يسرى عصام – نسوان فويس
“كلما رأيت إعلانًا عن وظيفة أشعر أنني قريبة منها، لكنني أكتشف في النهاية أنني لا أملك المهارات المطلوبة”. بهذه الكلمات بدأت أسماء -27 عامًا – حديثها لـ “نسوان فويس”، وهي تستعرض سنوات من البحث عن عمل بعد تخرجها الجامعي دون جدوى.
تقول أسماء إنها كانت تعتقد أن الحصول على شهادة جامعية كفيل بفتح أبواب الوظائف أمامها، لكنها اصطدمت بواقع مختلف؛ حيث أصبحت معظم فرص العمل تتطلب مهارات رقمية وخبرة في استخدام الحاسوب أو العمل عبر الإنترنت، وهي أمور لم تتاح لها فرصة تعلمها خلال سنوات الدراسة. وتضيف بمرارة: “أشعر أحيانًا أن المشكلة ليست في عدم وجود عمل، بل في أننا لم نُجهز لسوق العمل الحقيقي”.
“عملت لفترة قصيرة في مشروع نسائي صغير، ولاحظت أن أغلب فرص العمل كانت تذهب إلى الأقارب والمعارف بدلاً من الاعتماد على الكفاءة أو الخبرة. أحيانًا تشعرين أن العلاقات أهم من المؤهلات، وأن الفرصة تذهب لمن يعرف شخصًا في المكان المناسب”
شهادات بلا وظائف
لم تكن أسماء وحدها في هذا المأزق. فمع التحول المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد، وجدت آلاف النساء أنفسهن خارج دائرة المنافسة بسبب نقص المهارات التقنية أو ضعف الوصول إلى مسارات التدريب النوعي.
وتوضح أسماء أنها تقدمت لعشرات الوظائف خلال السنوات الماضية، إلا أن معظمها كان يشترط إتقان برامج الحاسوب، أو التسويق الإلكتروني، أو إدارة المحتوى الرقمي.
وتتابع: “في كل مرة كنت أسمع العبارة نفسها: نحتاج خبرة أو مهارات إضافية”.
وأظهر استبيان أجرته منصة “نسوان فويس” شمل 60 فتاة وسيدة أن نسبة 4.8% لا يمتلكن مهارات رقمية كافية تؤهلهن لدخول سوق العمل الحديث، فيما أكدت 44.4% أنهن يمتلكن مهارات رقمية تؤهلهن للعمل، بينما قالت 23.8% إنهن لم يسبق لهن العمل عبر الإنترنت رغم توافر بعض الفرص في هذا المجال.
وأظهر الاستبيان أيضاً أن أبرز أسباب البطالة من وجهة نظر المشاركات تتمثل في قلة فرص العمل المناسبة، إذ قالت 52% إن هناك شحة في فرص العمل، بينما أكدت 19% من المشاركات وجود عوائق اجتماعية للعمل، فيما قالت 17% من المشاركات إن الاعتماد على العلاقات الشخصية في التوظيف يعيق حصولهن على فرص عادلة، بالإضافة إلى ضعف الإنترنت والإمكانات التقنية، ومحدودية المشاريع النسائية في خلق وظائف جديدة.
كما اعتبرت غالبية المشاركات أن التدريب الرقمي يمثل أحد أهم الحلول الممكنة للحد من البطالة وتحسين فرص النساء في الوصول إلى سوق العمل.

المحسوبية والمعارف أولاً
لا ترتبط البطالة الرقمية بنقص المهارات فحسب، بل تمتد إلى آليات الوصول للفرص نفسها؛ حيث تشكل “المحسوبية” عائقاً إضافياً يحرم الكفاءات من البروز.
في فصلٍ آخر من المعاناة، تروي هديل -31 عاماً- تجربتها قائلة: “عملت لفترة قصيرة في مشروع نسائي صغير، ولاحظت أن أغلب فرص العمل كانت تذهب إلى الأقارب والمعارف بدلاً من الاعتماد على الكفاءة أو الخبرة. أحيانًا تشعرين أن العلاقات أهم من المؤهلات، وأن الفرصة تذهب لمن يعرف شخصًا في المكان المناسب”.
وتشير هديل إلى أن كثيرًا من النساء لا يعرفن أصلًا بوجود وظائف شاغرة إلا بعد شغلها، مما يعمّق شعورهن بالإقصاء ويزيد من صعوبة المنافسة العادلة.
هذا الواقع يؤكده الصحفي والخبير الاقتصادي، رشيد الحداد، الذي يرى أن فرص العمل أمام المرأة اليمنية تراجعت بشكل واضح وملموس خلال السنوات الماضية.
ويشير الحداد في حديثه لـ “نسوان فويس” إلى أن “قطاع تشغيل النساء تضرر بشكل أكبر جراء تراجع معدلات الاستثمارات المحلية والخارجية في البلاد، وهو ما حدّ من الخيارات المتاحة أمامهن. ونتيجة لهذا الانكماش، انخرطت الكثير من النساء في العمل عبر الإنترنت كخيار بديل، في حين حصلت أخريات على فرص عمل تقليدية بواسطة أقاربهن ودائرتهم الاجتماعية”.
مشاريع صغيرة.. تأثير محدود
خلال السنوات الأخيرة، انتشرت المشاريع النسائية المنزلية في مجالات متعددة، من صناعة الحلويات إلى الخياطة والتجارة الإلكترونية، إلا أن أثرها على معالجة البطالة الجماعية ما يزال محدودًا.
تقول سناء، صاحبة مشروع منزلي لصناعة الحلويات، إن مشروعها وفر لها مصدر دخل ساعدها على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، لكنه ظل عاجزاً عن التوسع أو استيعاب وتوظيف عاملات أخريات.
وفي هذا السياق، يوضح الصحفي الاقتصادي رشيد الحداد أن معظم المشاريع النسائية الصغيرة تظل محصورة في نطاق ضيق بسبب ضعف التمويل، وغياب الحواضن الاقتصادية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، مما يحد من قدرتها على خلق فرص عمل جديدة ومستدامة.
الحداد: سوق العمل اليوم يشهد طلبًا متزايدًا ومتسارعاً على المهارات الرقمية النوعية؛ مثل التسويق الإلكتروني، إدارة المحتوى، التصميم، وتحليل البيانات، بينما لا تزال كثير من المؤسسات التعليمية والأكاديمية تركز على الجوانب النظرية التقليدية دون توفير تدريب عملي مواكب
الهاتف بدل المكتب
في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، النساء أقل عرضة بنسبة 13% لامتلاك هاتف ذكي، وأقل عرضة بنسبة 12% لاستخدام الإنترنت عبر الهاتف مقارنة بالرجال، مع ذلك تحاول بعض النساء استغلال التكنولوجيا المتاحة بصورة ذاتية لصناعة فرص بديلة، ومواجهة تحديات البنية التحتية المتهالكة في البلاد.
ريم -24 عامًا- بدأت تعلم التسويق الإلكتروني ذاتيًا من خلال مقاطع تعليمية مجانية على الإنترنت بعد فشلها في العثور على وظيفة تقليدية. ورغم المعاناة اليومية مع ضعف شبكة الإنترنت، الارتفاع الباهظ لكلفة الباقات، وانقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر، استطاعت ريم إدارة صفحات تجارية صغيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقابل دخل محدود.
وتقول ريم في حديثها لـ “نسوان فويس”: “الاستمرار في العمل الرقمي وسط هذه الظروف يشبه المعجزة، فضعف الإنترنت والكهرباء يستنزف طاقاتنا ووقتنا. ولو توفرت دورات تدريبية جيدة ودعم حقيقي للبنية التحتية، لاستطاعت آلاف النساء العمل والإنتاج من منازلهن”.
الفجوة بين التعليم وسوق العمل
يرى الحداد أن الأزمة الجوهرية تكمن في وجود فجوة واسعة وجلية بين مخرجات المنظومة التعليمية والمتطلبات الفعلية لسوق العمل الحديث.
ويشير إلى أن سوق العمل اليوم يشهد طلبًا متزايدًا ومتسارعاً على المهارات الرقمية النوعية؛ مثل التسويق الإلكتروني، إدارة المحتوى، التصميم، وتحليل البيانات، بينما لا تزال كثير من المؤسسات التعليمية والأكاديمية تركز على الجوانب النظرية التقليدية دون توفير تدريب عملي مواكب.
ويؤكد الحداد في ختام حديثه أن البطالة النسائية لم تعد مرتبطة فقط بنقص الوظائف، بل بمدى قدرة الباحثات عن العمل على امتلاك الأدوات اللازمة لمواكبة التحولات التقنية المتسارعة.
لا تُعد معاناة الباحثات عن عمل في اليمن حالة استثنائية، بل هي صدى لفجوة رقمية عالمية؛ فوفقاً لتقارير الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) لعام 2025، لا يزال هناك نحو 280 مليون رجل أكثر من النساء متصلين بالإنترنت حول العالم.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن سد الفجوة الرقمية بين الجنسين من شأنه أن يولد 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2030، ويُخرج 30 مليون امرأة من دائرة الفقر بحلول عام 2050.
فرصة تنتظر من يفتح الباب
في الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو الاقتصاد الرقمي والعمل العابر للحدود، تبدو المرأة اليمنية عالقة بين طموحات واسعة وإمكانات ومؤهلات محدودة فرضها الواقع والظروف المحيطة.
وبينما توفر التكنولوجيا طوق نجاة وفرصاً جديدة للتمكين الاقتصادي، فإن الاستفادة الحقيقية منها تظل مشروطة بتجسير الفجوة الرقمية عبر توفير التدريب والمهارات المناسبة، وإرساء بيئة توظيف أكثر عدالة وشفافية؛ فبالنسبة لأسماء وزميلاتها، لا يتعلق الأمر بشحة الفرص فحسب، بل بامتلاك الأدوات والمهارات التي تفتح لهن الأبواب المؤصدة.
تم توليد الصورة عبر الذكاء الاصطناعي بواسطة إداة جمناي

