الهدوء المفخخ: هل تشتري الأمهات في اليمن صمت أطفالهن على حساب سلامتهم النفسية والعقلية؟

شارك المقال

منيرة أحمد الطيار – نسوان فويس

في أحد منازل العاصمة صنعاء يسود سكون غير معتاد، لا تقطعه ضحكات الأطفال المألوفة ولا صخبهم اليومي الذي يملأ الأرجاء كما جرت العادة.

في زاوية الغرفة تجلس أم أحمد، وعيناها معلقتان بشاشة هاتفها، بينما يتوزع أطفالها الثلاثة، الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و13 عامًا، في زوايا مختلفة، كلٌ منهم غارق خلف شاشة صغيرة، منقطع عن محيطه في عالم افتراضي صامت.

تتحدث أم أحمد لـ”نسوان فويس” بنبرة تجمع بين الراحة التي تشعر بها جراء هذا الهدوء وبين الذنب الذي ينتابها كلما تطور إدمان أطفالها على الشاشات: “إلهاء الأطفال بهاتف أو أي شاشة محمولة، هو الحل الوحيد لكي أرتاح من إزعاجهم وشغبهم، لحين أتمكن من إكمال شغل البيت بسرعة بدون ضغط وإزعاج”.

تتحول قضية حيازة الأطفال للهواتف النقالة، وإدمانهم عليها من مجرد تفصيل عابر إلى نمط تربوي جديد يعيد تشكيل معنى “اللمة العائلية”، التي كانت تاريخيًا مساحة للتفاعل المباشر ونقل القيم، وتبادل الخبرات والمعارف الاجتماعية والإرث جيلًا عن جيل، لكن المشهد صار يتشكل تدريجيًا بصورة جزر رقمية منفصلة داخل البيت الواحد

 

كانتونات منفصلة

المشهد السائد في هذا البيت الصنعاني، لم يعد حالة فردية، أو مشكلة بيت من البيوت، بل نموذج لظاهرة كبيرة تقع تحت طائلتها آلاف البيوت اليمنية، ومعه تتحول قضية حيازة الأطفال للهواتف النقالة، وإدمانهم عليها من مجرد تفصيل عابر إلى نمط تربوي جديد يعيد تشكيل معنى “اللمة العائلية”، التي كانت تاريخيًا مساحة للتفاعل المباشر ونقل القيم، وتبادل الخبرات والمعارف الاجتماعية والإرث جيلًا عن جيل، لكن المشهد صار يتشكل تدريجيًا بصورة جزر رقمية منفصلة داخل البيت الواحد.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

اعترافات الملاحظة

لا تعكس هذه الصورة الملاحظة الميدانية فقط، بل تدعمها نتائج استبيان أجرته الصحافية على عينة من الأمهات، كشفت نتائجه عن فجوة واضحة بين الوعي والسلوك. فقد أقرت 53.8% من المشاركات بأن الدافع الرئيسي لمنح الطفل الهاتف هو الحصول على “هدوء مؤقت” لإنجاز الأعمال المنزلية، في مؤشر واضح على تحوّل التكنولوجيا من أداة تعليمية إلى مربية بديلة: تُفرض تحت ضغط الواقع.

ورغم أن 84.6% من الأمهات أكدن أنهن لا يعتبرن الهاتف وسيلة آمنة، إلا أن ضغوط الحياة تدفعهن لاستخدامه كحل سريع.

كما أشارت 76.9% إلى أن الشاشات قلّصت بشكل ملحوظ لحظات التواصل الحقيقي داخل الأسرة، حيث حل التفاعل الرقمي محل الحوار الطبيعي، وهو ما عبّرت عنه إحدى الأمهات -المشاركات في الاستبيان- في حديث لـ “نسوان فويس” بالقول: “من يوم جبت لبنتي الآيباد، صارت عصبية ومزاجها يتعكر بسرعة، رغم أن عمرها خمس سنوات بس”.

المربي الرقمي

هذه المؤشرات تفتح الباب أمام إشكالية أعمق، تدعمها دراسات علمية حديثة، من بينها دراسة الباحثة د. أمل السيد حمودة حول أثر الأجهزة الذكية على الصحة النفسية في مرحلة الطفولة المبكرة والتي توصلت إلى أن الاستخدام المفرط يرتبط باضطرابات واضحة في التركيز والسلوك، ويحوّل الأجهزة من أدوات تطوير إلى عوامل هدم نفسي، خصوصًا في غياب الرقابة الأسرية.

ولا تتوقف التأثيرات عند الجانب النفسي، بل تمتد إلى الجسد؛ فالبقاء لساعات طويلة في وضعية الانحناء يؤدي إلى مشاكل مبكرة في الرقبة والعمود الفقري، إضافة إلى إجهاد العين وجفافها نتيجة التعرض المستمر للضوء الأزرق. كما يفرض هذا النمط من الجلوس خمولاً جسديًا يهدد الأطفال بالسمنة وضعف المهارات الحركية، ليصبح طفل الشاشة هشًا بدنيًا قبل أن يبدأ حياته الفعلية.

سيكولوجية الهروب

يندفع الأطفال بشكل كبير نحو الشاشات، في البداية انطلاقًا من فكرة المحاكاة، ثم يتطور الأمر ليصبح تعلقًا، وحاجة أساسية لا يستطيع التخلي عنها، يقول الطفل إبراهيم (7 سنوات)، دون أن يرفع عينيه عن لعبته الالكترونية: “يعجبني التلفون لأن فيه ألعاب حلوة، وأجلس أبسره بهدوء وما أزعجش ماما وبابا وأخوتي ولا يصيحوا فوقي”.

هذه الجملة البسيطة تختصر جوهر المشكلة، كما تفسّرها الأخصائية النفسية ريم العبسي، التي ترى أن استخدام الهاتف لإسكات الطفل يحرمه من تطوير “المرونة النفسية”، إذ يتعلم أن تهدئة مشاعره تأتي من الخارج، لا من داخله، ما يجعله مستقبلًا عاجزًا عن ضبط انفعالات و ردات فعله ذاتيًا.

العبسي: المحتوى الرقمي السريع ينشّط نظام “الدوبامين” في الدماغ، وهو ما يفسّر أن 92.3% من الأمهات يلاحظنَّ تغير مباشر وسريع في السلوك العصبي لأطفالهن. فالطفل المعتاد على التحفيز العالي يصبح غير قادر على تحمل الملل أو الانخراط في أنشطة واقعية “بطيئة” مثل القراءة أو الحوار

الصد العاطفي

وتضيف العبسي أن المحتوى الرقمي السريع ينشّط نظام “الدوبامين” في الدماغ، وهو ما يفسّر أن 92.3% من الأمهات يلاحظنَّ تغير وازدياد مباشر في السلوك العصبي لأطفالهن. فالطفل المعتاد على التحفيز العالي يصبح غير قادر على تحمل الملل أو الانخراط في أنشطة واقعية “بطيئة” مثل القراءة أو الحوار.

محذرةً من خطورة ما يسمى بظاهرة “الصد العاطفي”، حيث يؤدي الحضور الجسدي للأم دون تفاعل وجداني وتفاعلي حقيقي إلى شعور الطفل بالإهمال، ما ينعكس سلباً على ثقته بنفسه وطبيعة ارتباطه العاطفي.

ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

الهوية المفقودة

هذا الانفصال العاطفي يلتقي مع رؤية، أستاذ علم الاجتماع، الدكتور صالح الباخشي، الذي يرى أن التأثير في السياق اليمني يتجاوز الفرد ليصل إلى الهوية الثقافية، فالأجهزة الذكية تعيد تشكيل لغة الطفل وسلوكياته، وتخلق فجوة بينه وبين بيئته المحلية.

ويتابع الباخشي، في حديث لـ”نسوان فويس” : “نحن أمام جيل يواجه صعوبة في التواصل الواقعي لأنه لم يتدرّب عليه وبدأ يفقد مهارات اجتماعية تتناسب مع واقعنا اليمني من لهجة وعادات”.

ويضيف: “نحن أمام جيل لم يتدرّب على التواصل المجتمعي، ضحايا لظروف معيشية صعبة، صاحبها غياب بدائل متاحة للترفيه والانشغال بما ينمي أجسادهم وعقولهم”.

وتعكس إحدى الأمهات هذا التناقض بقولها: “التكنولوجيا فرضت علينا واقعاً جديداً بين الحاجة للراحة والخوف على أطفالنا”.

استعادة الحضور

لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى بديل عن الحضور والاحتواء الأسري.

لذلك يرى الخبراء أن الحل يبدأ بـ “فطام رقمي” تدريجي، يُستبدل فيه وقت الشاشة بوقت نوعي يُعيد بناء التواصل بين الأم وطفلها.

هذا التغيير يتطلب شجاعة في تحويل المنزل إلى بيئة تفاعلية تفرّغ طاقة الطفل في ألعاب حركية ويدوية، من شأنها أن تعيد تنشيط مخيلته بعيداً عن “اللهاية الرقمية”.

كما تكمن النجاة في كسر “ثقافة المقايضة” وتعليم الطفل مهارات التنظيم الذاتي لمشاعره بدلاً من “تخديرها” تقنياً.

مقالات اخرى