في حضرموت.. النساء في مواجهة حمى الضنك

شارك المقال

نسوان فويس – إكرام فرج

لم تكن سهام الحباني، مسؤولة العلاقات العامة في القطاع الصحي بمؤسسة صلة للتنمية، تتوقع أن يتحول عملها التطوعي إلى مواجهة شديدة مع مرض يتسلل بصمت إلى البيوت.

في أزقة الأحياء الشعبية بمدينة المكلا، تمضي سهام يومها متنقلة من منزل إلى آخر، تطرق الأبواب لتشرح للأمهات كيف يمكن لوعاء ماء مكشوف أن يتحول إلى بؤرة خطر.

تشير بيانات مكتب وزارة الصحة إلى موجات متكررة من تفشي المرض خلال السنوات الماضية، مدفوعة بعوامل عدة، أبرزها: التقلبات المناخية، وتجمع المياه الراكدة، والتوسع العمراني غير المنظم، إلى جانب التزايد السكاني

تقول سهام لـ “نسوان فويس”: “بعد الأمطار، لاحظنا زيادة كبيرة في انتشار البعوض، ومعها بدأت حالات الإصابة بحمى الضنك والملاريا بالارتفاع، خصوصًا في الأحياء الأكثر هشاشة”.

وخلال إحدى نزولاتها الميدانية، زارت سهام أسرة بأكملها مصابة بحمى الضنك، تعيش ظروفًا صحية ومادية صعبة، وتفتقر إلى الحد الأدنى من المعرفة بالمرض وأعراضه.

تضيف: “قمنا بتوعيتهم وتوجيههم لتنظيف المنزل والتخلص من المياه الراكدة، وبعد أسبوع فقط بدأت حالتهم الصحية تتحسن”.

قصة سهام ليست استثناءً، بل تختصر واقعًا أوسع تتحول فيه النساء إلى مقدمات رعاية صحية غير معترف بهن، يعملن في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الدعم.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

تصاعد مقلق للإصابات

لا يظهر تفشي حمى الضنك كحدث مفاجئ في حضرموت بشكل خاص، واليمن بشكل عام، بل كدورة متكررة تعود مع كل موسم أمطار؛ لتضع النساء في قلب المواجهة، بين رعاية المرضى داخل المنازل والمشاركة في حملات التوعية، وسط تحديات بيئية وصحية معقدة.

باضريس: تم تسجيل 567 حالة اشتباه خلال عام 2025، توزعت بين الذكور (285) والإناث (282)، مع تركز الإصابات في الفئة العمرية ما بين 15 و45 عاماً. وفي الربع الأول من عام 2026، سجلت 109 حالات اشتباه، مما يشير إلى استمرار التهديد. ورغم تقارب الأرقام بين الجنسين، إلا أن العبء الحقيقي يقع على النساء، بحكم دورهن في الرعاية المنزلية والتعامل المباشر مع المرضى

وتشير بيانات مكتب وزارة الصحة إلى موجات متكررة من تفشي المرض خلال السنوات الماضية، مدفوعة بعوامل عدة، أبرزها: التقلبات المناخية، وتجمع المياه الراكدة، والتوسع العمراني غير المنظم، إلى جانب التزايد السكاني.

توضح الدكتورة رولا باضريس، مدير إدارة الترصد الوبائي بمكتب وزارة الصحة العامة والسكان بساحل حضرموت، أن رصد حالات حمى الضنك يتم عبر برنامج الترصد الإلكتروني التكاملي (eIDEWS)، الذي يغطي 112 موقعاً في مختلف المديريات، ويشمل القطاعين العام والخاص.

وتضيف في حديثها لـ”نسوان فيس”: أن البلاغات تُرفع بشكل يومي وفق استمارات مخصصة، يشرف عليها ضباط ترصد مدربون، مع اعتماد تعاريف قياسية لتحديد حالات الاشتباه، وإجراء فحوصات سريعة مجانية في بعض المرافق الحكومية. أما الحالات الشديدة، فيتم أخذ عينات دم منها وإرسالها إلى المختبرات المركزية لتأكيدها بحسب توفر الإمكانيات، فيما تُدرج البيانات في النظام الإلكتروني وتُرفع بشكل أسبوعي إلى وزارة الصحة مرفقة بنشرات وبائية دورية.

وتشير باضريس إلى أن فرق الاستجابة السريعة، المكونة من خمسة أشخاص في كل مديرية، تعمل على التقصي الميداني للأمراض الوبائية، ومنها حمى الضنك، والحميات النزفية، والحصبة.

وبحسب باضريس، تم تسجيل 567 حالة اشتباه خلال عام 2025، توزعت بين الذكور (285) والإناث (282)، مع تركز الإصابات في الفئة العمرية ما بين 15 و45 عاماً. وفي الربع الأول من عام 2026، سجلت 109 حالات اشتباه، مما يشير إلى استمرار التهديد. ورغم تقارب الأرقام بين الجنسين، إلا أن العبء الحقيقي يقع على النساء، بحكم دورهن في الرعاية المنزلية والتعامل المباشر مع المرضى.

جسر الوعي في المجتمع

تلعب المتطوعات المجتمعيات دورًا محوريًا في الحد من انتشار المرض عبر التوعية المباشرة داخل الأحياء، خاصة في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

توضح سهام أن مهامها تشمل التوعية بأسباب وطرق انتقال حمى الضنك، وتعليم وسائل الوقاية من لدغات البعوض، وتشجيع السكان على تنظيف البيئة وإزالة المياه الراكدة. ورغم وجود استجابة إيجابية من بعض أفراد المجتمع، إلا أن التحديات لا تزال قائمة؛ ومن بينها نقص المواد التوعوية، وصعوبة تغيير السلوكيات، ومحدودية الوصول إلى المناطق النائية.

بيئة هشة وجهود محدودة

تتداخل عدة عوامل في تفاقم انتشار المرض، من بينها: تخزين المياه بطرق غير آمنة، وضعف خدمات الصرف الصحي، وانتشار المباني غير المكتملة، إضافة إلى تراكم النفايات والمياه الراكدة؛ مما يوفر بيئة مثالية لتكاثر البعوض الناقل للمرض.

وتؤكد باضريس أن مواجهة حمى الضنك تتطلب تنسيقًا مشتركًا بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني، من خلال اجتماعات دورية ضمن “كتلة الصحة”. وتشمل التدخلات تنفيذ حملات رش ضبابي، والتفتيش عن بؤر التكاثر، وتنظيم حملات توعية مجتمعية، إضافة إلى وضع خطط طارئة في حالات التفشي.

غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة، أبرزها: محدودية الموارد، وضعف الدعم لحملات الرش، والتغيرات المناخية المستمرة، والتوسع العمراني غير المنظم.

ملخص مرئي قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

العبء غير المرئي

رغم أن الفئة العمرية (15–45 عامًا) هي الأكثر إصابة، إلا أن النساء والأطفال يظلون الأكثر تأثرًا من حيث الأعباء غير المباشرة، سواء في الرعاية أو في التعرض للمخاطر البيئية داخل المنازل.

وتؤكد سهام أن الحد من انتشار المرض يتطلب تكثيف حملات التوعية، وتوفير وسائل الحماية مثل الناموسيات وطاردات البعوض، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، ودعم المتطوعين بالإمكانيات والمواد، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية.

وبحسب سهام تبرز الحاجة إلى تبني نهج “الصحة الواحدة”، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، كمدخل أساسي لمواجهة الأمراض المنقولة عبر النواقل.

في حضرموت، لا تُقاس آثار حمى الضنك بعدد الإصابات فقط، بل بحجم الأعباء التي تتحملها النساء بصمت بين رعاية المرضى ومواجهة انتشار البعوض، ومحاولة حماية أسرهن في بيئة هشة؛ حيث تتحول حياتهن اليومية إلى معركة مستمرة تفرضها ظروف صحية وخدمية معقدة.

وعلى الرغم من كل الجهود، تظل النساء في طليعة المواجهة أمام أزمات كان بالإمكان الحد منها بتحسين الخدمات وتعزيز الوعي؛ فبعيدًا عن الأرقام، تبدأ القصة الحقيقية داخل المنازل، حيث تتقاطع المسؤولية مع قلة الإمكانيات، وتتحمل النساء العبء الأكبر.

مقالات اخرى