مرسمٌ بلا جدران.. حكاية فنانة يمنية طافت بالجمال شوارع صنعاء

شارك المقال

 منيرة أحمد الطيار-نسوان فويس

في أزقة صنعاء القديمة، حيث تعانق رائحة التاريخ تفاصيل البيوت العتيقة، وُلدت حكاية استثنائية لم تكن مجرد مسيرة لفنانة أمسكت بالريشة، بل تجسدت لملحمة امرأة يمنية آمنت بأن التعليم هو الجسر الحقيقي، وأن الفن لغة عالمية لصياغة هوية جيل بأكمله.

أمهاني الوريث، فنانة تشكيلية لم تحصر إبداعها بين جدران المرسم، بل قدمت فنا تجاوز حدود المكان.

كان معرض أمهاني الأول بمثابة “إعلان حياة” وصرخة جمال في وجه الركام، حيث أكدت حينها أن الفن في الأوقات العصيبة ليس مجرد ترف، بل طوق نجاة حقيقي، مبرهنة أن الألوان أقوى من الرماد، وأن ريشة الفنان قادرة على رسم خارطة للجمال حتى في أحلك الظروف

ولادة الحلم

لم تكن انطلاقة أمهاني مفروشة بالورود، بل وُلدت من رحم المعاناة وفي أصعب الظروف التي مر بها اليمن. ففي عام 2015، وبينما كانت الحرب تطغى على كل شيء، اختارت أمهاني أن تطلق صرختها الخاصة من خلال معرضها الشخصي الأول.

 المعرض  كان بمثابة “إعلان حياة” وصرخة جمال في وجه الركام، حيث أكدت أمهاني حينها أن الفن في الأوقات العصيبة ليس مجرد ترف، بل طوق نجاة حقيقي، مبرهنة أن الألوان أقوى من الرماد، وأن ريشة الفنان قادرة على رسم خارطة للجمال حتى في أحلك الظروف.

شغف أكاديمي

ما يمنح تجربة أمهاني الوريث ثقلاً خاصاً ، هو ذلك المزيج الفريد بين الموهبة الفطرية والخلفية الأكاديمية الرصينة. 

فالوريث أكاديمية تحمل درجة الماجستير في اللغة الإنجليزية ومناهج وطرق التدريس.

هذا التخصص العلمي لم يكن بعيداً عن لوحاتها، بل كان قاعدة أساسية ينتظم معها وبواسطتها ما يمكن تسميته ” الفوضى الإبداعية ” بداخلها ، حيث استطاعت تحويل الفن من مجرد حالة شعورية مجردة إلى منهج تعليمي واضح المعالم.

لا يتعلم الطلاب في مرسمها تقنيات الرسم فقط، إنما يكتسبون مهارات وتكنيكات إبداعية ، تمزج بين العلم وتطويع الموهبة ، ما حوّل دروسها ومناهجها التعليمية إلى بصمة بصرية تخدم الرسالة الإنسانية.

مشروع بصمتي

عبر مشروعها التعليمي “بصمتي”، تواصل الوريث، للعام الخامس على التوالي، غرس لمساتها في أذهان ووعي طلابها.

فبالنسبة لها، الفن ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة فعالة لبناء الشخصية وصقل الذات.

أمهاني تفخر باللوحات التي ينتجها طلابها، لكنها تفخر أكثر بالثقة الكبيرة التي يكتسبونها مع الوقت وبالتجربة، خاصة أن تحرص على تعليمهم أن الخطأ على الورق ليس فشلاً، بل مجرد “مسودة” لفكرة أعظم .

لذلك تحولت حصة الفن مع أمهاني من وقت للفراغ إلى ورشة حقيقية لبناء الإنسان.

قررت أمهاني أن يذهب الفن إلى الناس بدلاً من انتظارهم، فحوّلت المقاهي والقاعات والمعاهد إلى مراسم مؤقتة تجمع الهواة والمبدعين، ما كسر عزلة الفنان وجعل الفن ممارسة مجتمعية حية تتنفس في الشوارع.

مرسم متنقل

واجهت أمهاني تحدياً كبيراً تمثل في عدم امتلاك مرسم خاص خارج حدود منزلها، لكنها حولت هذا العائق إلى دافع للابتكار.

وانطلاقاً من إيمانها بأن المكان الحقيقي للفنان هو الرؤية، حوّلت ركناً صغيراً في منزلها إلى محراب للجمال، وابتدعت فكرة “المرسم المتنقل”.

قررت أمهاني أن يذهب الفن إلى الناس بدلاً من انتظارهم، فحوّلت المقاهي والقاعات والمعاهد إلى مراسم مؤقتة تجمع الهواة والمبدعين، ما كسر عزلة الفنان وجعل الفن ممارسة مجتمعية حية تتنفس في الشوارع.

ذاكرة يمنية

يتجلى تفرد أمهاني في مشروعها التوثيقي الذي يسعى لإنقاذ الذاكرة اليمنية.

فكتاب التلوين عن حارات صنعاء القديمة لم يكن مجرد رسومات، بل محاولة لربط الطفل اليمني ببيئته، ليتعلم تلوين حجارة بيته وزخارف القمريات بدلاً من استهلاك صور مستوردة.

كما رسمت أمهاني سلسلة من أربعة كتب للأطفال بطابع يمني أصيل، جعلت فيها من الزي الشعبي والتراث أبطالاً للقصص، لتعزيز فخر الأجيال القادمة بهويتهم وتراثهم، بوصفه فناً عالمياً يستحق الاحتفاء.

الحلم الأكبر

بمسيرة تمتد لأحد عشر عاماً، اختتمت أمهاني قبل فترة قصيرة معرضها الشخصي السابع، مؤكدة أن التجدد هو سر حماسها المستمر.

ورغم انشغالاتها الأكاديمية، لا يزال حلمها الأكبر يتجاوز حدود اللوحات، فهي تطمح لتأسيس أكاديمية فنية متكاملة في اليمن، تكون حاضنة علمية تجمع بين المنهجية الأكاديمية والإبداع الفطري.

حلم أمهاني هو أن يصبح الفن اليمني مرجعاً تراثياً وتعليمياً يوثق جمال البلاد بصورة عصرية تصل إلى العالمية.

مقالات أخرى