مروى العريقي- نسوان فويس
في بلدٍ كاليمن، تصنع فيه الحرب جدرانًا من الصمت والخوف، تبرز المحامية اليمنية والمدافعة عن حقوق الإنسان هدى الصراري، كإحدى أشجع الأيقونات اللواتي كسرن هذا الحصار، حافرةً اسمها في تاريخ النضال الحقوقي كصوت لا يلين للمستضعفين.
منذُ العام 2015، لم تكن الصراري مجرد محامية تمر على القضايا العابرة، بل تحولت إلى ملاذٍ أخير ومحامٍ شرس عن المئات من ضحايا السجون السرية، الاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي خاصةً في المحافظات الجنوبية، لاسيما في مدينة عدن، حيث انحازت لدموع الأمهات المكلومات وجمعت أدلة الإدانة من بين مخالب قوى السلاح.
لكن الجهر بالحق في زمن النزاعات يحمل ضريبة باهظة، ولم يكن طريق هدى سهلًا على الإطلاق، بل كان معبدًا بحملات استهداف ممنهجة وقاسية سعت بكل الوسائل لإسكاتها، إذ شُنت عليها حملات تخوين وتشويه رقمي على المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، حاولت النيل من سمعتها ووطنيتها، وسرعان ما تحولت الكلمات المسمومة إلى تهديدات مباشرة بالقتل وملاحقات ميدانية ومراقبة لتحركاتها، مما جعل من روتينها اليومي لمقابلة الضحايا وشهود العيان مغامرة محفوفة بخطر الموت في كل لحظة.
وحين عجزت حملات التحريض والتهديد عن كسر صمودها أو ثنيها عن مواصلة التحقيقات، جاءت الفاجعة الأقسى والأكثر مرارة لتهز كيانها الإنساني، ففي مارس من العام 2019، فجعت هدى بخبر إطلاق رصاص حي على نجلها الشاب محسن -17 عاماً- في عدن، ليفارق الحياة بعد شهر من المعاناة، في جريمة اغتيال بشعة لم تكن سوى محاولة لكسر قلب أمٍّ رفضت مقايضة ضميرها المهني بصمت مريح.
أمام شلال الدماء وعقب هذه التصفية المفجعة، وتصاعد المؤشرات التي تؤكد أنها الهدف القادم، غدت الحياة في وطنها مستحيلة، واضطرت الصراري إلى اختيار النفي قسراً، مغادرةً اليمن لحماية عائلتها وما تبقى من روحها.
بين منشور ورصاصة الاغتيال
لم تكن هدى الصراري الضحية الوحيدة لمعركة كسر إرادة النساء المدافعات عن القانون والعدالة في اليمن، فسيناريو الشيطنة الرقمية وحملات التشويه التي تسبق الرصاص، تتكرر في مناطق أخرى، فبالانتقال شمالاً نحو مدينة تعز، نجد فاجعة دموية لم يمر عليها سوى أشهر، تجسد بمرارة كيف يمهد التحريض الرقمي للتصفية الجسدية المباشرة.!
في تعز، دفعت المديرة التنفيذية لصندوق النظافة والتحسين، افتهان المشهري، حياتها ثمنًا لمحاولاتها المستميتة لمأسسة الصندوق، وإصرارها على ترسيخ مبادئ النظام والقانون وفرض هيبة الدولة في وجه قوى النفوذ وسلطة السلاح.
واجهت افتهان قبل اغتيالها في 18 من سبتمبر من العام الماضي حملات تشويه مسمومة وتحريض رقمي على منصات التواصل الاجتماعي، استهدفت جهودها وسعت إلى عزلها مجتمعيًا. وقفن النساء وحدهن إلى جانبها. ورغم تقديمها البلاغات الرسمية عما كانت تتعرض له من تهديدات، إلا أن رصاصات الغدر كانت أسرع، حيث أمطر مسلحون سيارتها بوابل من الرصاص وسط الشارع العام، في جريمة صادمة كشفت هشاشة الأرض التي تقف عليها النساء الممسكات بزمام المسؤولية، ولتؤكد أن المسافة بين منشور التشويه ورصاصة الاغتيال باتت منعدمة.
وبحسب المحامي ياسر المليكي فإن حادثة اغتيال الراحلة افتهان المشهري تسلط الضوء على الهشاشة الأمنية البالغة التي تعاني منها محافظة تعز، جراء تدهور المؤسسات بسب ظروف الحرب، وتغول النافذين، فضلاً عن افتقار الكادر الأمني للتدريب الكافي للتعامل مع هذا النوع من الجرائم.
ويستطرد المليكي: الخلل الأعمق يكمن في البنية الثقافية والآلية الإجرائية داخل الأجهزة الأمنية، حيث تُقابل بلاغات التهديد التي تقدمها النساء أو الفئات المهمشة ببرود شديد واستهتار، ما لم تكن الضحية مسنودة بشخصية نافذة أو سند اجتماعي قوي. علاوة على ذلك، تُجبر النساء على مواجهة نمط من التشكيك، فإذا تقدمت المرأة بالبلاغ بمفردها دون وجود ولي أمر، يُقابل طلبها بعدم الجدية، بل ويُشترط أحياناً حضور ولي الأمر لإثبات رسمية البلاغ، وهو ما يشكل عائقًا تمييزيًا مركبًا يحرم النساء، لاسيما المنفصلات أو اللواتي يفتقرن للمحيط الأسري الداعم، من حق الحماية الأمنية الفورية.
غطاء أيديولوجي وحراس افتراضيون
هذا المناخ العدائي والدموي ضد النساء لم يولد من فراغ، بل هو امتداد لتغذية تحريضية ممنهجة يقودها أشخاص ارتبطت أسماؤهم بحركات سياسية ودينية، ينتهجون خطابًا قائمًا على تحقير وشيطنة أي أدوار قيادية أو حقوقية تتقلدها النساء. وعلى مدار سنوات، برزت أصوات دينية مثل عضو البرلمان عبدالله العديني، الذي يتبنى خطابًا متحيزًا في التعاطي مع قضايا المرأة، ففي الوقت الذي تركز منشوراته على فرض أدوار نمطية للمرأة تقصي تواجدها من الفضاء العام، وتختزل أدوار النساء في الإنجاب ورعاية الأسرة، نجده يتغاضى عن الانتهاكات الجسيمة التي تقع بحق النساء المعنفات من أزواجهن أو أسرهن، ويصمت عن المطالبة بتوفير الحماية لهن.
عملت هذه الأصوات وغيرها على إفراغ المصطلحات الحقوقية من معناها الحقيقي، وتحويلها إلى تهم أخلاقية جاهزة تهدف إلى محاصرة النساء وعزلهن مجتمعيًا، فقبيل تعيين جميلة علي رجاء سفيرة لليمن في واشنطن، كتب العديني منشورًا عبر صفحته على فيسبوك هاجم فيه النسويات ووصفهن بـ غير الصالحات للزواج.
وبالبحث أكثر لا يبدو العديني وحيداً في هذا المضمار، إذ يشاركه الأيديولوجيا ذاتها عضو البرلمان محمد الحزمي، الذي يقود جبهة تحريضية موازية ضد التواجد النسوي.
ففي الفضاء الرقمي، أطلق الحزمي سلسلة من التدوينات والتغريدات المحرضة ضد عمل المرأة في المنظمات الإنسانية والحقوقية بمدينة تعز، متسائلاً بنبرة تشكيكية عن أسباب زيادة نشاط هذه المنظمات، في محاولة لربط العمل الإنساني والنسوي بأجندات مشبوهة، مما يضع العاملات في الميدان تحت خطر أمني ومجتمعي حقيقي.
لم يتوقف التحريض عند حدود المنظمات، بل امتد ليتحدى التوجهات السياسية العليا، حيث هاجم الحزمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي، متهمًا إياه بمخالفة الدستور، وذلك على خلفية تصريح رسمي للأخير أكد فيه أن غياب المرأة عن التمثيل الحكومي يعد خللًا قانونيًا ومؤسسيًا يجب تصحيحه.
في العاصمة صنعاء تتعرض النساء لتشويه السمعة من مؤثرين ، لا يجدون الرد القانوني من قبل السلطات، بل أصدرت قرارات تقيد من حريتهن مثل: قرارا قضى بمنع الاختلاط بين الشباب والشابات في عدد من كليات جامعة صنعاء منها كلية الإعلام، وحاليًا يدرس الطلاب ثلاثة أيام في الأسبوع وتدرس الطالبات ثلاثة أيام أخرى.
كما منعت النساء من السفر بين المحافظات، وإلى خارج البلاد، بدون إذن ولي الأمر أو مرافقة محرم، بينما قيّدت قوات الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي – سابقًا- تنقّل المرأة في الجنوب. ووفقا لمنظمة هيومن رايتش ووتش
تخاذل أمني وتمييز مركب
الكلمات والخطابات الرنانة لا تقتل النساء مباشرة، لكنها تخلق بيئة عامة طاردة للمرأة، وتمنح الموافقة الضمنية لجماعات المصالح والجماعات المسلحة لتصفية النساء جسديًا ومعنويًا، مستغلين هشاشة الوضع القانوني والأمني في البلاد.
في هذا الصدد يوضح المليكي في حديثه لـ ” نسوان فويس” بأن المنظومة التشريعية اليمنية تفتقر إلى نصوص قانونية صريحة ومباشرة تجرم التحريض الإلكتروني أو خطاب الكراهية الموجه تحديدًا ضد النساء والناشطات.
ويضيف: رغم أن القانون اليمني تناول مسألة التحريض كفعل عام وبأي وسيلة كانت، كما نصت المادة (193) من قانون الجرائم والعقوبات، إلا أنه أغفل تخصيص الحماية الجنائية للنساء أو الناشطات في الفضاء الرقمي، واقتصرت النصوص الخاصة بفئات محددة على حماية الأطفال فقط.
ويشير المليكي إلى وجود قصور تشريعي في القوانين اليمنية، معللًا ذلك إلى قِدم القوانين النافذة وعدم مواكبتها للتطور التقني المتسارع، مما يخلّق فجوة قانونية تمنع الملاحقة القضائية الفعالة لجرائم العنف الرقمي الموجهة ضد المرأة.
وبحسب المليكي تخلو السجلات القضائية اليمنية من أي سوابق تشير إلى صدور أحكام قضائية بإدانة شخصيات عامة، سواء كانت دينية أو سياسية، بتهم التحريض التي أفضت إلى عنف جسدي؛ حيث تظل الفتاوى والتغريدات التحريضية محصنة فعليًا في منطقة الإفلات من العقاب.
وتشير دراسة منشورة إلى أن العجز في البيانات والآليات الرسمية للتعامل مع قضايا العنف الرقمي، إلى جانب نقص المهارات التقنية والاجتماعية لدى الأجهزة المعنية ورغم الجهود القضائية في تكييف القضايا كجرائم تقليدية، فإن التحديات لا تزال قائمة، مما يؤدي إلى إفلات العديد من الجناة من العقاب.
ويرجع المليكي غياب هذه المحاسبة إلى عائقين أساسيين الأول قانوني وإجرائي، إذ تصطدم محاولات تقديم الشكاوى ضد هذه الشخصيات بحواجز الحصانات النيابية أو السياسية التي تمنع مساءلتهم قانونيًا والأخر نفسي واجتماعي حيث تتجنب النساء والضحايا عمومًا الدخول في مواجهات قضائية مع هذه الشخصيات النافذة، بدافع القناعة المسبقة بعدم جدوى المساءلة في ظل منظومة قضائية ومؤسسات إنفاذ قانون تتسم بالهشاشة والرتابة.
خوارزميات تغذي الكراهية
من جانبه أكد الخبير الرقمي فهمي الباحث، بأن الحملات الرقمية الراهنة تمثل نمطاً “هجيناً” يجمع بين العفوية والتنظيم النسبي تبعاً لكل حالة.
وقال الباحث في حديثه لـ ” نسوان فويس” إن البداية تكون عادةً بنشر المحتوى عبر حسابات معروفة أو مجهولة تستهدف استثارة الحاضنة الشعبية عبر الخطاب القبلي، المجتمعي، والديني. هذا التوجيه العاطفي يتم استغلاله لاحقًا وتحويله إلى حملات مؤدلجة ومنظمة تقودها أطراف سياسية وفكرية موجهة.
وعن الأنماط والمصطلحات والوسوم المستخدمة لشيطنة النساء في الفضاء الرقمي اليمني أوضح الباحث تتعدد الأنماط والوسائل المستخدمة في الفضاء الرقمي اليمني، وتبدأ هذه الأنماط عادةً باتهامات جاهزة تتعلق بنشر الانحطاط الأخلاقي، والطعن في الشرف، وصولاً إلى التخوين والعمالة والادعاء بالعمل لصالح منظمات أو أجندات أجنبية مشبوهة تهدف إلى إفساد المجتمع.
وأضاف: هذه الحملات تستدعي غالبًا غطاءً مدفوعًا بدافع الدين، القبيلة، والشرف، وتظهر بشكل موجات تنتشر من وقت إلى آخر.
وأشار الباحث إلى أن التحدي الأكبر يكمن في سلوك المستخدم اليمني الذي يميل غالبًا إلى تصديق هذه الادعاءات دون التحقق من صحة المعلومات، فبمجرد أن يتعمد طرف ما توجيه اتهام لامرأة أو ناشطة بأنها ممولة من جهات خارجية لإفساد الأخلاق، يتعاطى الجمهور مع هذا الاتهام وكأنه حقيقة مطلقة، دون وضع أي احتمالية لكونه محض زيف وافتراء.
وفيما يتعلق بالمنصات الرقمية، قال الباحث: إن الخوارزميات مصممة بطريقة تمنح الأولوية للمحتوى الأكثر جدلاً، وفي كثير من الأحيان ترفع من انتشار المحتوى التافه أو التحريضي.
وبحسب الباحث، الخوارزمية لا تميز بين التفاعل السلبي والإيجابي، فكلما زادت الردود، والتعليقات، والإعجابات، والمشاركات على منشور مسيء، اعتبرت الخوارزمية هذا المحتوى نشطاً وقامت بمضاعفة وصوله ونشره على نطاق أوسع، مما يساهم في تأجيج الحملات ضد الناشطات.
ولحماية الناشطات لأنفسهن في هذا الفضاء الرقمي المعقد، يقدم الباحث جملة من النصائح والتدابير التقنية والوقائية في الانفوجراف التالي:
أرقام صادمة
هذا المشهد القاتم المستند إلى إقصاء النساء وتصفية وجودهن في الشأن العام تؤكده الأرقام والتقارير الدولية، فبحسب البيانات الدولية، احتلت اليمن في العام 2021، المرتبة الثانية عالمياً من القاع ( 155 من أصل 156 دولة ) في مؤشر الفجوة العالمية بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي
هذا الرقم الصادم يعكس حقيقة أن إقصاء النساء في اليمن ليس مجرد حوادث منفصلة أو سلوكيات فردية عابرة، بل هو سياسة أمر واقع تفرضها رصاصات الميدان وتشرعنها فتاوى وتغريدات المنصات الإلكترونية، مما يجعل معركة الدفاع عن حقوق المرأة في اليمن مواجهة حقيقية بين إرادة الحياة وتغول الفوضى.
وأمام هذا الواقع تظل قصص التضحية التي سطرتها اليمنيات هي جدار الحماية الأخير عن كرامة المجتمع بأكمله. وإن معركة الوجود هذه تثبت أن تصفية الجسد أو النفي القسري لا يمكنهما مصادرة القضية.
في منفاها تقف هدى من وراء البحار، ممسكة ملفات المخفيين، تصدح بأصوات ضحايا الداخل في المحافل الدولية، مبرهنةً للعالم أن صوت العدالة لا يمكن نفيه أو اغتياله، وأن الجوائز الدولية التي حصدتها – وعلى رأسها جائزة “مارتن إينالز” للمدافعين عن حقوق الإنسان- لم تكن تكريمًا لشخصها فحسب، بل اعترافًا عالميًا بعدالة القضية التي تبنتها، وبعناد امرأة يمنية رفضت أن تنكسر أمام ترسانات القمع والنسيان.
ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Gemini Notebook


