مغسلات الموتى..شاهدات المحطة الأخيرة!

شارك المقال

رانيا عبدالله – نسوان فويس

في الوقت الذي يهرب فيه كثير من الناس من سماع أي تفاصيل تتعلق بالموت وفواجع الأقدار، تختار فئة قليلة أن تقف طواعية عند المحطة الأخيرة من رحلة الإنسان.

هناك، حيث تنتهي الحياة وتبدأ طقوس الوداع الأخيرة، تكرّس نساء سنوات طويلة من أعمارهن لخدمة الموتى وتجهيزهم، في عمل يراه البعض شاقاً ومخيفاً، بينما تراه صاحباته وممتهناته باباً للأجر وسببا في استمرار لقمة عيشهن.

البدايات الأولى للمهمة

منذ ثلاثين عامًا، بدأت أم سميرة (60 عامًا) رحلتها في تغسيل الموتى، وهي سنوات ليست بقليلة، قضت معظم أيامها بين رائحة الكافور والقماش الأبيض، تتأمل خلالها قصر الحياة وحقيقة المصير الإنساني والنهايات الحتمية.

تعود أم سميرة بذاكرتها في حديث لـ”نسوان فويس” إلى أول مرة قامت فيها بتغسيل وتجهيز متوفاة في مسقط رأسها في محافظة ريمة الواقعة في الجزء الغربي من اليمن، يومها، توفيت امرأة في القرية، ولم يكن هناك من يتولى تغسيلها، وكان والدها، إمام المسجد في القرية آنذاك، أول من دفعها لخوض هذه التجربة.

تروي أم سميرة تلك اللحظة قائلة: “قال لي أبي: ما فيش غيرك يا بنتي، روحي اغسلي المتوفية ولك أجر كبير، حينها كنت مش عارفة أيش أقول أو كيف أغسلها”.

وتضيف وهي تسترجع تفاصيل تلك اللحظات الأولى: “قال لي أبي اقرأي الدعاء وابدئي بوضوء الصلاة للمتوفية، ثم اغسليها بالتدريج، وشرح لي طريقة التكفين. قمت بكل الخطوات بثبات بمساعدة بعض قريبات المتوفية، رغم أنني لم أقم بهذا العمل من قبل”.

وتوضح أن أهم الأدوات التي تحتاجها أثناء تجهيز الموتى تتمثل في الكافور والطيب وماء الغسل والعطور، مشيرة إلى أن ابنتها تساعدها في عمليات التجهيز والتكفين: “أحرص دائمًا على وضع الكافور والطيب للمتوفية، وبعدها يودعها أقاربها ويلقون عليها النظرة الأخيرة قبل الصلاة عليها” تضيف أم سميرة.

ورغم السنوات الطويلة التي قضتها في هذا العمل، تؤكد أم سميرة أنها لم تعتبره يوماً مصدراً للرزق أو وسيلة للكسب، بل عملاً خالصاً لوجه الله: “لا أنتظر أي أجر أو مبلغ من أي حالة أقوم بتجهيزها، وأطلب أجري من الله”.

تتفاوت مخاطر العدوى أثناء تجهيز الجثامين بحسب طبيعة المرض، فهناك أمراض تنتقل عبر الدم مثل التهاب الكبد الوبائي ونقص المناعة المكتسبة في حال وجود جروح لدى المغسِّل، إضافة إلى أمراض معوية مثل الكوليرا نتيجة ملامسة السوائل المتسربة، وأمراض تنفسية كالسل قد تنتقل عبر الغازات الخارجة من الرئتين أثناء تحريك الجثة

ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

مخاطر تتطلب الحذر

وعن احتمالية انتقال الأمراض أثناء تغسيل وتجهيز الموتى، تقول أم سميرة ببساطة: “أنا متوكلة على الله، وما أعرفش أيش اللي المفروض أعمله، لكن بعد أن أقوم بتغسيل وتجهيز المتوفية أتحمم عندما أعود إلى المنزل، وهذه سنة أخبرني بها أبي”.

في هذا السياق يؤكد متخصصين أن التعامل مع جثث المتوفين يتطلب إجراءات وقائية دقيقة، خصوصاً عند الوفاة بسبب أمراض معدية.

وعلى سبيل المثال في ذروة الخوف العالمي من جائحة كورونا، شددت منظمة الصحة العالمية في الأدلة الإرشادية لقواعد تجهيز المتوفين، على أن الإجراءات الوقائية الأساسية هي ذاتها المستخدمة للحماية من بقية الأمراض والفيروسات المعدية.

وتتفاوت مخاطر العدوى أثناء تجهيز الجثامين بحسب طبيعة المرض، فهناك أمراض تنتقل عبر الدم مثل التهاب الكبد الوبائي ونقص المناعة المكتسبة في حال وجود جروح لدى المغسِّل، إضافة إلى أمراض معوية مثل الكوليرا نتيجة ملامسة السوائل المتسربة، وأمراض تنفسية كالسل قد تنتقل عبر الغازات الخارجة من الرئتين أثناء تحريك الجثة.

ولهذا تشترط منظمة الصحة العالمية استخدام معدات الحماية الشخصية الكاملة، بما في ذلك القفازات والمرايل والكمامات ونظارات الوجه، مع توفير تهوية جيدة وتعقيم الأسطح بالكلور فور الانتهاء من تجهيز الجثمان.

وفي هذا السياق، يؤكد مسؤول الإعلام بمكتب الصحة في تعز، تيسير السامعي، أهمية اتخاذ الحيطة والحذر عند التعامل مع جثث المصابين بأمراض معدية، مشيراً في حديث لـ “نسوان فويس” إلى أن الإجراءات الوقائية التي تم اعتمادها خلال جائحة كورونا تنطبق كذلك على بقية الأمراض المعدية. كما شدد على ضرورة تنظيم ومراقبة مغاسل الموتى التابعة لمكتب الأوقاف لضمان أعلى مستويات السلامة.

هناك مخاوف وأحكام اجتماعية قد تمنع البعض من الارتباط أو الزواج بمغسلة أموات، ولهذا نلاحظ أن أغلب من يمارسن هذا العمل هن من النساء المتزوجات أو كبيرات السن اللواتي اكتسبن الخبرة عبر السنين

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

الخوف ثم السكينة

مشيرة هايل (45 عاماً) هي الأخرى اختارت هذا الطريق قبل خمسة عشر عاماً، متطوعةً لمساعدة المغسلات الأساسيات في تجهيز وتكفين الموتى.

تتحدث مشيرة لـ “نسوان فويس” عن مشاعرها الأولى قائلة: “كنت أخاف بشكل غير طبيعي بمجرد سماع خبر وفاة أي شخص، لكن نقطة التحول جاءت عند وفاة أقرب الناس إلى قلبي. عندما رأيت المغسلة تكفن جدتي أمام عيني، اختفى الخوف تمامًا وشعرت بسكينة كبيرة، ومنذ ذلك اليوم بدأت أساعد المغسلات بشكل طبيعي”.

وخلال هذه السنوات شاركت مشيرة في تجهيز نحو عشر حالات وفاة، جميعها كانت وفيات طبيعية.

تتذكر مشيرة أول حالة حضرتها، كانت لشابة في مقتبل العمر توفيت بسبب مرض السرطان، قائلة: “هذه الشابة لم تغب عن ذاكرتي أبدًا، وكل مرة أشارك فيها بالتغسيل والتكفين أتذكرها”.

وتوضح أن خطوات التغسيل والتجهيز ثابتة في جميع الحالات، وتعتمد على ما ورد في السنة النبوية.

“نبدأ بالماء واتباع السنة النبوية في الغسل، ثم نستخدم الكافور في الغسلة الأخيرة لتطييب الجسد وشده، ونضع الطيب أثناء التكفين. هذه الطريقة نتبعها دائماً في كل الحالات”، تقول مشيرة.

وتضيف: “هذا العمل خالص لله عز وجل، والأجر منه وحده، لذلك لا تهمني نظرة الناس ولا أشعر بأي خجل، بل أعتبره أمراً عظيماً ومفخرة لي، وألمس احتراماً وتقديراً كبيرين من الناس عندما يعلمون أنني أشارك في تغسيل الموتى”.

من جانبها، ترى الاختصاصية الاجتماعية يسرى الشرجبي أن نظرة المجتمع إلى مهنة مغسلة الموتى تختلف من بيئة إلى أخرى؛ فبينما قد يراها البعض مهنة متواضعة مقارنة بالوظائف المكتبية، فإنها عندما تُقدَّم بوصفها خدمة إنسانية تطوعية تنال قدراً كبيراً من الاحترام والتقدير.

تقول الشرجبي لـ “نسوان فويس”: “هناك مخاوف وأحكام اجتماعية قد تمنع البعض من الارتباط أو الزواج بمغسلة أموات، ولهذا نلاحظ أن أغلب من يمارسن هذا العمل هن من النساء المتزوجات أو كبيرات السن اللواتي اكتسبن الخبرة عبر السنين”.

وتؤكد أن الاحترام الحقيقي ينبع من الداخل، مضيفة: “المغسلة الأمينة والورعة تحظى دائماً باحترام المجتمع ومهابته، بل ويحرص الجميع على اختيارها في تلك اللحظات الحرجة”.

الأمانة فوق الجميع

وخلال سنوات عملها، تقول مشيرة إنها لم تواجه مواقف مخيفة أو غريبة، بل على العكس تماماً، لا تزال تتذكر موقفاً ترك في نفسها أثراً عميقاً أثناء تجهيز إحدى المتوفيات.

وتروي: “توفيت امرأة وهي نائمة، وعندما جئنا لتغسيلها وجدناها مبتسمة ورافعة إصبع السبابة في وضع التشهد، والعجيب أنها كانت ممتلئة الجسم، لكنها كانت خفيفة بشكل لا يصدق، لدرجة أنني والمغسلة الأساسية استطعنا تقليبها وتجهيزها بمفردنا دون عناء، بينما تحتاج حالات مشابهة عادة إلى ثلاث أو أربع نساء. لقد اقشعر جسدي من تلك الروحانية”.

وتشدد مشيرة على أن أهم ما يجب أن تتحلى به مغسلة الموتى هو الأمانة، موضحة أن ذلك يبدأ بستر عورة الميتة بالكامل، وعدم الالتفات إلى ما لا ينبغي النظر إليه، والالتزام المطلق بكتمان الأسرار وعدم الحديث عن خصوصيات المتوفاة.

وفي نهاية المطاف، لا يتعلق هذا العمل فقط بتغسيل جسد غادرته الروح، بل بحفظ كرامة إنسان في لحظاته الأخيرة، وأداء أمانة يراها القائمون عليها عبادة قبل أن تكون مهمة.

تم توليد الصورة عبر الذكاء الاصطناعي بواسطة إداة جمناي 

مقالات أخرى