فردوس الكاملي – نسوان فويس
“حين تسقط الرهانات السياسية، ويدرك الجالسون إلى طاولات تبادل الأسرى أنهم لا يحملون مجرد أسماء أو ملفات تفاوض، بل معاناة أسر كاملة أنهكها الانتظار، ربما فقط عندها تقترب هذه المأساة من نهايتها” بهذه الكلمات المثقلة بالألم بدأت أروى فضل، عضو رابطة أمهات المختطفين وزوجة المخفي قسرًا عادل حداد منذ العام 2016، حديثها لـ” نسوان فويس”. و بصوت فقد كل شيء تقريباً، ما عدا وجع الانتظار.
تستعيد أروى لحظة اعتقال زوجها، حين خرج كعادته لاستلام راتبه كأي موظف حكومي، لكنه وجد نفسه فجأة محاصراً من قبل مسلحين مجهولي الهوية أطلقوا الرصاص على الحافلة التي كان يستقلها، قبل أن يقتادوه مع الباص إلى جهة مجهولة، بحسب ما رواه لها أحد أصدقاء زوجها الذين شهدوا الواقعة.
زوجة الحداد: بعد ثلاثة أشهر أخبروني أن عادل محتجز في سجن المنصورة المركزي، حينها ذهبت وأنا أحمل فرحة الدنيا كلها فقط لأنني عرفت أنه ما يزال حياً، وأنه سيكون بإمكاني رؤيته والاطمئنان عليه، لكن صدمتي كانت كبيرة عندما أخبروني أنه لا يوجد أي سجل باسمه في السجن

ملح وذاب
اختفى أي أثر لـ عادل على مدى ثلاث ساعات، قبل أن تتلقى العائلة معلومات تفيد بأنه محتجز في نقطة أمنية بمنطقة الشيخ عثمان للتحقيق معه، إلا أن تلك الساعات الثلاث تحوّلت إلى ثلاثة أشهر كاملة من الغياب التام، لم تعرف خلالها أسرته أي شيء عنه.
وخلال تلك الفترة، تقول أروى إنها تعرضت للابتزاز والإهانات والكلمات النابية وهي تحاول البحث عن زوجها ووالد أطفالها، بينما كان أطفالها يطرحون عليها سؤالاً واحداً يتكرر كل يوم: “متى سيعود أبي إلينا؟”، وهو سؤال تصفه بأنه كان يسكب في قلبها سيلاً لا ينتهي من الحزن.
وتتساءل أروى: “من سيجيبهم عن هذا السؤال بعد عشر سنوات من الإخفاء القسري؟”.
وتواصل حديثها: “بعد ثلاثة أشهر أخبروني أن عادل محتجز في سجن المنصورة المركزي، حينها ذهبت وأنا أحمل فرحة الدنيا كلها فقط لأنني عرفت أنه ما يزال حياً، وأنه سيكون بإمكاني رؤيته والاطمئنان عليه، لكن صدمتي كانت كبيرة عندما أخبروني أنه لا يوجد أي سجل باسمه في السجن. عدت بخيبة أمل وحسرة لا تُحتمل، وكأنهم يستكثرون علينا حتى معرفة مصيره”.
وتضيف أروى: “مرت السنوات، وفي كل مناسبة نتذكر حنانه ولمّته لعائلتنا وعائلة أبيه وإخوته. في كل مائدة إفطار نستعيد ضحكاته العالية ولعبه مع الأطفال، وحتى وجباته المفضلة لم أعد أُعدها لأنها توقظ فينا الحزن”.
وتتابع: “كان أطفالي معتادين أن يُعد لهم الفطور صباح العيد، وأن يذهبوا مع والدهم إلى بيت جدهم، لكن تلك الذكريات أصبحت اليوم ثقيلة، وكأنها تنكأ جرحاً لم يلتئم في صدورنا”.
وتقول أروى إنها حين ترى دموع أطفالها تخبرهم دائماً: “أبوكم لو عرف بحالتكم سيزداد عذابه”.
ثم تتساءل بحرقة: “هل يدرك السجّان كم ذرفنا من دموع؟ وكم حُرمنا من أبسط حقوقنا في معرفة مصيره؟”.

ظروف الاعتقال
لا تقتصر هذه المأساة على حالة عادل وحده، بل تمتد إلى عشرات المعتقلين في مختلف المحافظات اليمنية.
ومن بين هؤلاء المحامي عبد المجيد صبرة، الذي اعتُقل من قبل بصنعاء، بلا دليل إدانة أو مسوغ قانون، إلا لشيء سوى لأنه كان يترافع عن أسر المخفيين والمعتقلين أمام القضاء، محاولاً مساعدتهم في انتزاع الحد الأدنى من حقوقهم، في وقت لم تكن تملك فيه تلك الأسر القدرة حتى على توكيل محامٍ يدافع عنها.
تقول أسماء صبرة، ابنة المعتقل في حديث لـ “نسوان فويس”: “لم نكن نعلم أين كان أبي لمدة تجاوزت ثلاثة أشهر، منذ مداهمة منزلنا من قبل قوات الأمن في صنعاء واقتياده إلى جهة مجهولة، ولم نعرف عنه شيئاً، ولا حتى التهمة الموجهة إليه، رغم محاولاتنا مع نقابة المحامين للبحث عنه، حتى تم إبلاغنا لاحقاً بمكان احتجازه”.
من جهته يؤكد المحامي عمار ياسين في حديث لـ” نسوان فويس” أن أغلب معتقلي الرأي يتم إخفاؤهم لفترات تصل إلى ثلاثة أشهر دون أي مسوغ قانوني، ودون أن تعرف أسرهم أو محاموهم أي معلومات عنهم، في مخالفة صريحة للدستور والقانون وحتى للشريعة الإسلامية.
أسماء صبره: في الزيارة الثانية كانت حالة أبي الصحية قد ساءت بشكل صادم، رغم محاولته إخفاء ذلك عنا، لاحظت وجود جرح في ذقنه، وعندما سألته أخبرني أنه انزلق في الحمام بسبب عدم وجود أحذية وكثرة السجناء، وكنا نتحدث معه عبر الهاتف، ولم يسمحوا لنا إلا مرة واحدة فقط بمصافحته قبل مغادرتنا

وضع لا إنساني
وتروي أسماء تفاصيل أول زيارة لوالدها داخل المعتقل قائلة: “كانت أمي يومها شبه منهارة، وكنا جميعاً في حالة خوف وتوتر، نتساءل كيف سنجده وبأي حال سيكون، لم يسمحوا لنا برؤيته إلا من خلف شباك حديدي صغير، كنا لحظتها نبكي جميعاً، إذ لم نتوقع أن نجد أبي في هذا المكان. حاولنا قبل الزيارة أن نبدو أقوياء أمامه، لكن بمجرد أن رأيناه خلف القضبان شعرنا وكأن الدنيا أغلقت أبوابها في وجوهنا”.
وتضيف: “حاول أبي أن يبدو متماسكاً خلال الزيارة الأولى، وسمحوا لنا بإدخال بعض الملابس له، لكنهم منعونا من إدخال الطعام، وطلبوا منا أن نوفر له بعض الأدوية، رغم أنه لم يكن يعاني من أي أمراض قبل دخوله المعتقل”.
وتتابع أسماء: “في الزيارة الثانية كانت حالة أبي الصحية قد ساءت بشكل صادم، رغم محاولته إخفاء ذلك عنا، لاحظت وجود جرح في ذقنه، وعندما سألته أخبرني أنه انزلق في الحمام بسبب عدم وجود أحذية وكثرة السجناء، وكنا نتحدث معه عبر الهاتف، ولم يسمحوا لنا إلا مرة واحدة فقط بمصافحته قبل مغادرتنا”.
وتقول: “لم أستطع التوقف عن البكاء بعد تلك الزيارة. أبي كان منهاراً تماماً، وقد دخل في إضراب عن الطعام للمطالبة بإحالة ملفه إلى النيابة، لكن ذلك لم يحدث”.
وحتى لحظة نشر التقرير، لم تتمكن نقابة المحامين أو أي جهة أخرى من ضمان إحالته إلى النيابة.
في السياق يوضح المحامي ياسين إلى أن القانون اليمني لا يمنح أجهزة الضبط الحق في احتجاز أي متهم لأكثر من 24 ساعة دون إحالته إلى النيابة والمحاكمة.
وتقول أسماء إن أسرتها حُرمت حتى من أبسط الحقوق القانونية، مثل معرفة مكان الاعتقال، أو الجلوس مع والدها بحرية، أو إدخال احتياجاته الأساسية.

محاكمات صورية
ينص قانون الإجراءات الجزائية اليمني، خصوصاً المادة (48 ) والمواد من ( 3) إلى (15)، على مجموعة من الحقوق الأساسية للمعتقلين، من بينها حظر التعذيب، وحق عرض المتهم على النيابة خلال 24 ساعة، وحقه في التواصل مع أسرته ومحاميه، إضافة إلى حقه في الاطلاع على ملف القضية والدفاع عن نفسه أمام القضاء.
لكن المحامي عمار ياسين يقول إن الواقع مختلف تماماً، إذ تجاوزت أجهزة الضبط في كثير من الحالات صلاحيات الجهات القضائية المخولة قانونًا بالاعتقال والتحقيق.
ويضيف أن المحاكمات في كثير من هذه القضايا تبدو “هزلية”، وتفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير القانونية والدستورية، حيث يُحرم المعتقل من حقوق أساسية، مثل تقديم مرافعته، أو الحصول على نسخة من ملف القضية، أو مناقشة طلبات الإفراج، بل وحتى مقابلة محاميه في بعض الأحيان.
ويؤكد ياسين أن القوانين في مختلف دول العالم تتيح للمتضررين رفع دعاوى تعويض ضد أجهزة الضبط في حال ثبوت وجود تجاوزات أو اعتقال تعسفي، إلا أن المواطنين في اليمن اليوم يُحرمون حتى من حق المطالبة بجبر الضرر.
تبادل مؤجل
وفي المقابل، تواصل أسر المعتقلين والمخفيين ترقب أي تقدم في ملف تبادل الأسرى، منذ آخر صفقة تبادل بين الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في ديسمبر/كانون أول 2018.
ومع تعثر تنفيذ الاتفاقات الأخيرة التي جرى التوصل إليها في ديسمبر/كانون أول 2025 وسط تبادل الاتهامات بين طرفي التفاوض، طالبت رابطة أمهات المختطفين الأمم المتحدة والجهات الراعية للمفاوضات بممارسة مزيد من الضغط لإنجاز هذا الملف، باعتباره قضية إنسانية قبل أن يكون ملفاً سياسياً.
وكان المبعوث الأممي إلى اليمن قد أشار في آخر إحاطة له إلى المفاوضات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان برعاية أممية، مؤكداً ضرورة تقديم أطراف الصراع “تنازلات إضافية” للوصول إلى نتائج إيجابية في ملف الإفراج عن المعتقلين.
وتقول أمة السلام الحاج، رئيسة رابطة أمهات المختطفين، في حديث لـ “نسوان فويس” إن الحديث عن معاناة أسر المعتقلين والمخفيين يطول، إذ قد تُحرم بعض الأسر من زيارة ذويها لفترات طويلة، كما تواجه صعوبات هائلة في التنقل بين المحافظات بسبب نقاط التفتيش والألغام وكلفة السفر المرتفعة، خصوصاً عندما يكون المعتقل هو المعيل الوحيد للأسرة.
وتوضح الحاج أن الرابطة، بالتعاون مع بعض المنظمات الحقوقية، تحاول تقديم الحد الأدنى من الدعم النفسي والقانوني والمادي لأسر المخفيين، في ظل غياب أي دعم حكومي حقيقي منذ سنوات، إلى جانب توثيق الانتهاكات والأضرار التي تعرضت لها تلك الأسر.
وتشير إلى أن الرابطة تعمل في ظروف معقدة وقاسية نتيجة انقسام البلاد وشح الموارد، ما اضطر كثيراً من أعضائها للعمل بصورة تطوعية، فضلاً عن تعرض بعضهم للملاحقة والاعتقال.
ورغم الجهود التي بذلتها الرابطة ومعاناة الأمهات والزوجات والأخوات وبنات المختطفين، فإنها ما تزال عاجزة عن الوصول إلى جميع الأسر، بسبب ضعف الوعي القانوني لدى بعض العائلات بأهمية توثيق حالات الاعتقال والإخفاء، خصوصاً في حال وجود أي مرحلة مستقبلية قد تُفتح فيها ملفات جبر الضرر واستعادة الحقوق.

