عهد المحمودي
أكتب اليوم بلسان واقعٍ واسع تعيشه المرأة في هذا البلد، حيث تتقاطع الحياة مع الإجراءات البيروقراطية القاتلة، ويصبح الحق في النجاة في كثير من الحالات، مؤجلًا حتى إشعار آخر.
ولعل المؤلم أن هذا ليس واقع فئة نسوية بعينها، أو مجرد تجربة واحدة، بل صوت كل امرأة تُواجه لحظة يكون فيها جسدها على حافة الحياة، ثم يُطلب منها أن تنتظر، وتعلق حقها في الحياة بتوقيع منتظر..
قيود كثيرة اجتماعية، دينية، قانونية، تُفرض على المرأة اليمنية، لدرجة يُصادر حقها في الخيار والقرار، حتى فيما يتصل بجسدها وروحها، هذه المصادرة خلفها شبكة معقدة من الأسباب المتعلقة بالعُرف والقصور القانوني، والإجراءات التي جرت العادة على تطبيعها والتعامل معها كمسلمات لا فكاك منها، كأن يُطلب توقيع الرجل حتى وهي تقف على حافة الحياة.
رفعت أسماء عينيها المنهكتين وقالت بصوت خافت: “الله هو ولي أمري”. لكن إجابتها هذه لم تكن كافية لتنوب عن ورقةٍ جافة تحتاج توقيعًا، والتوقيعٍ في تلك اللحظة يحتاج “رجلًا”
حياة على المحك
كانت الساعة العاشرة والنصف، من صباح السبت، حين دخلت أسماء (في الثلاثينيات) من عمرها لغرفة العمليات في مستشفى حكومي بصنعاء لإجراء عملية جراحية عاجلة كانت تتشبث بالأمل، لكن سؤالًا واحدًا أوقف كل شيء: “أين ولي أمرك؟”
لحظتها رفعت أسماء عينيها المنهكتين وقالت بصوت خافت: “الله هو ولي أمري”. لكن إجابتها هذه لم تكن كافية لتنوب عن ورقةٍ جافة تحتاج توقيعًا، والتوقيعٍ في تلك اللحظة يحتاج “رجلًا”.
من وجهة نظر الأطباء، هذا الإجراء ضروري، يتوافق مع لوائح المجلس الطبي، كونه يوفر لهم وللمستشفى بعض الحماية والحصانة القانونية، وعادة ما يُطلب في العمليات غير الطارئة، أما في الحالات الحرجة يقول طبيب (فضل عدم ذكر اسمه) أنه يفترض أن يُتخذ القرار الطبي فورًا لإنقاذ المريض، حتى لو تأخر التوقيع لاحقًا من ولي أمرها”، لكن في حالة أسماء لم تمضي الأمور كما يفترض، وكما يحتم الواجب الإنساني، إذ خرجت من غرفة الاستعداد عند الساعة الحادية عشر وربع، ليس لأن حالتها لم تكن خطيرة، بل لأن الورقة لم تُستكمل.!
إمساك بطرف الزمن
ولأنها حالة عامة ترزح تحت ظلها كل النساء، يتكرر ذات المشهد مراراً وتكرارا، وأم قصي ماهي إلا نموذج ثانٍ لهذه المعاناة، وهذا الاستلاب إذ وصلت إلى الطوارئ تحمل طفلها الوحيد مفجوعة، مرتجفة، إثر تعرضه لحادث دهس، وبينما هي في هذه الحالة تصارع قلقها وخوفها داخل قسم الطوارئ بثقل لا يحتمل، تم إبلاغها بعدم قدرتهم على عمل تدخل عاجل دون موافقة “ولي الأمر”
حينها وجدت نفسها في دوامة بحث عمن ينقذها لتنقذ طفلها، بدأت تتصل هنا وهناك، تبحث عن أي قريب يمكنه الحضور، في الوقت الذي كان فيه قصي يدخل تدريجيا في غيبوبة، والجميع في قسم الطوارئ ينتظر “حضور رجل” لاستكمال الإجراءات اللازمة لدخول غرفة العمليات
مرّت ساعتان كاملتان قبل أن يُستكمل الإجراء، في وقت كان مصير حياة الطفل على المحك.
وجع على وجع
الأمر ذاته حدث مع إحدى السيدات الحوامل، التي حضرت في ليلة شتوية قارسة، برفقة جارتها وهي في حالة مخاض شديد إلى إحدى المشافي الحكومية، على أمل أن تجد من يخفف عنها هول الألم ويساعدها على الولادة، لكنها أُهملت في الزاوية إلى أن يأتي زوجها للتوقيع، الشرط الذي يُفرض مهما كان وضع المرأة خاصةً في عمليات الولادة والحالات النسائية الطارئة ضمن إجراءات إدارية تُطبق في المستشفيات لتوثيق الموافقات الطبية.
ورغم تصنيف الحالة كحالة طارئة تستدعي تدخلاً فوريًا، حاول الطاقم الطبي في القسم، من طبيبات وممرضات، التعامل مع الموقف بأقصى سرعة ممكنة، والسعي لتجاوز العوائق الإجرائية، لكن مع استمرار التأخير، تدخّل مندوب البحث الجنائي الموجود داخل المستشفى، كإجراء استثنائي يُلجأ إليه في بعض الحالات عند غياب ولي الأمر، وقام بالتوقيع على مسؤوليته، ما أتاح استكمال إجراءات إدخالها إلى غرفة الولادة عند الساعة، وخلال تلك اللحظات، كان واضحًا حجم الضغط الإنساني داخل الطاقم الطبي، خصوصًا الطبيبات، اللواتي حاولن بكل ما يمكن لتسريع الإجراءات، بين التزامهن المهني وإدراكهن أن كل دقيقة تأخير قد تعني فرقًا في حياة إنسان، وبين قوانين فُرضت عليهن .
إعادة النظر في هذه الإجراءات التي تتضمن نوعاً من الامتهان لكرامة المرأة وحقها الإنساني، وتشمل تهديداً وجودياً لحياتها، وحياة من قدمت لإسعافه، ضرورة ملحة، خاصة أنه يستمد من روح القرآن
انتصاراً للحق الإنساني
هذه المشاهد، مهما اختلفت أماكنها وتفاصيلها، إلا أن جميعها تعكس وضع اليمنيات بمختلف مستوياته الاجتماعية والتعليمية. والسؤال الكبير والحين الذي سنظل نطلقه لماذا يُربط القرار الطبي المتعلق بالمرأة بوجود رجل، وأين تقف المرأة حين لا يكون لها وليّ حاضر، أو حين لا يكون في حياتها أحد أصلًا؟
ولعل من نافة القول إعادة النظر في هذه الإجراءات التي يتضمن نوعاً من الامتهان لكرامة المرأة وحقها الإنساني، وتشمل تهديداً وجودياً لحياتها، وحياة من قدمت لإسعافه، ضرورة ملحة، خاصة أنه يستمد من روح القرآن: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} المائدة(32)، لكن المعضلة تكمن في إلباس هذه الإجراءات الإدارية روح الفرض والإلزام، لحد أن تظل روح إنسان معلقة بين الحياة والموت انتظاراً لتوقيع الرجل (المقدس).
نحنُ هنا لا نتحدث من منطلق جندري، ولا نرفع شعارات نسوية قد تُتهم بإن خلفها توظيفات معينة، بل نتحدث عن مبدأ أساسي في تقرير حق الحياة، بالنظر إلى أن المرأة إنسانة كاملة الأهلية، ولها الإرادة الكاملة في اتخاذ قرار بأي شيء يخصها، بمعزل عن أي إرادة أو حضور آخرين، كان رجل أو امرأة مثلها، كحق إنساني متآصل لا يحق لأحد ادعاء منحه لها أو انتزاعه منها.

