حلم الأمومة… معاناة يمنيات مع “التخصيب” وتكاليفه الباهظة

شارك المقال

سمر عبدالله- نسوان فويس  

بعد أشهر من الحياة الزوجية، يتوقع كثير من الأزواج أن يتحقق الإنجاب بصورة طبيعية، لكن عدم تحقق ذلك قد يفتح بابًا واسعًا من القلق، يتحول مع مرور الوقت إلى رحلة طويلة من البحث عن حل.

ومع تزايد الضغوط الاجتماعية والأسئلة المتكررة حول سبب تأخر الإنجاب، يجد بعض الأزواج أنفسهم أمام تحديات نفسية ومادية معقدة، بحثا عن فرصة لتحقيق حلم الأبوة والأمومة.

أحد أبرز الخيارات الطبية المطروحة لعلاج حالات تأخر الإنجاب  تقنيات الإخصاب المساعد مثل الحقن المجهري، إلا أن ارتفاع تكلفته وتفاوت نسب نجاحه من حالة إلى أخرى يجعلان هذه التجربة احتمالا يتضمن الأمل والخيبة معا ، خاصة في بيئات تعاني من محدودية الإمكانات.

ضعف أو تشوه الحيوانات المنوية قد يرتبط بعوامل عدة، أبرزها التدخين ومضغ القات والتهابات الجهاز التناسلي ودوالي الخصية، فيما قد ينجم انسداد قنوات فالوب عن التهابات الحوض أو الالتصاقات أو بطانة الرحم المهاجرة أو بعض التدخلات الجراحية

عشر سنوات انتظار 

عشر سنوات وخمسة ملايين، ومحاولتان  بلا نتيجة، تقول “ن.ع” (38 عامًا) لـ”نسوان فويس”، وتتابع :” تأخرت عن الإنجاب نحو عشر سنوات، بعدها قررت خوض تجربة الحقن المجهري، كنت حينها في الرابعة والثلاثين من عمري، شدني نجاح بعض تجارب الحقن الناجحة في محيطي، على الرغم أن الطبيب المشرف على حالتي كان يرى أن حالتي لا تستدعي التسرع في اللجوء إلى هذه الخطوة” 

وتتابع :” أظهرت الفحوصات وجود انسداد في إحدى قناتي فالوب مع ضعف حركة الحيوانات المنوية لدى الزوج، وهي حالات لا تمنع الحمل الطبيعي بالضرورة، خاصة إذا كانت القناة الأخرى سليمة وتؤدي وظيفتها مع العلاج والمتابعة، لذلك أوصى الطبيب زوجي حينها الامتناع عن مضغ القات والتدخين لتحسين فرص العلاج ” .

في سياق متصل تقول استشارية النساء والتوليد وأطفال الأنابيب، وأول طبيبة يمنية متخصصة في الحقن المجهري، الدكتورة نجاة الملس، لـ”نسوان فويس” : ” ضعف أو تشوه الحيوانات المنوية قد يرتبط بعوامل عدة، أبرزها التدخين ومضغ القات والتهابات الجهاز التناسلي ودوالي الخصية، فيما قد ينجم انسداد قنوات فالوب عن التهابات الحوض أو الالتصاقات أو بطانة الرحم المهاجرة أو بعض التدخلات الجراحية”.

أولوية إجراء الفحوصات 

وتشير الملس إلى أن الحمل الطبيعي يظل ممكنًا بنسبة 50% عند انسداد إحدى قناتي فالوب إذا كانت الأخرى سليمة وتؤدي وظيفتها بصورة طبيعية، بعد التأكد من ذلك عبر التشخيص والمنظار.

وتضيف الملس : ” كما أن ضعف أو تشوه الحيوانات المنوية لا يعني استحالة الحمل للزوجة، لكنه قد يقلل فرص حدوثه ويرفع احتمالات الإجهاض المبكر في بعض الحالات، ما قد يستدعي اللجوء إلى تقنيات الإخصاب المساعد، ومنها الحقن المجهري”. 

 “ن.ع” تتحدث عن تجربتها الأولى في إحدى المستشفيات داخل اليمن، قائلة : ” صُدمت  أنه تم إجراء الحقن المجهري  دون دراسة كافية للتاريخ المرضي أو إجراء فحوصات موسعة لحالنا “.

 وتؤكد أنها تناولت قائمة طويلة من الأدوية والإبر اليومية التي استنزفتها جسديًا ونفسيًا، لكنها تمسكت بالأمل بعد تلقيها تطمينات متكررة بشأن فرص النجاح من الطبيبة، غير أن المحاولة الأولى انتهت بالفشل. 

 لكن الصدمة لا تتعلق فقط في نتيجة الحقن وحدها، بل في الرد الذي تلقته من الطبيبة عند سؤالها عن سبب الفشل، حيث اكتفت بالرد ” إذا معاكم فلوس، كرروا التجربة الشهر الجاي”.

عبارة كانت أشد قسوة من فشل العملية نفسها على سمع (ن.ع) . بعد أربع سنوات، قررت السيدة ( ن.ع) خوض التجربة مرة أخرى في مستشفى آخر داخل اليمن، بعد أن تأثرت بإعلانات مكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي . تؤكد أن المعاملة الإنسانية كانت أفضل هذه المرة، لكن النتيجة انتهت أيضاً بالفشل، دون تفسير طبي واضح. 

 تتمنى(ن.ع) لو أُجريت لها فحوصات أكثر عمقًا، مثل فحوصات الكروموسومات والأجنة قبل الإرجاع، معتبرة أن ذلك ربما كان سيغير مسار التجربة بعد متابعتها لاستشاريين عبر الانترنت اوضحوا ان هذا الفحص يساعد في اختيار اجنه سليمه وراثيا ويقلل من احتماليات  فشل الانغراس وقد يرفع من فرص النجاح. 

 الملس تشير لأهمية تحليل السائل المنوي ، الذي يعد الفحص الأساسي للزوج، والذي يتطلب إجراء فحوصات هرمونية أو جينية إضافية ، فيما تخضع  الزوجة لسلسلة من الفحوصات تشمل الهرمونات ومخزون المبايض، وأحيانًا المنظار الرحمي، بهدف تقييم الحالة بصورة دقيقة قبل بدء العلاج.

تقنية الحقن المجهري

تحدث عملية الحقن المجهري خارج جسم المرأة، حيث تبدأ العملية بتنشيط المبايض للحصول على عدد من البويضات، ثم سحبها تحت تخدير بسيط ، بعد ذلك يتم اختيار حيوان منوي واحد مناسب وحقنه مباشرة داخل البويضة باستخدام المجهر، ثم توضع الأجنة داخل حاضنات خاصة لمراقبة انقسامها ونموها، قبل إرجاعها إلى رحم المرأة بعد ثلاثة إلى خمسة أيام. ويُجرى اختبار الحمل عادة بعد نحو أسبوعين من إرجاع الأجنة بحسب الملس.

 

مشيرة إلى أن هذه التقنية دخلت اليمن في بدايات 2000، مع افتتاح أول مركز متخصص (IVF) بصنعاء في مارس العام 2000،  قبل أن تتوسع لاحقًا إلى عدد من المراكز في صنعاء وعدن وحضرموت، بالتزامن مع تطور الأجهزة والخبرات الطبية وتقنيات تجميد الأجنة والبويضات والفحوصات الجينية. 

اللجوء للحقن المجهري

تتابع ” الملس” أن الحقن المجهري يُنصح به في عدد من الحالات،، أبرزها ضعف أو تشوه الحيوانات المنوية، أو انعدامها في بعض الحالات التي يمكن فيها استخراج الحيوانات المنوية جراحيًا.

 كما يُستخدم في حالات انسداد قنوات فالوب، والعقم غير المفسر، وضعف مخزون المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة، وتكيس المبايض بعد فشل العلاجات الأخرى. وقد يُلجأ إليه أيضًا في بعض الحالات الوراثية التي تستدعي فحص الأجنة قبل إرجاعها إلى الرحم.

نسب نجاح الحقن المجهري في اليمن تتراوح بين 35 % و55% وترتفع فرص النجاح لدى النساء اللاتي تقل أعمارهن عن 35 عامًا، وتتراجع بشكل كبير بعد سن الأربعين، وقد تنخفض إلى نحو 5% فقط ، كما تتأثر النتيجة بجودة البويضات والحيوانات المنوية وعدد الأجنة وجودة بطانة الرحم وكفاءة المختبر

أسباب الفشل والنجاح 

 توضح ” الملس ” إلى أن نسب نجاح الحقن المجهري في اليمن تتراوح بين 35 % و55% وترتفع فرص النجاح لدى النساء اللاتي تقل أعمارهن عن 35 عامًا، وتتراجع بشكل كبير بعد سن الأربعين، وقد تنخفض إلى نحو 5% فقط ، كما تتأثر النتيجة بجودة البويضات والحيوانات المنوية وعدد الأجنة وجودة بطانة الرحم وكفاءة المختبر”. 

وتوضح أن نسب النجاح قد تصل في بعض المراكز إلى 70 أو 80 ٪ عند استخدام الأجنة المجمدة في ظروف مناسبة لكن النتائج تبقى غير مضمونة فقد يرتبط الفشل بمشكلات جينية في الأجنة، أو عدم تقبل بطانة الرحم للأجنة، أو اضطرابات مناعية وتخثرية، إضافة إلى عوامل نفسية قد تؤثر على استجابة الجسم للعلاج. كما تتطلب المحاولة الواحدة فترة انتظار لا تقل عن ثلاثة أشهر قبل إعادة التجربة في حال الفشل.

ورغم تطور خدمات الإخصاب الا ان الاقبال على الحقن المجهري  ما يزال محدودا مقارنة ببقيه الدول وذلك بسبب ضعف الوعي  واستمرار بعض الأزواج لفترات طويلة في تجارب العلاج قبل اللجوء إلى مراكز الإخصاب، إضافة إلى السبب الأبرز  ارتفاع التكلفة التي تتراوح بين 2600 و3000 دولار. 

على صعيد متصل، عشرون سنة مضت حتى نجحت تجربة السيدة “ص.م” (33 عامًا) في الحمل بواسطة الحقن المجهري. تقول ” ص.م” في حديث لـ”نسوان فويس”  أنها تزوجت في سن الثالثة عشرة، إلا أن الحمل لم يحدث رغم المتابعة الطبية المستمرة لسنوات طويلة. 

وتضيف : ” لم يتمكن الأطباء من تحديد سبب واضح لتأخر الإنجاب، لكني لم أفقد الأمل ، وقررت خوض تجربة الحقن المجهري رغم مرور السنوات، التي واجهنا فيها أنا وزوجي العديد من الضغوطات على رأسها نظرات المجتمع و أسئلته المتكررة، للحد الذي تجنبنا حضور المناسبات الاجتماعية”.

بعد فترة طويلة من القلق والانتظار، تلقت خبر نجاح العملية، تقول “ص.م” أنها أجمل لحظة في حياتها، رغم أن تكلفة هذه التجربة بين مليونين إلى ثلاثة ملايين ريال يمني تقريبا. 

 واليوم تحتضن طفلتها الأولى، كما أنها حامل في شهرها الرابع من خلال تقنية  الحقن المجهري أيضا.

المال في وجه الأمومة 

في المقابل يقف الوضع المادي حائط صد أمام بلوغ “س.م” (30 عامًا)، حلم الأمومة.على مدى تسع سنوات، حاولت هي وزوجها علاج مشكلة ضعف وتشوه الحيوانات المنوية بكل الوسائل المتاحة وخاضا تجارب متعددة من الأدوية والعلاجات المختلفة، والأعشاب الطبية التقليدية والتلقيح الصناعي  لكن جميع المحاولات انتهت دون تحقيق حلم الانجاب. وعندما طرح الأطباء الحقن المجهري كخيار علاجي محتمل وأخيرا، اصطدم الزوجان بارتفاع التكاليف وعدم القدرة على توفيرها.

تضيف ” س.م” أنها تعيش قلقًا مستمرًا من مرور السنوات وتراجع فرص الإنجاب مع التقدم في العمر. كما يراودها خوف من أن يفكر زوجها يومًا ما بالزواج مرة أخرى بحثًا عن طفل. ورغم ذلك، لا تزال متمسكة بالأمل، بانتظار فرصة قد تحقق لها حلم الأمومة. 

تُظهر بيانات جمعتها “نسوان فويس” ميدانيًا من عدد من مراكز الإخصاب في صنعاء أن تكلفة الحقن المجهري تتراوح إجمالًا بين 2600 و3200 دولار، بحسب طبيعة الحالة والعلاجات المصاحبة

تكلفة ليست بالمتناول

تُظهر بيانات جمعتها “نسوان فويس” ميدانيًا من عدد من مراكز الإخصاب في صنعاء أن تكلفة الحقن المجهري تتراوح إجمالًا بين 2600 و3200 دولار، بحسب طبيعة الحالة والعلاجات المصاحبة.

وبحسب الدكتورة نجاة الملس، تتراوح تكلفة العلاج داخل اليمن بين 2600 و3000 دولار تقريبًا.فيما يشير الدكتور مكي المخلافي، استشاري جراحة النساء والتوليد وأطفال الأنابيب والحقن المجهري، في حديث لـ”نسوان فويس” إلى أن التكلفة في وجهات علاجية يقصدها بعض اليمنيين، مثل مصر، قد تتراوح بين ألفين وأربعة آلاف دولار، دون احتساب ما قد يرافقها من تكاليف إضافية للفحوصات المتقدمة أو السفر والإقامة.

أتجاه اليمنيين للخارج 

ويرى المخلافي  أن الفارق بين اليمن وبعض الدول الأخرى التي يلجأة إليها عديد يمنيين، لا يتعلق بوجود التقنية نفسها، بل بمستوى التجهيزات والبنية التحتية والخبرات المتخصصة. 

ويؤكد أن فرص النجاح تعتمد بالدرجة الأولى على عمر الزوجة وجودة البويضات والحالة الطبية العامة، وليس على مكان إجراء العملية فقط. 

وحول أسباب توجه بعض اليمنيين إلى مصر، يشير المخلافي إلى أن الأمور المادية وتزايد الضغوط النفسية والاجتماعية، وبين قصص النجاح والإخفاق، يظل الأمل حاضرًا لدى آلاف الأسر التي تبحث عن فرصة لتحقيق حلم الأمومة والأبوة.

 

 

مقالات أخرى