بشرى الغيلي – نسوان فويس
عكست حقول حجة السندسية الخضراء سحرها وعذوبتها على فناناتها، فنسجنّ أجمل الدرر الفنية التي توارثنها جيلاً بعد جيل، قبل أن يتحولن إلى كريشاتٍ حوصرت بقيود حدّت من مسيرتهن الفنية.
في هذا التقرير تنقل “نسوان فويس” قصصهن الشائكة، وتقترب من أصوات نسائية تحاول النجاة بفنها من العزلة والمنع.
تُخفي أم أفنان (47 عاماً) عودها داخل صندوق خشبي في منزلها الريفي بمديرية بني العوام، وكأنها تواري جُرماً لا آلة موسيقية لصناعة الفرح. تنظر إلى جبال حجة المكتسية بالخضرة والضباب، وتقول بمرارة: “نحن نعيش في أرض خضراء كأنها لا تعرف الحزن، لكننا نحمله في صدورنا كل يوم”.
تبدّل حال الغناء؛ فمن صخب “المسجلات” قديماً إلى هاتف وحيد بشاشة مكسورة، تلتف حوله الفتيات ليختصرن الفرح في حلقة ضيقة، ويخفضن الصوت مع كل وقع خطى. تراقب أم أفنان هذا الحصار وتتحسر: “أشتاق لزمن كان فيه الصوت عادياً، ولم يكن سراً نخاف أن يسمعه أحد”.
مغنية شعبية: رغم الحصار، نصرّ على إحياء تراثنا برقصاتنا وأهازيجنا الأصيلة، واكتفينا بـ’التنكة’ لأن صوتها هادئ ولا يحتاج لمكبرات تفضح أمرنا

أفراح باهتة
قرارات المنع المفاجئة أربكت مسيرة الفنانة أشواق، التي حفرت اسمها بألحان الطبل والأورج في ريف الشرفين، محوّلة استقرارها إلى كابوس مالي مخيف وشعور مرير بالظلم.
تفتح أشواق قلبها لـ”نسوان فويس”، شارحة كيف تحول الفن من لغة للحب إلى مصدر خطر تلاحقه نظرات الترصد، الأمر الذي وأد المساحات الآمنة للإبداع وقطع مصدر رزقها الوحيد.
ولا تتوقف مأساة أشواق عند أزمتها المعيشية، بل تمتد إلى وصف حال المجتمع الذي باتت أفراحه باهتة ومنكسرة، حيث تؤكد: “روح الفرح فقدت حيويتها وتنوعها، وكأن لوناً واحداً سيطر على لوحة الجمال”.
وتختتم حديثها بالمطالبة بحل جذري يعيد “الحرية للفن والفنانين دون قيود أو حصار”، بعيداً عن تضييق طال موروثاً تناقلته الأجيال.
نغم خفي
تقاوم أم ألطاف، وهي فنانة شعبية، قيود المنع في ريف حجة بإحياء طقوس أيام الزفاف و”الوفاء” في خفاء تام، متخذة من إيقاع “التنكة” البسيط وسيلة للهروب من أعين الرقباء.
تروي لـ”نسوان فويس” إصرارها على حماية الموروث قائلة: “رغم الحصار، نصرّ على إحياء تراثنا برقصاتنا وأهازيجنا الأصيلة، واكتفينا بـ ‘التنكة’ لأن صوتها هادئ ولا يحتاج لمكبرات تفضح أمرنا”.
لكن هذا الصمود يصطدم بواقع معيشي قاسٍ؛ فالفنانة التقليدية التي كانت عماد الأعراس باتت تواجه ندرة الطلب وعزوف الجيل الجديد الذي يميل إلى الآلات الحديثة، الممنوعة هي الأخرى، ما جعل لقمة العيش غاية بعيدة المنال.
في هذا السياق تصف أم ألطاف مأساتها بالقول:” أصبحت لقمة العيش صعبة جداً؛ فالشابات يفضلن الآلات الموسيقية التي شملها المنع هي الأخرى، لنبقى نحن وفننا في مواجهة الحاجة والنسيان”.

عنف رمزي
تروي الأخصائية الاجتماعية أسماء محمد، في حديثها لـ”نسوان فويس”، أن الفن في اليمن يواجه إشكالية متجذرة بشكل غير منطقي، موضحة أن هذا الواقع يفرض على الفنانة صراعاً مركباً بين تأمين لقمة العيش ومواجهة الوصمة التي تنتقص من قيمتها الإنسانية، في ظل بنية ذكورية قيّدت المرأة بقيود صارمة.
وتشير أسماء إلى المفارقة المؤلمة حين يمارس عنفاً رمزياً قاتلاً بحق إبداع متصل بالحياة، محولاً الفن إلى عبء ثقيل يتضاعف أثره على المرأة تحديداً، بدلاً من كونه لغة للفرح والإبداع.
“ما يكسر الخاطر أكثر هو تحريض بعض نساء المنطقة ضد الفنانات، والإبلاغ عن أي فنانة تحيي فرحاً بسيطاً في المنازل، ليصبح الخوف من الرجال والنساء على حد سواء”
دوائر ضيقة
أما الفنانة جوهرة أحمد (33 عاماً)، فتقول لـ”نسوان فويس” إنها ملتزمة بالتعميمات الرسمية التي قيّدت حضور الفنانات في أعراس محافظة حجة، مشيرة إلى أن أغلب الحفلات أصبحت تُقام بشكل شبه سري أو ضمن دوائر ضيقة ومحدودة.
وتصف جوهرة هذا الواقع الجديد بالثقيل، إذ ألقى بظلاله على نفسيتها ونفسية زميلاتها، وأثر بشكل مباشر على روح الإبداع والعفوية التي يفترض أن يحملها الفن، محولاً مساحات الفرح إلى دوائر حذرة تخنق المبدعات وصوتهن الأصيل.
وتشاركها الرأي صباح حام (44 عاماً) من ريف قفل شمر، مؤكدة أن الموسيقى باتت “شبه محرمة حتى داخل البيوت”، بعدما حلت الزوامل السياسية مكان الأغاني ومساحات الفرح.
وتبدي صباح قلقها العميق من اندثار ألحان وأغاني المرأة التراثية في حجة، متسائلة بحسرة: “كيف نحمي تراثنا والغناء في نظرهم ذنب؟”.
و تعبّر صباح عن ألمها من النظرة القاسية التي تصف الفنانات بـ”الميوعة”، وكأن صوت الأنثى المجسد للتراث والأناقة أصبح خطيئة. مضيفة:” ما يكسر الخاطر أكثر هو تحريض بعض نساء المنطقة ضد الفنانات، والإبلاغ عن أي فنانة تحيي فرحاً بسيطاً في المنازل، ليصبح الخوف من الرجال والنساء على حد سواء”.
وتختتم حديثها بمرارة: “رغم أن الفن معلّم للذوق والمحبة والتراث، إلا أن التردي اليوم هو سيد الموقف”.
ولم يعد هذا المنع مجرد حالات فردية، بل تحوّل إلى قمع تثبته وثائق مجتمعية موقعة تفرض عقوبات تعسفية على من يستدعي الفنانات، ليتحول الأمر إلى عُرف جائر وموثق يقوم على الإساءة للفنانات وتحريم عملهن في المناسبات.
مرآة لذواتنا
تصف سلمى جابر (30 عاماً) من ريف حيران، في حديثها لـ”نسوان فويس”، أغاني المرأة الريفية بأنها “مرآة لذواتنا”، وصوت يفصح عما تعجز عنه الكلمات في ظل الصمت المفروض.
وتوضح سلمى أن الغناء يمثل ملاذاً للتعبير عن المعاناة والظلم، خصوصاً ما تعيشه الفتاة من ضغوط اجتماعية، حيث تصدح الفنانات بما يثقل صدورهن من حنين أو ألم، حياءً أو خشية من العيب الذي يمنعهن من التصريح بأوجاعهن.
وتؤكد أن هذه الأنغام ليست ترفاً، بل مستمدة من تفاصيل البيئة كوميض البرق وأنوار الصباح، حيث كانت الطبيعة دوماً مصدر إلهام دائم يترجم مشاعر المرأة في حجة وغيرها من المحافظات.
كما تشير إلى أن الغناء جزء لا يتجزأ من رحلة العمل اليومي في الطحن والزراعة، حيث تتنوع الإيقاعات بتنوع أوقات اليوم، لتصبح عند غروب الشمس أكثر شجناً وعمقاً، وتهمس بحكايات القلوب المختزنة بالحنين.
وتختتم حديثها بالقول: “ذلك هو صوتنا.. وتلك هي حكايتنا”.
الهوية تقاوم
تصف الفنانة خلود الشمري (34 عاماً) حالة الفصام المجتمعي التي تعيشها الفنانات في حجة، حيث “يعشق المجتمع أصواتنا في الغرف المغلقة ويتبرأ من أسمائنا في العلن”.
وتقول خلود لـ”نسوان فويس” إن الفن هو “الرئة الوحيدة التي تتنفس منها منطقتنا المكتومة”، معبرة عن وجعها من مفارقة التعامل معها كصانعة فرح في الليالي، وكخطيئة تمشي على الأرض في الصباحات.
ورغم محاولات الإقصاء، تؤكد تمسكها بمكانها، لأن الفن في نظرها ليس تهمة، بل “هويتنا التي ترفض الاستسلام”، على حد تعبيرها.

نافذة للنجاة
عندما تُسد الأبواب وتُفرض القيود، يتحوّل الفن لدى الفنانة فاطمة شملان إلى “نافذة وحيدة للنجاة”.
فاطمة تؤكد لـ”نسوان فويس” أن غناءهن في مجالس النساء يتجاوز كونه ترفاً؛ فهو رسائل لتمرير الأوجاع المكتومة وتفاصيل الواقع الذي لا يجرؤ أحد على الحديث عنه بصوت عالٍ.
وتصف الأغنية الشعبية بأنها “لغتنا السامية”، وطريقتهن الذكية لكسر العزلة ولملمة الجراح وإيصال صوتهن من خلف الجدران، معتبرة أن الفن مساحة حرة لا يمكن مصادرتها مهما اشتدت القيود.
المعلمة مجلي:” أضطر لإسكات الأصوات الشجية والمواهب الشابة امتثالاً للتعميمات، وهذا الإجراء بصراحة يغتال شغفهن المبدع”
ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
صرامة التوجيه
ينتقل صراع الفن إلى أروقة التعليم، حيث تتجسّد الفجوة بين القيود المفروضة والواقع التربوي للطالبات.
وتعبّر مديرة ثانوية أروى بمدينة حجة، خديجة شرف الدين، في حديثها لـ”نسوان فويس”، عن وجهة نظر ترى في بعض الأنشطة الفنية “تحديات ثقافية” قد تؤثر على مسار بناء الهوية لدى الفتيات، مؤكدة ضرورة توجيه الجهود نحو تعزيز الوعي القيمي الذي يسهم في بناء جيل مدرك لقضايا الأمة، بدلاً من الانخراط في أنشطة تراها تشتيتاً للهوية والروح الواعية، حسب تعبيرها.
وفي الجهة المقابلة، تنقل المعلمة أمة السلام مجلي لـ”نسوان فويس” مشهداً يملؤه الوجع، حيث تقول:” أضطر لإسكات الأصوات الشجية والمواهب الشابة امتثالاً للتعميمات، وهذا الإجراء بصراحة “يغتال شغفهن المبدع”.
وترى أمة السلام أن المدرسة، التي كانت يوماً حاضنة للإبداع، باتت تمارس ضغطاً يحرم الموهوبات من متنفسهن الوحيد، ما يؤدي إلى هدر طاقات عظيمة كان يمكن أن تصنع مستقبلاً ثقافياً مشرقاً.
المنع جريمة
تؤكد القاضية بمحكمة صنعاء الجديدة، زينب زبيبة، أن الإبداع الفني حق مكفول دستوريا.
تجريم المباح
وفي تصريح خاص لـ”نسوان فويس”، عبر خدمة الجمهور بوزارة الشؤون القانونية والعمل، جرى التأكيد على أن ممارسة الفن حق دستوري مكفول بالقانون والتشريعات النافذة.
وأوضحت الوزارة أن منع الفنانات يمثل “تجريماً للمباح” وفق المادة الثانية من قانون العقوبات، واعتداءً باطلاً على حرية المهنة، حيث يُصنف رسمياً كـ “تعسف بالسلطة” وفق المادة (165)، ومجتمعياً كـ “منع عمدي من ممارسة عمل مشروع” وفق المادة (321).
وأكدت الوزارة أن ترهيب الفنانات أو قطع أرزاقهن فعل يوجب المساءلة الجنائية والتعويض، باعتبار الحريات المهنية حقوقاً أصيلة لا تقبل المصادرة أو التجاوز.
انحسار فني
في ظل غياب إحصائيات رسمية ترصد حجم التراجع الفني الناتج عن الانتقال القسري للنشاط الموسيقي إلى الفضاءات الخاصة والسرية، تشير الأبحاث والتوثيقات الميدانية إلى واقع يهدد باندثار هذا الموروث.
ويسلط تقرير صادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بعنوان “الموسيقى في اليمن: “أثر الحرب على التراث الثقافي غير المادي ” في ظل القيود المتزايدة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الفني الشعبي وتدهور الوضع المعيشي للعاملين فيه.
ومن جانب آخر، ترصد تقارير منظمة “مواطنة” لحقوق الإنسان، المعنية بالحريات المدنية، حوادث التضييق الميداني التي طالت قاعات المناسبات، بما يعكس انكماشاً حاداً في الحريات الثقافية والاجتماعية.
ويؤكد هذا التوثيق الحقوقي أن فنانات حجة الشعبيات يواجهن تحديات وجودية تتجاوز لقمة العيش إلى محاولات محو ذاكرة فنية تشكلت عبر عقود، ما يجعل التحرك لحماية هذا الإرث ضرورة ثقافية ملحّة.
تم توليد الصورة عبر الذكاء الاصطناعي بواسطة إداة جمناي

