خديجة خالد-نسوان فويس
لم يكن المنفى بالنسبة للصحفية اليمنية أمل علي مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل نقطة تحول أعادت رسم مسارها المهني بالكامل. فبعد سنوات من العمل في بيئة إعلامية يمنية تعرف تفاصيلها، وجدت نفسها في إسطنبول أمام تحديات البحث عن الاستقرار، وإعادة بناء حياتها المهنية، وإثبات حضورها في سوق إعلامي جديد تختلف قواعد التنافس فيه.
غير أن ما بدا في البداية خسارة، قادها إلى فرصة جديدة؛ إذ تمكنت من خلال الخبرة التي راكمتها على مدى تسع سنوات في تقديم نشرات الأخبار والبرامج بقناة بلقيس، إلى جانب تطوير مهاراتها المهنية، باب الانضمام إلى قناة الفلوجة العراقية، لتخوض تجربة إعلامية تتجاوز الشأن اليمني إلى تغطية ملفات عربية وإقليمية أمام جمهور أوسع.
تقول أمل علي لـ”نسوان فويس”: ” حملني المنفى كلفة شخصية ومهنية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه أتاح لي فرصاً للنمو والتطور المهني ربما لم تكن لتتحقق بالوتيرة نفسها لو بقيت داخل اليمن”.
الأغبري: العمل الصحفي من خارج اليمن له ثمنه، فقد خسرت النزول إلى الميدان، ومعايشة الواقع، والتواصل المباشر مع كثير من المصادر، خاصة في المناطق النائية أو مع من يخشون الحديث عبر الهاتف أو الرسائل. لكن في المقابل، منحني المنفى مساحة للكتابة بحرية وبمهنية، دون أن أعرّض حياتي للخطر، كما ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى المصادر بطرق لم تكن متاحة من قبل
الغربة كخيار قسري
لم يكن خروج الصحفية سامية الأغبري من اليمن قراراً للبحث عن فرصة أفضل، بل جاء كخيار اضطراري نتيجة تصاعد التهديدات التي رافقت سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء.
تقول الأغبري أن حملات التحريض ضدها لم تقتصر على أنصار الجماعة، بل شارك فيها بعض زملائها الصحفيين الذين نشروا اسمها وصورتها واتهموها بالعمالة، مطالبين باعتقالها. ومع تنامي المضايقات، وصلت التهديدات إلى محيط منزلها، حيث كُتبت عبارات سب وتهديد بالقتل على سيارتها، ما ضاعف مخاوف والدها الذي ألحّ عليها بمغادرة البلاد.
كشف تقرير صادر عن مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي بعنوان “تعرض الصحفيات اليمنيات لانتهاكات متعددة، شملت القتل والضرب والتهديدات والفصل التعسفي وتخفيض الرواتب والحرمان من العمل.
وبين رفضها ترك صنعاء ووالدها، ووفاته المفاجئة إثر سكتة قلبية، وجدت نفسها بعد نحو شهر ونصف مضطرة إلى الرحيل. غادرت اليمن وهي تحمل أملاً بأن يكون المنفى مؤقتًا، إلا أن السنوات اللاحقة بددت حلم العودة السريعة، ليتحول المنفى من محطة انتظار إلى واقع فرضته الحرب وتضييق الحريات على الصحفيين.
لم تكن تجربة سامية الأغبري حالة فردية، إذ كشف تقرير أعده مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي أن 70% من الصحفيين اليمنيين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم نزحوا خارج اليمن، بينما نزح 30% داخل البلاد، نتيجة تصاعد الانتهاكات والملاحقات بحق الصحفيين.
كما أشار التقرير إلى أن مصر استقبلت النسبة الأكبر من الصحفيين اليمنيين في الشتات، تلتها السعودية ثم تركيا.
في سياق متصل تقول وسيمة في حديث لـ”نسوان فويس” ” اسم مستعار “: بعد أن أغلقت مؤسسات إعلامية عدة، واصلت عملي، وركزت على القضايا الإنسانية، لكن بعد نشر إحدى القصص الإنسانية، بدأت ملاحقتي وتم التوصل إلى رقم هاتفي، وأصبحت تحت المراقبة، وهو ما أجبرني على مغادرة اليمن”.
الصدمة الأولى وإعادة بناء الهوية المهنية
في المنفى تبدأ قصة أخرى، تروى سامية بعض تفاصيلها:”بعد خروجي من اليمن توقفت عن الكتابة لفترة طويلة، عملي كان قائماً أساساً على التقارير والتحقيقات الميدانية، وعندما وجدت نفسي فجأة بعيدة عن الميدان، لم أعد أعرف من أين أبدأ. لم يكن السبب مهنياً فقط، بل نفسياً أيضاً، فقدت والدي، ولم أستطع التكيف سريعاً مع بلد النزوح”.
“عندما بدأت أتجاوز تلك المرحلة تدريجياً، فكرت في إنجاز تحقيقات تتناول قضايا حقوقية، فتواصلت مع رئيس تحرير إحدى المنصات وسألته إن كان بإمكاني العمل معهم، فرحب بالفكرة، ومن هناك عدت إلى ممارسة الصحافة من جديد” تضيف الأغبري سرد حكايتها لـ”نسوان فويس”.
وتتابع:” العمل من خارج اليمن له ثمنه، فقد خسرت النزول إلى الميدان، ومعايشة الواقع، والتواصل المباشر مع كثير من المصادر، خاصة في المناطق النائية أو مع من يخشون الحديث عبر الهاتف أو الرسائل. لكن في المقابل، منحني المنفى مساحة للكتابة بحرية وبمهنية، دون أن أعرّض حياتي للخطر، كما ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى المصادر بطرق لم تكن متاحة من قبل”.
من جانبها تقول وسيمة في حديث لـ”نسوان فويس” :”وصلت إلى بلد اللجوء بنفسية مدمرة، كانت السنة الأولى الأصعب. وجدت نفسي وحيدة بلا أهل أو أصدقاء، وكنت أظن أن الفرص ستفتح أمامي، لكنني اكتشفت أن عليّ أن أبدأ من الصفر”.
وتضيف: “حتى فرص التدريب المخصصة للصحفيين اليمنيين كنت أُستبعد منها لأنني أصبحت خارج اليمن”.
النجاحات الجديدة
تضمن تقرير مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي قصص نجاح لصحفيات يمنيات واصلن عملهن خلال الحرب.
في هذا السياق تقول الصحفية أصالة الحداد مقيمة في مصر إن الغربة دفعتها إلى البحث عن مسار مهني جديد يحافظ على هويتها الصحفية، فبعد أن وجدت فرص العمل الإعلامي محدودة في مصر، قررت في فبراير/شباط 2022 إطلاق منصة “شيدر” الإلكترونية، لتكون مساحة تُبرز النماذج الإيجابية للمرأة اليمنية وقصص نجاحها خلال سنوات الحرب. وتوضح أن فكرة المنصة جاءت من ملاحظتها أن معظم المحتوى المتداول عن المرأة اليمنية يركز على الانتهاكات والمعاناة، بينما تغيب قصص النساء اللواتي قدن مبادرات ومشاريع وأسهمن في إعالة أسرهن وصنع التغيير داخل مجتمعاتهن.
وتؤكد الحداد في حديث لـ”نسوان فويس”: “نجحت في إيصال أصوات نسائية من محافظات ظلت بعيدة عن التغطية الإعلامية، وأسهمت في تسليط الضوء على تجارب لم تكن تحظى بالاهتمام”
الحداد ترى أن الغربة، رغم ما فرضته من تحديات، منحتها فرصة لتأسيس مشروع إعلامي مستقل يعكس رؤيتها المهنية، كما فتحت أمامها فرصًا جديدة، إذ تستعد حاليًا للانضمام إلى فريق عمل قناة تُعنى بالجالية اليمنية في مصر، في خطوة تعتبرها امتدادًا لمسيرتها الصحفية ورسالتها الإعلامية.
فيما تمكنت وسيمة من الحصول على مقعد لدراسة الماجستير، رغم تحديات اللغة والمسؤوليات الأسرية، حصلت على المركز الثاني، ثم بدأت العمل على مشروعها الصحفي الخاص.
علاية: استمراري في العمل الصحفي من خارج البلاد، لم يكن خياراً سهلًا، فالمهنة تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، في حين أن مردودي المادي لم يعد كافياً لتغطية متطلبات الحياة وتحمل مسؤولياتي العائلية، إضافةً إلى أن إنجاز عمل صحفي مهني من المنفى بات أكثر صعوبة بسبب تعقيدات الوصول إلى المعلومات والتواصل مع المصادر
الوجه الآخر للمنفى
على النقيض دفع المنفى الصحفية سعاد علاية إلى الابتعاد عن الصحافة وعن المهنة عموماً، تقول علاية في حديث لـ”نسوان فويس”:” استمراري في العمل الصحفي من خارج البلاد، لم يكن خياراً سهلًا، فالمهنة تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، في حين أن مردودي المادي لم يعد كافياً لتغطية متطلبات الحياة وتحمل مسؤولياتي العائلية، إضافةً إلى أن إنجاز عمل صحفي مهني من المنفى بات أكثر صعوبة بسبب تعقيدات الوصول إلى المعلومات والتواصل مع المصادر”.
وتضيف أن الجانب النفسي كان أحد أبرز أسباب ابتعادها عن الصحافة، إذ تركت تجربة الحرب والغربة شعوراً عميقاً بالإحباط واليأس، ما أفقدها الرغبة في العودة إلى العمل الصحفي، وجعلها تركز على حياتها وأسرتها.
وتشير إلى أن قدرتها على العودة إلى المهنة ما تزال موجودة، لكنها لا تفكر في ذلك في الوقت الحالي، لأن الغربة غيّرت أولوياتها، وجعلت الاستمرار في الصحافة خياراً أكثر تعقيداً مما كان عليه في السابق.
وفي هذا السياق أوضح تقرير مركز الدراسات أن الصحفيات يتعرضن للفصل التعسفي وتخفيض الرواتب والحرمان من العمل.
الضغوط المهنة والأغتراب تنعكس مباشرة على الأداء الصحفي، من خلال انخفاض التركيز والثقة بالنفس والإنتاجية، وصعوبة الاندماج في بيئات إعلامية جديدة، كما تمتد آثارها إلى الحياة الشخصية، عبر الشعور بالعزلة والاغتراب والضغوط الاقتصادية
العبء النفسي
على صعيد متصل بالأثر النفسي على الصحافيات تقول أوسمية : “كنت أموت في اليوم مائة مرة، وكل قصة أكتبها كنت أعيش معها الخوف والرعب نفسه، وعندما وصلت إلى بلد اللجوء كنت بحاجة إلى دعم نفسي، لكنني لم أجده. حتى اليوم أشعر أن الغربة تجعل شيئًا داخلي يموت ببطء، وكل ما أتمناه أن يتحقق السلام وأعود.”
وهو ما أكدته الأخصائية النفسية شيماء العز في مداخلتها مع “نسوان فويس” بالقول:” يُعد المنفى القسري، خصوصاً عندما يترافق مع فقدان المهنة، من أكثر التجارب ضغطاً على الصحة النفسية، إذ تفقد الصحفية شعورها بالأمان والانتماء، إلى جانب هويتها المهنية وشبكة علاقاتها، هذه التجربة قد تقودها إلى الحزن والقلق والاكتئاب، وأحياناً يصبنّ بأعراض الصدمة النفسية بالذات لمن تعرضن للتهديد قبل مغادرة البلاد، فضلاً عن شعورهن بتراجع هويتهن المهنية”.
وتضيف: “الضغوط المهنة والأغتراب تنعكس مباشرة على الأداء الصحفي، من خلال انخفاض التركيز والثقة بالنفس والإنتاجية، وصعوبة الاندماج في بيئات إعلامية جديدة، كما تمتد آثارها إلى الحياة الشخصية، عبر الشعور بالعزلة والاغتراب والضغوط الاقتصادية”.
وتشير إلى أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب توفر دعم نفسي وأسري، والحفاظ على الروابط المهنية، والاستفادة من فرص التدريب، بما يساعد الصحفيات على استعادة توازنهن والعودة إلى ممارسة المهنة.
ماذا خسر الإعلام اليمني
يرى مدير مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، مصطفى نصر، أن الإعلام اليمني خسر جزءًا مهمًا من كوادره النسائية نتيجة الحرب والمنفى، موضحاً أن دراسة أعدها المركز حول “الصحفيين في دول الشتات” أظهرت أن الصحفيين والصحفيات كانوا من أكثر الفئات تضرراً من النزاع، فيما كانت الصحفيات الأكثر تأثراً بسبب المخاطر الأمنية والقيود المفروضة على حركتهن.
مؤكداً أن كثيرات اضطررن إلى مغادرة اليمن بعد تعرضهن للتهديدات والانتهاكات والاستهداف، بينما اضطرت أخريات إلى ترك المهنة نهائياً.
ويضيف نصر أن استمرار استهداف الصحفيين، إلى جانب القيود التي فرضتها جماعة الحوثي على تنقل النساء، جعل ممارسة الصحافة أكثر صعوبة بالنسبة للصحفيات، الأمر الذي انعكس على حضور المرأة في الإعلام اليمني.
ونتيجة لذلك، فقدت المؤسسات الإعلامية عدداً كبيراً من الصحفيات ذوات الخبرة، ولم يتبقَّ سوى عدد محدود يواصلن العمل داخل البلاد أو من خارجها، ما أضعف التنوع في التغطية الإعلامية وخسّر المشهد الصحفي أصواتاً نسائية كان لها حضور فاعل.
وبحسب الدراسة فإن الصحفيات يشكلن 20% من إجمالي العاملين في المؤسسات الإعلامية و11% من أعضاء نقابة الصحفيين.
وهذا يوضح أن الصحفيين الذمور يسيطروا على المناصب القيادية، مع تفاوت في الأجور، وعدم تكافؤ فرص التدريب، وعدم تهيئة بيئة عمل مناسبة للصحفيات.
السفياني:وجود المرأة في الإعلام ليس مجرد تمثيل عددي، بل عنصر أساسي لإنتاج صحافة أكثر توازنًا ومصداقية، وأكثر قدرة على نقل الواقع اليمني بجميع أبعاده الإنسانية والاجتماعية
مستقبل الصحفيات اليمنيات في المنفى
وفي سياق وضع الصحافيات اليمنيات، يرى المدير الإقليمي لمركز سوث 24، يعقوب السفياني، أن مستقبل الصحفيات اليمنيات، سواء في الداخل أو المنفى، مرهون بقدرة المؤسسات الإعلامية والجهات الداعمة على توفير بيئة آمنة تضمن لهن الاستمرار في العمل، مؤكدًا في حديث لـ”نسوان فويس” أن المشكلة لا تكمن في كفاءة الصحفيات، وإنما في الظروف التي فرضتها الحرب وما رافقها من تهديدات وانتهاكات أجبرت كثيرات على مغادرة البلاد أو التوقف عن ممارسة المهنة.
وأضاف :” استمرار هذا الواقع يهدد بخسارة المزيد من الكفاءات النسائية، ويُضعف حضور المرأة في المشهد الإعلامي اليمني”.
ومشيراً إلى أن خروج الصحفيات أحدث فراغًا واضحًا في التغطية الصحفية، لأنهن كنّ الأقرب إلى توثيق قضايا النساء والأطفال والعنف والتعليم والصحة، وهي ملفات يصعب الوصول إليها في مجتمع محافظ دون وجود صحفيات في الميدان. ورغم نجاح عدد من الصحفيات في مواصلة العمل من الخارج، فإن الصحافة الميدانية لا يمكن تعويضها بالكامل، إذ تظل المعايشة اليومية وفهم السياق المحلي عنصرين أساسيين لإنتاج محتوى صحفي عميق ومتوازن.
مشدداً على أن الحفاظ على مستقبل الصحفيات اليمنيات يتطلب توفير الحماية المهنية، وتوسيع فرص التدريب والتمكين، ودعم المبادرات التي تساعدهن على الاستمرار في العمل من داخل اليمن أو خارجه. ويضيف أن وجود المرأة في الإعلام ليس مجرد تمثيل عددي، بل عنصر أساسي لإنتاج صحافة أكثر توازنًا ومصداقية، وأكثر قدرة على نقل الواقع اليمني بجميع أبعاده الإنسانية والاجتماعية.
تقريرمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، كان قد أكد على ما ذهب إليه السفياني بخصوص أن الصحفيات لم تتح لهن فرص كافية للمشاركة في صنع القرار، وأن كثيرًا منهن يفتقرن إلى التدريب والتأهيل اللازمين للوصول إلى المناصب القيادية.
وأوصى التقرير بسن تشريعات تحقق المساواة بين النساء والرجال في الإعلام، وتمكين الصحفيات من تولي مناصب قيادية، وتوفير بيئة عمل آمنة، وتشجيع انضمامهن إلى النقابات.

