلك، ترى خديجة أنها كانت أوفر حظاً من كثيرات؛ فقد تمكّنت من شراء قدر من الذهب، وتجنبت في الوقت نفسه نظرات المجتمع التي لا تتوقف أيام الزفاف عن تفحص ما ترتديه العروس، والسؤال عن قيمته، وما إذا كان ذهباً حقيقياً أم مقلداً، أو حتى مستعاراً.
بالنسبة لخديجة، لا يقتصر الذهب على كونه زينة تتزين به العروس، بل يمثل الأمان الأخير للمرأة اليمنية إذا قست عليها الأيام أو واجهت ظرفاً صحياً أو مادياً؛ فالملابس تبلى، والأثاث يفقد قيمته، أما الذهب فيظل، بالنسبة لكثير من اليمنيات، الادخار الأكثر أماناً وأهم ما تملكه العروس بعد الزواج.
لكن حتى هذا “الأمان” أصبح اليوم بعيد المنال؛ إذ لم يكن مهرها كافياً لتغطية نفقات الزواج التي تضاعفت بصورة لافتة، بدءاً من قاعة الأفراح والمصورة وخبيرة التجميل، وصولاً إلى عشرات التفاصيل الصغيرة التي تحوّلت إلى أعباء مالية كبيرة، ما اضطر والدها إلى استكمال التكاليف من ماله الخاص حتى يخرج حفل الزفاف بالشكل الذي يفرضه المجتمع.
أملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook Gemini
ولويات تغيّرها الأزمة
إذا كانت خديجة قد تمسكت بشراء الذهب باعتباره “أمان المستقبل”، فإن هاجر هلال، وهي عروس من محافظة إب، اختارت طريقاً مختلفاً.
تزوجت هاجر قبل أشهر، وكان مهرها مليوناً ونصف المليون ريال فقط، لأن العريس من أقاربها؛ لذا لم تفكر في شراء الذهب، وقررت أن تستمتع باللحظة وتعيش تفاصيل عرسها كاملة دون أي تقصير، مُستثنيةً الذهب تماماً من قائمة التجهيزات.
ورغم قناعتها بأن الذهب يمثل مصدر أمان للمرأة، فإنها ترى أن الواقع مختلف؛ فبحسب تجربتها، قد تضطر المرأة في نهاية المطاف إلى بيع ذهبها أو إعطائه لزوجها أو لأسرته عند أول أزمة مالية، ولذلك فضّلت توجيه المبلغ إلى تجهيزات الزفاف، والاستعانة بذهب مطلي (الفالصو/المقلد) ترتديه في ليلة العرس فقط، حتى تتجنب أسئلة المجتمع وتعليقاته.
تقول هاجر ل “نسوان فويس” : ” كل عروس تحلم بذهب جميل وزفاف متكامل، لكن الظروف الاقتصادية الحالية تجبر كثيراً من الفتيات على إعادة ترتيب أولوياتهن، و فرحة ليلة العمر، أهم من امتلاك الذهب الكثير”.
وتُشاطرها الرأي “حبيبة”، وهي شابة مقبلة على الزواج، حيث تؤكد أنها لا تهتم بالذهب ولا تُفضّل اقتناءه، وترى أن المجتمع سيتحدث في جميع الأحوال مهما اشترت؛ لذا فهي لا تأبه لرأي الناس.
ورغم ذلك، يُصرّ أهلها على شراء الذهب ويعدّونه أمراً أساسياً لا مفر منه، بينما لو كان القرار بيدها لجمّدت خيار شراء الذهب في زفافها، واكتفت بتغطية كافة تفاصيل التجهيزات الأخرى للعرائس دون اقتناء أي قطعة ذهبية.
تقاليد تواجه الغلاء
هذا التحول لا يعني أن المجتمع اليمني تخلى عن الذهب، لكنه يكشف أن الظروف الاقتصادية بدأت تفرض واقعاً جديداً، تختلف فيه الخيارات من أسرة إلى أخرى.
تقول دنيا، خريجة جامعية، إن هناك عائلات باتت تتفهم عدم قدرة العروس على شراء الذهب بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار، بينما لا تزال أسر أخرى تتمسك بهذه العادة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مراسم الزواج.
وفي حديثها ل “نسوان فويس”، ترى أن حجم المهر أصبح العامل الحاسم في تحديد كمية الذهب التي تستطيع العروس شراءه، حتى وإن كانت مجرد قطع بسيطة.
وتستعيد دنيا تجربتها قبل نحو سبع سنوات، حين كانت أسعار الذهب أقل بكثير مما هي عليه اليوم، وكان المهر يكفي لشراء الذهب وإقامة حفل زفاف مناسب دون الحاجة إلى الاستدانة.
وبرأيها، سيظل الذهب يحتفظ بقيمته بالنسبة للمرأة، ليس فقط بوصفه زينة، وإنما باعتباره أيضاً ادخاراً يمكن اللجوء إليه عند الأزمات.
أما آسيا الصراري، موظفة، فتقول إن الذهب لم يعد مجرد حلي ترتديها العروس، بل تحول في نظر المجتمع اليمني إلى مقياس للمكانة الاجتماعية، تُقاس به مكانة العروس وأسرتها.
لكنها شخصياً لا تضع الذهب في مقدمة أولوياتها، وترى أن بناء حياة زوجية مستقرة أهم بكثير من الاهتمام بالمظاهر التي تنتهي بانتهاء ليلة الزفاف.
وترى آسيا أن الارتفاع الكبير في الأسعار دفع كثيراً من الفتيات إلى شراء الذهب المطلي هرباً من الانتقادات الاجتماعية، مؤكدة أن المشكلة الحقيقية ليست في الذهب نفسه، بل في النظرة المجتمعية التي تربط قيمة المرأة بما ترتديه من مجوهرات.
وتختتم حديثها ل “نسوان فويس” برسالة واضحة : “المجتمع سيتحدث في كل الأحوال، ولن تستطيع إرضاء الجميع. لذلك، الأفضل أن تركز كل فتاة على بناء حياة مستقرة، لا على إرضاء الناس”.
الذهب في اليمن لم يكن يوماً مجرد زينة، بل حُمل عبر الأجيال معاني تتجاوز قيمته المادية، إذ ارتبط بالأمان، والكرامة، والمكانة الاجتماعية، والاستقرار الأسري هذه الظاهرة أصبحت اليوم أكثر تعقيداً، بعدما اصطدمت العادات الاجتماعية بواقع اقتصادي شديد القسوة فرضته سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة
انفوجرافيك مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook Gemini
جذور لا تتغير
قد تبدو المفارقة لافتة؛ فمعظم الأسر تشكو من ارتفاع أسعار الذهب، وكثير من العرسان يبدأون حياتهم بديون تثقل كاهلهم، ومع ذلك لا تزال هذه العادة حاضرة بقوة في معظم حفلات الزواج.
يرى رئيس الجمعية اليمنية للأخصائيين الاجتماعيين وتنمية المجتمع، عصام الخالدي، أن الإجابة لا تتعلق بالذهب وحده، بل بتاريخ طويل من الموروث الاجتماعي والثقافي ويضيف، في حديث ل “نسوان فويس” قائلا: ” الذهب في اليمن لم يكن يوماً مجرد زينة، بل حمل عبر الأجيال معاني تتجاوز قيمته المادية، إذ ارتبط بالأمان، والكرامة، والمكانة الاجتماعية، والاستقرار الأسري، هذه الظاهرة أصبحت اليوم أكثر تعقيداً، بعدما اصطدمت العادات الاجتماعية بواقع اقتصادي شديد القسوة فرضته سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة” .
ذاكرة من ذهب
ويعيد الخالدي جذور هذه العادة إلى المجتمعات القبلية القديمة، حين كانت المرأة تحمل ثروتها على جسدها في صورة أساور وقلائد وعملات ذهبية، حتى تتمكن من استخدامها إذا اضطرتها الظروف إلى الرحيل أو مواجهة الأزمات.
ويصف باحثون هذه الحالة بأنها “أرشيف أمومي للثروة والذاكرة”، إذ لا تحمل كل قطعة ذهب قيمة مالية فقط، بل تختزن أيضاً قصة أو ذكرى أو مرحلة عاشتها الأسرة.
ومن الناحية الأنثروبولوجية، تُعد ممارسة تقديم الذهب في الزواج شكلاً من أشكال “اقتصاديات القرابة”، التي تُعرّف العلاقات الأسرية من خلال التبادلات المادية. في هذا السياق، لا يمثل الذهب مجرد هدية، بل هو أداة لبناء العلاقات وصيانتها، وتعزيز الروابط بين العائلتين؛ فالذهب ليس مجرد تبادل للهدايا، بل طقس متجذر بعمق في النسيج الثقافي والاجتماعي للمجتمعات العربية.
الأمان أم المظاهر؟
ولهذه الظاهرة بحسب الخالدي جوانب إيجابية تاريخياً، حيث كان الذهب يمثل أماناً اقتصادياً للمرأة، ومهرها الذي لا يمسه أحد، يوفر لها استقلالية مالية في أوقات الحاجة، ويعد رمزاً للتقدير، الحب، والمكانة التي يمنحها العريس لعروسه.
كما يُعزز الذهب كذلك الروابط الأسرية والاجتماعية، حيث يرى فيه الأهل ضمانة لابنتهم وعلامة على كرامة ومقدرة العريس. وفي المجتمع اليمني خاصة، حيث الجوانب القبلية والاجتماعية قوية، يصبح الذهب ليس فقط رمزاً للتقدير بل أحياناً جزءاً لا يتجزأ من متطلبات العرف، ولا يمكن التنازل عنه بسهولة.
وفي المقابل هناك جوانب سلبية قد تحول هذا الرمز من قيمة جوهرية إلى مطلب اجتماعي مبالغ فيه، غالباً ما يتجاوز القدرة الاقتصادية للعريس وهنا يدخل “كلام الناس” كعامل ضغط هائل، حيث يُصبح تجنب النقد الاجتماعي (“ماذا سيقولون عنا؟”، “هل قاموا بالواجب؟”) دافعاً أقوى من الحكمة المالية.
ويسترسل الخالدي قائلاً :” في بيئة مثل المجتمع اليمني، حيث الروابط الاجتماعية والأسرية متشابكة بشكل كثيف، يمكن أن يكون تأثير ‘كلام الناس’ قوياً بشكل استثنائي، ويصل إلى حد الإملاء على القرارات الشخصية والاقتصادية للأسرة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرارها المالي”. وهو ما يُجبر العرسان على تحمل ديون باهظة، قد تستغرق سنوات لتسديدها، مما يضع الزوجين تحت ضغط مالي ونفسي هائل منذ اللحظة الأولى للزواج.
وينتج عن ذلك إرهاق مالي مبكر، حيث يبدأ الزوجان حياتهما مثقلين بالأعباء، مما يحد من فرصهم في الاستثمار المستقبلي أو توفير احتياجات أساسية أخرى، كما يتسلل القلق المالي إلى العلاقة، مما قد يؤثر على المودة والتفاهم. أضف إلى تأخير الزواج فقد يجد الكثير من الشباب أنفسهم غير قادرين على الزواج في سن مبكرة بسبب متطلبات الذهب الباهظة، مما يخلق تحديات اجتماعية وديموغرافية، كما يحدث أن تتحوّل المناسبة السعيدة إلى سباق للمظاهر، ينسى فيه الهدف الحقيقي للزواج.
وفي ظل الارتفاع العالمي للذهب، يؤكد الخالدي أن شراء الذهب للعروس أصبح من أصعب التحديات المالية التي تواجه الأسرة اليمنية، حيث يتطلب في كثير من الحالات دفع مبالغ تفوق الدخل السنوي لكثير من الأسر. ومع ذلك، يصرّ الكثير من الأهالي على المضي قدماً في هذه العادة، مدفوعين بدوافع متعددة ومتداخلة، منها دافع التأمين المالي حيث أن الذهب يعد حصن المرأة وأمانها، ويمكن بيعه في الأزمات.
إلى جانب دافع التأمين، يظل دافع المظاهر الاجتماعية حاضراً بقوة كعامل رئيسي؛ ففي المجتمعات العربية، تمُثّل جودة وكمية الذهب مقياسا لاًحترام العريس وحبه لزوجته المستقبلية، فضلا عن إبراز مكانة أسرة العروس الاجتماعية.
يشير الخالدي إلى أن للذهب تأثير نفسي واجتماعي على المرأة، حيث يمكن لوجود الذهب أن يمنح المرأة شعوراً بالقوة والتحكم، حتى في ظل علاقة عاطفية متوترة أو غير آمنة، وهذا الشعور قد يمكنها من اتخاذ قرارات مصيرية بصدر رحب، مثل مواجهة المشاكل الزوجية بجرأة أكبر، أو حتى اتخاذ قرار الانفصال إذا استحال الإصلاح، فهي تعلم أن لديها “خطة ب” مالية.
فيما يمثل الذهب اقتصادياً بالنسبة للمرأة سيولة مالية يمكنها الاعتماد عليها في حال تفاقمت الأمور، مما يقلل من خوفها من المجهول ويمنحها بعض الاستقلال المادي الضروري لتجاوز الأزمات. كما أنه قد يحافظ على جزء من كرامتها وشعورها بالذات، فوجوده يذكرها بأنها “مُقدرة” مادياً حتى لو غاب التقدير العاطفي. إنه درع مادي يوفر بعض الحماية في ساحة معركة عاطفية.
بديل يفرض حضوره
لم يعد تغير نظرة الفتيات إلى الذهب مجرد انطباع شخصي، بل أصبح واقعاً يلمسه تجار الذهب يومياً.
ولرصد انعكاسات ذلك على السوق، نزلت “نسوان فويس” إلى عدد من محال الذهب في شارع هائل بالعاصمة صنعاء، حيث أكد عدد من التجار أن حركة الشراء لم تعد كما كانت في السنوات الماضية، رغم تراجع سعر الجرام مؤخراً إلى نحو 64 ألف ريال، بعد أن كان قد لامس 89 ألف ريال قبل أشهر.
ويقول أصحاب محلات الذهب إن الارتفاعات القياسية التي شهدتها الأسعار خلال الفترة الماضية دفعت كثيراً من الأسر إلى تقليص مشترياتها، أو الاكتفاء بقطع بسيطة، فيما ألغى آخرون فكرة شراء الذهب تماماً بسبب ضعف القدرة الشرائية وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
ويؤكد بعض التجار أن الأزمة لم تؤثر على المواطنين وحدهم، بل طالت سوق الذهب نفسه، الذي يشهد تراجعاً واضحاً في حجم المبيعات مقارنة بما كان عليه قبل سنوات.
في المقابل، راج الإقبال على محلات الذهب المقلَّد (المطلي) بشكل أفضل من ذي قبل، وهو عبارة عن مجوهرات صُممت بأشكال تشبه الذهب الحقيقي لكنها مطلية به فقط.
داخل أحد هذه المحلات، يقول أحد العاملين إن الطلب على ما يُعرف بـ”بديل الذهب” ارتفع بصورة ملحوظة، خصوصاً بين العرائس والنساء اللواتي لا يستطعن شراء الذهب الحقيقي أو اضطررن إلى بيعه بسبب ظروف اقتصادية صعبة.
ويشير إلى أن بعض النساء اللاتي بعن ذهبهن الحقيقي خلال السنوات الماضية يعدن لاحقاً لشراء الذهب المطلي، حتى يحافظن على المظهر الاجتماعي نفسه أمام الآخرين.
الشرعبي: الاستقرار العام وحالة الأمن أو العكس، وسعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار، والبيئة الاستثمارية وسوق العقارات، وغير ذلك من المؤشرات التي بموجبها يتم تقييم مؤشر الفساد بالبلد سلباً أو إيجاباً”، عوامل كلها تتحكم بأسعار الذهب
لماذا ترتفع الأسعار؟
ويرجع الباحث والصحفي الاقتصادي نبيل الشرعبي الارتفاعات والانخفاضات في أسعار الذهب إلى مجموعة من العوامل العالمية والمحلية التي تتحكم بحركة السوق، موضحاً في حديثه لـ”نسوان فويس” أن العامل الأول يتمثل في العلاقة العكسية بين الذهب والدولار؛ فكلما ارتفعت قيمة الدولار تراجع الذهب، والعكس صحيح.
أما العامل الثاني، فيرتبط بحجم المخاطر السياسية والاقتصادية العالمية، إذ يلجأ المستثمرون إلى الذهب بوصفه ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات والحروب والتوترات، ما يدفع أسعاره إلى الارتفاع، بينما يتراجع الطلب عليه مع انحسار تلك المخاطر وعودة الاستقرار.
ويضيف الشرعبي أن أداء أسواق الأسهم يمثل العامل الثالث في معادلة التسعير؛ فإذا كانت العوامل المؤثرة على أسواق الأسهم إيجابية وناتجة عن استقرار الأمن العالمي وبما ينعكس على أسواق النفط والأسواق المالية، فهذا يعني أن المستثمرين يتخلون عن الذهب فتتراجع أسعاره، حيث يفضل المستثمرون الأرباح السريعة من تجارة الأسهم، وإذا كان العكس يتحولون إلى الذهب كملاذ آمن فيشهد ارتفاعاً.
ولا تقتصر العوامل المؤثرة على المتغيرات العالمية، بحسب الشرعبي، بل تلعب الظروف الداخلية لكل دولة دوراً مهماً في تحديد أسعار الذهب محلياً، ويشير إلى أن “الاستقرار العام وحالة الأمن أو العكس، وسعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار، والبيئة الاستثمارية وسوق العقارات، وغير ذلك من المؤشرات التي بموجبها يتم تقييم مؤشر الفساد بالبلد سلباً أو إيجاباً” عوامل كلها تتحكم بأسعار الذهب .
حين يعطل الزواج
ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الذهب على سوق المجوهرات، بل يمتد إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع اليمني: الزواج.
يرى الشرعبي أن كثيراً من مشاريع الزواج باتت تتعثر بسبب المبالغة في ربط الزواج بشراء الذهب وتحويله إلى شرط اجتماعي يصعب تجاوزه.
وينوه الشرعبي إلى تعقيد الزواج بهذه الصورة يمثل أحد العادات السلبية التي ترهق الشباب والأسر، وتحوّل الزواج، الذي جعله الله سكينة ورحمة، إلى مشروع مالي بالغ الكلفة.
ويضيف أن الحرب والأزمة الاقتصادية فاقمتا هذه المشكلة، فأصبح كثير من الشباب عاجزين عن استكمال متطلبات الزواج، في وقت ارتفعت فيه معدلات الديون وتراجعت القدرة الشرائية للأسر اليمنية بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك، يؤكد الشرعبي أن مشكلات الذهب ليست جديدة، حتى عندما كانت أسعاره في متناول معظم الناس، ففي كثير من الحالات، تبدأ الأزمة بعد الزواج، عندما يطلب الزوج من زوجته بيع ذهبها أو رهنه لتمويل مشروع خاص، من دون أن يمتلك الخبرة الكافية لإدارته، وعندما يفشل المشروع، تبدأ الخلافات الزوجية، ثم تتسع دائرة النزاع لتشمل الأسرتين، وقد تنتهي أحياناً أمام المحاكم، أو تؤدي إلى انهيار العلاقة الزوجية بالكامل.
كما ينتقد الشرعبي ما يصفه بإصرار بعض الآباء على تحمل تكاليف زواج أبنائهم مهما كانت قدرتهم المالية، فيلجؤون إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتهم لتغطية النفقات، قبل أن يجدوا أنفسهم غارقين في الديون إذا تعثر الزواج لاحقاً.
هل ينخفض الذهب؟
ورغم التراجع النسبي الذي شهدته أسعار الذهب خلال الأشهر الأخيرة، لا يرى الشرعبي أن العودة إلى مستويات السنوات الماضية أمر ممكن.
ويعزو ذلك إلى أن الذهب أصبح مرتبطاً بصورة رئيسة بالمتغيرات الاقتصادية العالمية، مثل مستويات الاستقرار الدولي، وتنوع الاستثمارات، والنمو السكاني، والطلب المتزايد على المعدن النفيس في قطاعات صناعية وتقنية متعددة، فضلاً عن استخدامه في كثير من المنتجات الفاخرة.
ولهذا، فإن أي انخفاض في الأسعار يبقى مؤقتاً، ولا يعني العودة إلى ما كانت عليه السوق قبل سنوات.
الذهب في اليمن لم يعد مجرد حُلي تتزين به العروس ليلة زفافها، بل أصبح مرآة تعكس الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الأسر، وصراعها بين المحافظة على التقاليد ومواجهة واقع معيشي يزداد قسوة
تكشف قصص الفتيات اللواتي قابلتهن “نسوان فويس” أن الذهب في اليمن لم يعد مجرد حُلي تتزين به العروس ليلة زفافها، بل أصبح مرآة تعكس الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الأسر، وصراعها بين المحافظة على التقاليد ومواجهة واقع معيشي يزداد قسوة.
فبين من تتمسك بالذهب باعتباره شبكة الأمان الأخيرة إذا تبدلت الأحوال، ومن تضطر إلى شراء الذهب المطلي أو الاستغناء عنه بسبب ارتفاع أسعاره، تتجلى معادلة معقدة لم تعد أسعار الذهب وحدها طرفًا فيها، بل أيضاً نظرة مجتمع ما زال يقيس مكانة العروس بما ترتديه أكثر مما يقيسها بما تبدأ به حياتها الجديدة.
ولعل كلمات خديجة، التي افتتح بها هذا التقرير، تختصر المشهد كله؛ فالذهب بالنسبة لكثير من اليمنيات لم يعد رفاهية ولا مظهراً للتفاخر، بل آخر ما يمكن أن تستند إليه المرأة إذا قست عليها الحياة.





