الحضور النسائي في الجهات الأمنية بحضرموت.. تغيير معنى اللجوء إلى الشرطة

شارك المقال

حوار- دولة الحصباني

لم يعد حضور الشرطة النسائية في ساحل حضرموت تفصيلًا هامشيًا داخل المؤسسة الأمنية، بل تحوّل إلى عنصر فاعل يعيد تشكيل علاقة النساء بأقسام الشرطة، ويفتح أمامهن مساحة أكثر أمانًا للإبلاغ عن قضايا، متصلة بهن، ظلّت طويلًا حبيسة الصمت والتردد.

على سبيل الاستشهاد فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالعنف الأسري، التحرش، والابتزاز الإلكتروني، لا يكون التبليغ مجرد خطوة قانونية، بل لحظة شديدة الحساسية تحتاج – قبل أي شيء آخر – إلى بث شعور الأمان والقرب في نفوس الناس وتحديدا النساء، ومن هنا تأتي أهمية وجود وفاعلية الشرطة النسائية، التي من شأنها أن تساهم في تضييق المسافة بين النساء والمؤسسة الأمنية تدريجيًا، مع حضور نسائي أخذ يرسّخ موقعه داخل المنظومة الأمنية، ويعيد تعريف معنى لجوء النساء للشرطة.

باعيسى: تمثل الشرطة النسائية دورًا محوريًا في المؤسسة الأمنية، فهي تتلقى البلاغات، وتقوم بالتفتيشات والمهام والتحقيقات الخاصة بالنساء، وتقدم لهن أيضًا الدعم والحماية في حال لجوئهن إلى أقسام الشرطة في المحافظة والمديريات

حضور فعال يغيّر المعادلة

في حديث لـ “نسوان فويس”، ترى النقيب انتصار الأسد باعيسى، مديرة إدارة حماية الأسرة والأحداث والشرطة النسائية بساحل حضرموت، أن الشرطة النسائية لم تعد مجرد وجود رمزي أو شكلي، بل أصبحت جزءًا فاعلًا من بنية الجهاز الأمني اليومي، رغم كل الصعوبات التي رافقت بداياتها.

مضيفةً: “أحرزت الشرطة النسائية تقدمًا ملموسًا، وعكست مستوى عالٍ في الأداء رغم ضعف الإمكانيات وقلة الدعم والتحفيز في بداية الأمر”، مشيرة إلى أن النساء استطعن من خلال انضمامهن إلى هذا الجهاز” من تحقيق كثير من النجاحات سواء لصالح المؤسسة الأمنية أو للمجتمع في محافظة حضرموت، مقدمات نموذجًا رائعًا في العمل الأمني، ومتجاوزات الكثير من الصعوبات في بيئة محافظة ومغلقة”.

وبالنسبة لـ باعيسى، فإن انضمام 50 عنصرًا من الفتيات الجامعيات إلى المنظومة الأمنية لم يكن مجرد رقم، بل “رافدًا مهماً للشرطة النسائية، فتح الباب أمام حضور نسائي أكثر وضوحًا داخل العمل الأمني، ووسّع من قدرة المؤسسة على التعامل مع ملفات لم يكن من السهل الاقتراب منها في السابق، علاوة أنه كشف عن تقبل وحاجة مجتمعية لعمل النساء في سلك الشرطة”.

من التمثيل إلى الخدمة المُلحة

اليوم، لم تعد الشرطة النسائية في ساحل حضرموت تقف على هامش المؤسسة الأمنية، بل أصبحت – كما تقول باعيسى- “تمثل دورًا محوريًا في المؤسسة الأمنية، فهي تتلقى البلاغات، وتقوم بالتفتيشات والمهام والتحقيقات الخاصة بالنساء، وتقدم لهن أيضًا الدعم والحماية في حال لجوئهن إلى أقسام الشرطة في المحافظة والمديريات”.

وفيما يتعلق بوجود مكاتب متخصصة للتحقيق مع النساء، أكدت باعيسى أنه جرى إنشاء مقر استيقاف خاص بالنساء داخل مديرية أمن المكلا، وهو ما تعتبره من الإنجازات المهمة التي عززت خصوصية التعامل مع النساء داخل المنظومة الأمنية.

وترى أن هذه الأدوار مجتمعة “جعلت من الشرطة النسائية محورًا أساسيًا متصلاً بالمجتمع يراعي خصوصيته من ناحية ويقدم خدمة تعكس هيبة القانون وحضوره من ناحية أخرى”.

حين يصبح البوح ممكنًا

لكن لا تكمن أهمية الشرطة النسائية فقط في حضورها المؤسسي، بل في نوع القضايا التي باتت النساء يجرأنَّ على حملها إلى مراكز الشرطة، فهناك – حد تأكيدها- قضايا كانت تُدفن داخل البيوت، أو تُترك لابتزاز الصمت والخوف، قبل أن تجد من يصغي إليها.

وتتابع باعيسى ذكر أبرز القضايا التي تتعامل معها الشرطة النسائية حاليا في حضرموت: ” أهم القضايا التي نتلقاها؛ السرقات، النصب والاحتيال – وغالبًا ما يكون مرتكبوها من خارج المحافظة- والعنف، وقضايا الفقدان والضياع والتحرش بالأطفال، إضافة لقضايا الابتزاز الإلكتروني التي انتشرت مؤخرًا بشكل لافت”.
وعن الأثر الذي خلقه وجود نساء في السلك الأمني تقول باعيسى: “أسهم بشكل كبير أولًا في رفع الوعي لدى النساء للخروج من منطقة السلبية التي كنَّ يسلكنَّها قبل إتاحة خدمة الشرطة النسائية، ودفعهن إلى الإقدام إلى مراكز الشرطة وتقديم الشكاوى والبلاغات، خصوصًا في القضايا الحساسة مثل التحرش والعنف الأسري والابتزاز الإلكتروني”.

وتشرح ذلك بالقول:” عندما تحصل النساء على إشارة أمان داخل المنظومة الأمنية، وتثق بأن هناك عناصرًا من بنات جنسهن، يستمعنَّ لهنَّ ويتبنينَّ قضاياهنَّ، ويقمنَّ باستلام البلاغ وفتح الملف والتحقيق، يسكنهنَّ نوع من التجاوب والطمأنينة”.

تم تشكيل وإنشاء وحدة ابتزاز إلكتروني بمديرية أمن المكلا، تحتوي على قسم خاص باستلام قضايا وبلاغات النساء حول الابتزاز الإلكتروني هذه الخطوة شجعت عدد من البنات والنساء اللائي يتعرضن لابتزاز، لتقديم البلاغات وعدم الصمت عن هذه الجريمة الشنعاء

وحدة بلاغات الابتزاز الإلكتروني

هذا الشعور برأيها لم يكن تفصيلًا بسيطًا، بل كان عاملًا حاسمًا في كسر حاجز الصمت: “كل تلك العوامل شجعت النساء على عدم الصمت والتكتم على مثل هذه الجرائم أو القضايا الحساسة، التي ينعكس أثرها على أجيال كاملة مع مرور الزمن، خاصة في ظل تصاعد الجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي، التي تحتم وجود استجابة أكثر تخصصًا، مواكبة”.

في هذا الصدد تنوه باعيسى إلى خطوات الشرطة النسائية فيما يتصل بالجرائم الإلكترونية: ” تم تشكيل وإنشاء وحدة ابتزاز إلكتروني بمديرية أمن المكلا، تحتوي على قسم خاص باستلام قضايا وبلاغات النساء حول الابتزاز الإلكتروني، هذه الخطوة شجعت عدد من البنات والنساء اللائي يتعرضن لابتزاز، لتقديم البلاغات وعدم الصمت عن هذه الجريمة الشنعاء”.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

نجاحات ماثلة تصطدم بالواقع

لكن هذه الصورة، على أهميتها، لا تعني أن الشرطة النسائية تعمل في ظروف مثالية، فالنجاحات التي تتحدث عنها باعيسى تأتي في كثير من الأحيان، فيما تعاني من نقص الأدوات الأساسية التي يحتاجها أي عمل ميداني فعّال.

وتسرد باعيسى أبرز هذه التحديات الميدانية التي تواجههن في الأسواق والمواقع العامة ونقاط التفتيش، بالقول: ” نواجه قلة في الدعم والحماية، إضافة لغياب الدوريات المخصصة للشرطة النسائية، وضعف المعدات من هواتف اللاسلكي الخاصة بعمليات التواصل والاتصال الفوري في حالة الطوارئ”.

” بل لا تتوقف التحديات عند شحة الإمكانيات، ونقص التجهيزات وحسب، بل تمتد لتصل إلى أننا ما نزال نعاني من نقص حاد في الكادر النسائي نفسه؛ ففي محافظة واسعة ومتعددة الاحتياجات مثل حضرموت، يبدو العدد الحالي غير كافٍ لتغطية المهام اليومية أو التوسع المطلوب في الخدمات، خاصة مع ارتفاع عدد القضايا، وتنوعها ” تؤكد باعيسى.

وتستطرد: “نحن نسعى لزيادة العدد وفتح باب التقديم والالتحاق، لتفعيل كلية الشرطة بالكادر النسوي، فالعدد الموجود حاليًا لا يغطي بتاتًا كامل المنطقة الجغرافية، ولا يتناسب مع حجم القضايا الأمنية النسوية”.

وفيما يتعلق بالتأهيل، تؤكد باعيسى أن الشرطة النسائية استفادت من عدد من البرامج التي ساهمت في بناء قدراتها، سواء عبر منظمات المجتمع المدني أو من خلال برامج متفرقة تقيمها الجهات الرسمية: “هناك العديد من البرامج التي قدمتها منظمات المجتمع المدني، منها مشروع (سيادة القانون) الذي نفذه اتحاد نساء اليمن فرع حضرموت بتمويل من الوكالة الكورية، والذي وضع بصمة وفارقًا كبيرًا في جانب التدريب والتأهيل للشرطة النسائية”.

كما تشير إلى وجود برامج أخرى تقيمها الوزارة بين الحين والآخر في الجوانب المتخصصة بالبحث والسجون ورفع قدرات الكادر النسائي، وهي برامج ترى أنها ساعدت في تعزيز كفاءة الأداء، وإن كانت الحاجة ما تزال قائمة إلى تدريبات أكثر انتظامًا وعمقًا.

وعن علاقة الشرطة النسائية بالجهات والإدارات الأمنية الأخرى، تقول باعيسى أن الشرطة النسائية ليست في عزلة عن بقية الإدارات الأمنية، بل ضمن علاقة تنسيق يومية: ” هناك تنسيق وتعاون مشترك بين كافة الأجهزة الأمنية وإدارة الشرطة النسائية، متعلقة بتحويل البلاغات الخاصة بالنساء، ومساعدة الإدارة في تخطي الكثير من الصعوبات والمشاكل التي تواجهها في الميدان وداخل مقرات العمل”.

وفي الملفات الحساسة، لا تتوقف أهمية الشرطة النسائية عند مجرد استقبال البلاغات أو إدارة التحقيقات، بل تمتد إلى كيفية التعامل مع النساء نفسيًا وإنسانيًا، خصوصًا في القضايا التي تكون فيها الخصوصية جزءًا من العدالة نفسها: ” نعمل كفريق قائم على تقديم الدعم والحماية للنساء وحفظ الخصوصية والأمان، وفي حال تلقي أي ملف أو بلاغ أو شكوى فإنه يتم التعامل معه بحساسية وخصوصية بالغة يراعي شعور وخصوصية المبلغّة، كونها امرأة مثلها، تفهم احتياجها للخصوصية أكثر فيما لو استلم البلاغ رجل”.

تحررت الشرطيات – إلى حدٍ ما- من أغلال الموقف الاجتماعي الرافض لتواجدهنَّ، إذ أرتفع الوعي بمدى أهمية وجود العنصر النسائي في المؤسسة الأمنية للحفاظ على الأمن والاستقرار والخصوصية في الكثير من الجوانب والقضايا التي تخص النساء في المجتمع

قبول الشرطة النسائية اجتماعياً
وخلال السنوات الأخيرة، لم يقتصر التغيير على طبيعة العمل داخل الشرطة النسائية، بل شمل أيضًا الصورة المجتمعية لهذا الدور.
ففي مجتمع لم يكن يتصور بسهولة وجود نساء داخل الحقل الأمني، بدأت الملامح تتغير تدريجيًا.

وترصد باعيسى هذا التحول، قائلة: “حدثت نقلة نوعية خلال الخمس السنوات الأخيرة بخصوص الصورة المجتمعية للشرطة النسائية، حيث تحررت الشرطيات -إلى حدٍ ما- من أغلال الموقف الاجتماعي الرافض لتواجدهنَّ، إذ أرتفع الوعي بمدى أهمية وجود العنصر النسائي في المؤسسة الأمنية للحفاظ على الأمن والاستقرار والخصوصية في الكثير من الجوانب والقضايا التي تخص النساء في المجتمع”.

لكن، ورغم هذا التحول، فإن الأمنيات التي تحملها باعيسى للمستقبل ما تزال أكبر من الواقع الحالي، لا تقتصر على الحاجة إلى مزيد من العناصر أو مزيد من المعدات والتدريبات، بل تمتد لتتأمل في توفير بنية متكاملة تحفظ خصوصية النساء العاملات والمراجعات على حدٍ سواء: ” لديّ أمل أن يتم في القريب المنظور تأسيس مبنى خاص يضم الشرطة النسائية بكافة أقسامها، لمراعاة خصوصية كل من العاملات في الشرطة، والنساء المبلغات، إضافة للنساء اللواتي في إطار الحجز والاستيقاف والسجن”.

وترى أن هذا التطلع هو جزء من رؤية شاملة تضمن تقديم خدمات أكثر كفاءة ودقة وحرص، إلى جانب أهمية “تفعيل دور كلية الشرطة في سبيل التحاق أكبر عدد من الفتيات ذوات الاختصاص للشرطة”.

لا تبدو الشرطة النسائية في ساحل حضرموت، مجرد إضافة إلى جهاز أمني تقليدي، بل تحوّلًا هادئًا في طريقة اقتراب النساء من العدالة. ففي القضايا التي يبدأ فيها كل شيء بالخوف، قد لا يكون الأهم بالنسبة للنساء في هذا المجتمع الذي تعاني فيه النساء من قيود اجتماعية تميزية، هو القانون وحده، بل وجود من يمنح المرأة ما يكفي من الأمان لتتكلم وتشتكي، وتشعر أن هناك قانون ودولة تسندها.

 

مقالات اخرى