معلّقات بكلمة.. حين يصبح الطلاق تهديدًا

شارك المقال

خديجة خالد – نسوان فويس

تلاشى الأمل في حياة سمر، البالغة من العمر اثنتين وثلاثين عامًا، وهي تستعيد ذكريات اثني عشر عامًا قضتها في زواج تحول إلى سجن من التهديدات المتكررة بالطلاق. في إحدى قرى محافظة الضالع، حيث كانت تعيش.

لم تكن سمر تتخيل أن زواجها من ابن خالتها سيصبح ساحة معركة نفسية، يستخدم فيها زوجها كلمة الطلاق كسلاح دائم، يشهره في وجهها لأتفه الأسباب، أو حتى لتهديد أبنائها.

بعد عقد ونيف من هذا العيش تحت التهديد، فاض الكيل بسمر. واجهت زوجها، معلنة أنها لن تتحمل المزيد، وأنها ستعود إلى بيت أهلها إذا ما تلفظ بكلمة الطلاق مرة أخرى، كان رده الصادم: “روحي أنتِ طالق”

تروي سمر لـ “نسوان فويس” تفاصيل مريرة عن تلك السنوات، حيث كان زوجها يحلف بالطلاق على كل شاردة وواردة، غير مكترث بمشاعرها أو الأثر المدمر لكلماته؛ لم يكتفِ بذلك، بل امتد تهديده ليشمل أبناءها، فكان يقول لابنها الأكبر الذي لم يتجاوز العاشرة “إذا لم تفعل كذا فأمك طالق”، في محاولة لفرض سيطرته المطلقة.

تختزل سمر حياتها بكلمة واحدة “القيد” إذ كانت محاطة بعبارات مثل: “لو حصل كذا أنتِ طالق، لو عملتي كذا أنتِ طالق”، مما جعلها تعيش في خوف دائم وترقب للكلمة التي قد تنهي حياتها الزوجية في أي لحظة.

بعد عقد ونيف من هذا العيش تحت التهديد، فاض الكيل بسمر. واجهت زوجها، معلنة أنها لن تتحمل المزيد، وأنها ستعود إلى بيت أهلها إذا ما تلفظ بكلمة الطلاق مرة أخرى، كان رده الصادم: “روحي أنتِ طالق”.
تدخلت خالتها على الفور، وسعت لإعادتها في اليوم نفسه عبر الأمين الشرعي.

قبلت سمر العودة، ليس رغبة في استمرار الزواج، بل من أجل أطفالها الخمسة، لم يطل الأمر حتى تجدد الخلاف، وفي لحظة غضب، أطلق زوجها عبارته القاسية: “أنتِ للطلاق يوما ما، كهذا الخروف الذي هو للعيد وسيتم ذبحه”.

كانت هذه الكلمات بمثابة الشرارة التي أشعلت ثورة سمر المكبوتة؛ خرجت عن صمتها الطويل وتحملها الكبير، وردت عليه بجرأة: “أنت لست رجالًا، فالطلاق البائن أوهن من التهديد المستمر”. تطور الموقف إلى عراك حاد، أفرغت فيه سمر كل ما كتمته من ألم وغضب خلال تلك السنوات الطويلة، لينتهي الأمر بالطلاق النهائي الذي لا رجعة فيه.

تؤكد سمر أن قصتها ليست فريدة من نوعها، ففي قريتها والقرى المحيطة، هناك العديد من النساء اللواتي مررن بتجارب مماثلة، حيث أُعيدت بعضهن لأزواجهن أربع وخمس مرات عند أمناء شرعيين مختلفين، مما يثير تساؤلات حول شرعية هذه الزيجات.

وتصف سمر الواقع الاجتماعي قائلة: “منذ أن تخرج الصباح للوادي مرورًا بالحارات وبالمناسبات، تجد الطلاق على لسان كل رجل، منهم من اتخذه يمينًا على لسانه، ومنهم من يهدد زوجته باستمرار”.

تكشف قصة سمر عن واقع اجتماعي مؤلم، حيث تتحول قدسية العلاقة الزوجية إلى أداة للتحكم والتهديد، وتدفع النساء ثمنًا باهظًا في سبيل الحفاظ على أسرهن، وغالبًا ما ينتهي بهن المطاف إلى خسارة كل شيء في صراع غير متكافئ.

ما طر: الرجل الذي يستخدم الطلاق أداةً للهيمنة يفرغ الزواج من معناه الحقيقي القائم على المودة والرحمة والشراكة، ويستبدله بعلاقة تقوم على الأوامر والسيطرة والخوف

الطلاق.. أداة للهيمنة داخل الأسرة

في كثير من الأسر اليمنية لا يُستخدم الطلاق بوصفه نهاية للعلاقة الزوجية فحسب، بل يتحول أحيانًا إلى وسيلة ضغط دائمة تلوّح بها السلطة الذكورية لإجبار المرأة على الامتثال لرغبات الزوج أو الحد من حركتها وقراراتها. ويزداد تأثير هذا التهديد عندما تكون المرأة معتمدة اقتصاديًا على زوجها أو بعيدة عن أسرتها، ما يجعل الخوف من الطلاق عاملًا حاضرًا في تفاصيل حياتها اليومية.

من جانبها المحامية أرحاب ماطر ترى لـ “نسوان فويس” أن؛ بعض الرجال يلجؤون إلى التهديد بالطلاق كوسيلة للسيطرة على النساء، خصوصًا عندما تكون المرأة في وضع هش يجعلها أكثر عرضة للخضوع، كأن تكون غير عاملة وتعتمد اقتصاديًا على زوجها، أو يتيمة، أو تعيش بعيدًا عن أسرتها في محافظة أو منطقة أو دولة أخرى.

وتوضح ماطر أن هذا الأسلوب غالبًا ما يكون أقل تأثيرًا على النساء المستقلات ماديًا أو اللواتي يعشن بالقرب من أسرهن ويحظين بسند اجتماعي.

وتضيف أن الرجل الذي يستخدم الطلاق أداةً للهيمنة يفرغ الزواج من معناه الحقيقي القائم على المودة والرحمة والشراكة، ويستبدله بعلاقة تقوم على الأوامر والسيطرة والخوف.

وبحسب ماطر، فإن استمرار هذا النمط داخل الأسرة لا ينعكس على المرأة وحدها، بل يمتد أثره إلى الأطفال الذين ينشؤون في بيئة تفتقر إلى التوازن والحوار، ما قد ينتج جيلاً ضعيف الشخصية، قليل الثقة بنفسه، وغير قادر على مواجهة تحديات الحياة نتيجة نشأته في ظل سلطة أبوية قائمة على الهيمنة بدلاً من التفاهم والاحترام المتبادل.

حجم الظاهرة
ورغم غياب إحصاءات دقيقة حول حجم الحلف بالطلاق والتهديد به داخل الأسر اليمنية، إلا أن شهادات باحثين اجتماعيين ومحامين وقضاة تشير إلى أن هذه الممارسة لا تزال حاضرة في الحياة اليومية لكثير من الأسر، خصوصًا عند نشوب الخلافات الزوجية.

يؤكد الباحث الاجتماعي صلاح الحقب في حديثه لـ “نسوان فويس” أن الحلف بالطلاق والتهديد به لا يزالان حاضرين في عدد من النزاعات الأسرية، حيث يُستخدمان في كثير من الأحيان كوسيلة للضغط أو للتعبير عن الغضب والانفعال أكثر من كونهما رغبة حقيقية في إنهاء العلاقة الزوجية.

ويرجع الحقب انتشار هذه الممارسة إلى ضعف مهارات الحوار وإدارة الخلافات بين الزوجين، وتأثير بعض العادات الاجتماعية التي تتسامح مع استخدام الطلاق في الحديث اليومي، فضلاً عن الجهل بالآثار النفسية والأسرية المترتبة عليه.

ويشير إلى أن تكرار التهديد بالطلاق ينعكس سلباً على الاستقرار النفسي للزوجين ويخلق حالة من القلق وعدم الأمان داخل الأسرة، كما يمتد أثره إلى الأبناء.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

الطلاق المعلّق

يوضح القاضي علي مثنى الحصيني في حديثه لـ “نسوان فويس” أن الطلاق المعلّق على شرط يُعد من المسائل التي يتوقف الحكم فيها على طبيعة الشرط الذي يضعه الزوج. فإذا كان الشرط مستحيلاً ولا يمكن أن يتحقق في الواقع، فإن الطلاق لا يقع لانتفاء إمكانية تحقق الشرط أصلاً، ومثال ذلك أن يقول الزوج لزوجته: “أنتِ طالق إذا دخلتِ من سَمّ الخياط”، وهو أمر يستحيل وقوعه. أما إذا عُلّق الطلاق على شرط ممكن وقابل للتحقق، فإنه يبقى معلقاً إلى حين وقوع ذلك الفعل، فإذا تحقق الشرط وقع الطلاق تبعاً له.

ويحذر الحصيني من أن لجوء بعض الأزواج إلى استخدام الطلاق المعلّق كوسيلة للتهديد أو المنع أو فرض القيود على الزوجة يخلق إشكالات أسرية وقانونية معقدة، خصوصًا عندما يتم التلفظ بهذه العبارات دون إدراك كامل لما قد يترتب عليها من آثار شرعية وقانونية قد تنتهي بوقوع الطلاق فعليًا.

المحامي أبراهيم: الطلاق المعلّق على شرط يمثل بدوره مصدرًا لإشكالات قانونية، إذ تنشأ خلافات حول تحقق الشرط من عدمه، ما يدفع أطراف النزاع أحياناً إلى اللجوء للمحاكم للفصل في المسألة

الجهل بالأحكام القانونية
رغم أن المادة (65) من قانون الأحوال الشخصية اليمني تنص على أن: “الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه لا يقع إلا إذا قصد أساسًا الطلاق والعبرة بالنية”، إلا أن هذا النص يقف عاجزًا أمام واقع معقد فخلف عبارات الطلاق التي تُقال في لحظات الغضب أو تُستخدم للتهديد اليومي، تكمن تعقيدات قانونية وشرعية لا يدركها كثير من الأزواج.

في هذا الجانب يؤكد المحامي إبراهيم عثمان أن مستوى الوعي بالآثار القانونية والشرعية للطلاق يختلف بين الأزواج، إلا أن الواقع العملي يكشف أن كثيرين يستخدمون الطلاق وسيلة للضغط أو التخويف أثناء الخلافات الأسرية دون إدراك كامل لما قد يترتب على ذلك من نتائج قانونية.

ويوضح عثمان في حديثه لـ “نسوان فويس” أن تكرار ألفاظ الطلاق، خصوصًا إذا صدرت بصيغ صريحة وفي مناسبات متعددة، قد يثير نزاعات حول عدد الطلقات التي وقعت فعليًا وما إذا كانت الزوجة لا تزال في عصمة زوجها أم أن العلاقة الزوجية انتهت شرعًا وقانونًا.

ويضيف عثمان أن الطلاق المعلّق على شرط يمثل بدوره مصدرًا لإشكالات قانونية، إذ تنشأ خلافات حول تحقق الشرط من عدمه، ما يدفع أطراف النزاع أحياناً إلى اللجوء للمحاكم للفصل في المسألة.

وبحسب عثمان، تشهد المحاكم الشرعية قضايا تتعلق بإثبات وقوع الطلاق أو تحديد عدد الطلقات السابقة، خاصة في الحالات التي اعتاد فيها الزوج استخدام ألفاظ الطلاق أثناء المشكلات الأسرية. وفي بعض الوقائع يظهر الخلاف بعد سنوات من الحياة الزوجية، عندما تتباين الروايات بشأن ألفاظ الطلاق التي صدرت سابقاً، الأمر الذي ينعكس على حقوق الزوجة والأبناء وقضايا النفقة والميراث والنسب.

ويحذر عثمان من أن استخدام الطلاق كأداة للتهديد لا يقتصر أثره على زعزعة الاستقرار الأسري، بل قد يخلق تعقيدات قانونية يصعب معالجتها لاحقاً، داعياً الأزواج إلى الاحتكام للحوار ووسائل الإصلاح بدلاً من التلويح المستمر بالطلاق عند كل خلاف.

مقالات أخرى