خارج كواليس السلطة.. صباح راجح: حين لا تكفي المناصب لصناعة القرار

شارك المقال

نسوان فويس – سميرة عبد اللطيف

“لم يعد السؤال اليوم كم عدد النساء في المناصب؟ بل كم امرأة تشارك فعلياً في صناعة القرار؟” بهذه العبارة تضع صباح راجح يدها على واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحاً في واقع العمل النسوي في اليمن، حيث يتسع الحضور الشكلي مقابل تراجع القدرة على التأثير.

في تعز، المدينة التي تعيش على إيقاع الأزمات ومحاولات التعافي، برزت راجح كواحدة من الأصوات النسوية التي تسعى لإعادة تعريف دور المرأة في الوظيفة العامة، مؤكدة: “نحن لا نبحث عن تمثيل شكلي داخل مؤسسات ضعيفة، بل عن دور حقيقي ينعكس على السياسات وحياة الناس”.

كنت أشعر برهبة شديدة لأنني كنت أول سيدة تعمل في الطباعة هناك. أتذكر وقتها كلمات الإحباط: “لماذا تتعبين نفسك؟ تزوجي كبقية البنات”

البدايات الأولى بين الحلم والرهبة 

لم يكن مسار صباح مفروشًا بالورود، فذاكرتها لا تزال تحتفظ بتلك اللحظة المفصلية عند دخولها مبنى المحافظة لأول مرة. 

تقول: “كنت أشعر برهبة شديدة لأنني كنت أول سيدة تعمل في الطباعة هناك. أتذكر وقتها كلمات الإحباط: “لماذا تتعبين نفسك؟ تزوجي كبقية البنات”.

 لكن إرادتها كانت أقوى من تلك القوالب الجاهزة، فقررت أن تبدأ من تلك الوظيفة البسيطة لتصنع لنفسها رقمًا ومكانة، وهي اليوم تقف أمام تلك الذكرى برضا تام عما حققته.

تلك التجربة كانت الوقود لمسيرة امتدت لأكثر من خمسة وعشرين عامًا في العمل المدني، وخمسة عشر عامًا في العمل الحكومي، شغلت خلالها مواقع قيادية في المؤتمر الشعبي العام، ورئاسة القطاع النسائي في تعز، وصولًا إلى إدارة جهاز محو الأمية بالمحافظة.

أسهمت راجح في تأسيس إدارة تنمية المرأة، كما عملت في قضايا الحماية، وتابعت ملفات المرأة والطفل بالتنسيق مع الجهات الأمنية والقضائية، بما في ذلك الإشراف على دور إيواء الناجيات من العنف.

وتروي (ع .أ)، لـ “نسوان فويس” وهي إحدى النساء اللواتي تلقين دعماً من الاتحاد بعد تعرضها للعنف الأسري: “كنت أتعرض للضرب بشكل مستمر من زوجي، وفي آخر مرة خرجت من البيت وأنا مصابة وما معي مكان أروح له. ناس كثير دلّوني على صباح”. 

تقول المرأة إن راجح لم تتعامل معها كضحية بل استقبلتني، وسمعت وساعدتني أطلع التقارير وأتابع قضيتي، وحتى من مالها كانت تساعدني. “لأول مرة حسّيت إني مش وحدي”.

سيدة أخرى تروي، وهي أم لطفلة تعرضت للتحرش، كيف تغيرت حياتها خلال أيام قليلة “بعد اللي حصل لبنتي، حسّيت إن الدنيا كلها انهارت فوق رأسي. زوجي طلقني، وما كان معي حتى حق المواصلات عشان أتابع القضية”.

وتضيف، رحت الاتحاد وأنا منهارة، وهناك التقيت صباح راجح. أول ما شرحت لها اللي حصل، تحركت معي مباشرة، وساعدتنا نطلع التقارير وتتابع القضية. “وجودها معنا رجّع لي شيئًا من القوة “.

راجح: “العمل النسوي اليوم يواجه تحدياً مزدوجاً: ضعف الإمكانيات من جهة، والحاجة إلى التأثير في القرار من جهة أخرى”، مضيفة: “ما نطمح إليه اليوم هو أن نكون حيث تُصنع القرارات، لا فقط حيث يتم تنفيذها.”

فخ الألقاب

رغم هذا الرصيد، تدرك راجح أن العبرة ليست في المسمى الوظيفي. تقول: “التجربة علمتني أن المنصب ليس نهاية الطريق، بل قد يكون أحياناً مجرد عنوان بلا تأثير إذا لم يرتبط بصلاحيات حقيقية”. 

وترى راجح أن “العمل النسوي اليوم يواجه تحديًا مزدوجًا: ضعف الإمكانيات من جهة، والحاجة إلى التأثير في القرار من جهة أخرى”، مضيفة: “ما نطمح إليه اليوم هو أن نكون حيث تُصنع القرارات، لا فقط حيث يتم تنفيذها.” 

من أروقة السياسة إلى وجع الميدان

في العمل المدني، تتولى صباح مهام القائم بأعمال رئيسة اتحاد نساء اليمن – فرع تعز، حيث تقود حراكاً يركز على حماية النساء، وتقديم الدعم القانوني والنفسي، إلى جانب التدريب وبناء القدرات وتعزيز أدوات المناصرة.

هناك، لم يعد العمل مجرد “وظيفة”، بل صار جزءاً من كيانها. تستذكر موقفاً مؤلماً حين ساعدت في إعادة فتاة قاصرة لأسرتها بعد تعرضها للابتزاز: تقول بصوت يختلط فيه قلق الأمومة وأمل النجاة: “رؤية دموع والدها وهو يحتضنها جعلتني أشعر بغصة في قلبي؛ فأنا أم وأدرك معنى أن تستعيد روحك. في تلك اللحظة، أيقنت أن دوري يتجاوز المكاتب المغلقة”.

أحياناً، يدفعها الضغط وقصص المعنفات المؤلمة إلى حافة الإنهاك الجسدي، لكنها تستمد قوتها من رؤية النساء وهن يخرجن من الاتحاد أكثر قوة وقدرة على انتزاع حقوقهن.

لم تكتفِ راجح بالجانب الحقوقي، بل اقتحمت ملفات “السياسة العليا” بمشاركتها في فرق الوساطة المحلية ومشاورات تعز منذ عام 2020، مقدمةً أوراقاً حول دور المرأة في النزاعات وفق القرارات الأممية ذات الصلة.

الرهان على الوعي والقانون

تواصل صباح راجح مسارها الأكاديمي عبر إعداد رسالة ماجستير في القانون الدولي الخاص بجامعة تعز، تبحث في تطبيق اتفاقية (سيداو)، في محاولة جادة لربط العمل الميداني بالإطار التشريعي.

بين واقع يصفه البعض بـ الصوري ومحاولات دؤوبة لتجاوزه، تعكس تجربة صباح راجح تحولاً في الخطاب النسوي في اليمن؛ من المطالبة بالحضور داخل المؤسسات، إلى السعي لامتلاك أدوات التأثير الحقيقية. ففي بيئة تتآكل فيها الصلاحيات، لم يعد الرهان على الموقع، بل على القدرة على الفعل وصناعة التغيير.

مقالات اخرى