إكرام فرج – نسوان فويس
في إحدى زاويا منزلها الحضرمي، تمسك الستينية أم أسعد، يد حفيدتها الصغيرة، تحركها بخفة وهي تدندن بلحن “الزفين”. تصف لنا المشهد قائلة: “في كل زواج أو لمّة أهل، نحاول غرس هذه الحركات في بناتنا.. نخاف أن يضيع ما تركه الأجداد وسط دوامة الأغاني الدخيلة”.
لكن “الزفين” الذي تشرحه أم أسعد لم يعد كما كان، فـ الحجل -الخلخال الثقيل- الذي كان يضبط إيقاع الأقدام قديمًا، استُبعد اليوم ليحل محله رقص صامت بلا رنين، في إشارة رمزية إلى ما يواجهه التراث النسائي في حضرموت من انحسار خلف جدران “الخصوصية” المفرطة.
بين الذاكرة الشفوية وسطوة العرف
لم تكن المرأة الحضرمية يومًا مجرد مشاهد في المشهد الثقافي، بل كانت الحامل الرئيسي للذاكرة الشفوية. غير أن هذا الحضور التاريخي يواجه اليوم تحديات لم يسبق لها مثيل.
توضح الباحثة في التراث الحضرمي، ريم النهدي، أن بعض الرقصات مثل “الدحيفة” أصبحت اليوم محاصرة بنظرة مجتمعية سلبية، خاصة إذا اتسمت بطابع مختلط.
وتضيف النهدي لـ “نسوان فويس”: “هذه النظرة ساهمت في عزوف النساء عن الاستمرار، بل وأضعفت انتقال هذا التراث للأجيال الجديدة، في ظل غياب تام للمبادرات المؤسسية التي توثق الفنون النسوية وتصونها”.

الفن في زمن الحرب
من جانبه، يرى الخبير الثقافي محمد باعيسى أن الرقص الشعبي في حضرموت ليس مجرد ترفيه، بل هو “حالة وجودية”.
يشرح باعيسى لـ “نسوان فويس” أن أنماطًا مثل “الدان”، و”الزربادي”، و”لعبة الغيّة” تمنح الإنسان طاقة استثنائية تجرده من سكونه وتلحقه بنشوة السعادة.
لكنه يحذر من أن الحرب والأزمات الاقتصادية جعلت المجتمع ينظر لهذه الفنون كنوع من “الترف” غير الضروري.
ويضيف: “الانفتاح الثقافي غير المدروس جعل الشباب أقل ارتباطاً بتراثهم المحلي، وهنا يأتي دور المؤسسات الثقافية والتعليمية لإعادة تقديم هذا الإرث بأساليب إبداعية تناسب العصر”.
وفي سياق التحولات التي يشهدها المجتمع، يظل الرقص الشعبي في حضرموت أداة حيوية للحفاظ على الذاكرة الجماعية، إذ يسهم في نقل القيم والعادات من جيل إلى آخر بطريقة حية وتفاعلية.
يؤكد الثقافي محمد باعيسى أنه على الرغم من التحديات التي فرضتها الحداثة وتغير أنماط الحياة، إلا أنه لا يزال هذا الفن يحافظ على مكانته، مستنداً إلى ارتباطه العميق بالوجدان الشعبي كما يشكل استمراره دليلاً على قدرة المجتمع الحضرمي على التكيف، دون التفريط في موروثه الثقافي، ما يجعله أحد أهم روافد الهوية التي تقاوم الاندثار.

معركة البقاء
يشكل هذا الفن وسيلة للتعبير عن الفرح والانتماء ويبرز في مختلف المناسبات، من الأعراس إلى الاحتفالات الدينية والوطنية، ما يعزز حضوره كجزء أصيل من النسيج المجتمعي.
ورغم الغياب المؤسسي، لا تزال الروح الحضرمية تقاوم الاندثار في المناسبات الضيقة. فبينما تتغير أنماط الحياة، يظل الجوهر محافظًا على أصالته في جلسات النساء الخاصة، حيث تُنقل المهارات من الجدة إلى الحفيدة بشكل غير رسمي.
كما تواجه الرقصات الشعبية اليوم تحديات حقيقية تهدد باندثارها نتيجة عوامل متعددة، من بينها التغيرات الاجتماعية وضعف الدعم المؤسسي وتراجع الممارسة المجتمعية.
ويرى باعيسى أن المؤسسات الثقافية يمكن أن تلعب دور محوري في إنقاذ هذا التراث، من خلال توثيقه وتقديمه بأساليب إبداعية تتناسب مع الجيل الجديد، سواء عبر المنصات الرقمية أو الفعاليات الميدانية.
كما يمكن للمدارس بحسبه أن تسهم في هذا الجانب عبر إدخال الفنون الشعبية في الأنشطة الطلابية، ما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بهويتهم الثقافية، بحسب باعيسى.
تختتم النهدي حديثها بالتأكيد على أن التراث يمكن أن يكون وسيلة لتعزيز التماسك المجتمعي في ظل الأزمات، بينما يوجه باعيسى رسالة للشباب: “الحفاظ على رقصاتنا هو حفاظ على هويتنا وسلامنا الداخلي.. لا مكان للخجل من موروث يمثل عراقتنا”.
ويبقى الرقص الشعبي في حضرموت مرآة تعكس روح المجتمع وتاريخه، لكنه اليوم يقف عند مفترق طرق إما أن يجد من يحمله إلى المستقبل، أو يظل حبيس الذاكرة، وبين مسؤولية الأفراد ودور المؤسسات يظل الحفاظ على هذا التراث مهمة جماعية، لحماية هوية لا يمكن تعويضها.
تم التعديل على الصورة الرئيسية بواسطة أداة جمناي

