قراءة تحليلية في كوميديا “الزوجة السابعة”

شارك المقال

بشرى الغيلي – نسوان فويس 

قررتُ هذه المرة أن أقضي إجازتي بعيداً عن صخب العمل وضجيج الأخبار الذي يلاحقني يوميًا، وعزمتُ على الاندماج الكامل مع العائلة، وهذا يعني بالضرورة أنني سأشاهد الدراما اليمنية والعربية التي تلتف حولها الأسرة. واقتطعتُ جزءً من الوقت لمشاهدة القنوات الإخبارية مع والدي، لكن يبدو أن الطبع يغلب التطبع، فلم أستطع أن أغيب كثيرًا عن عالمي الصحفي؛ فالصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي عينٌ أرى بها الوجود، والزاوية التي أجد فيها ذاتي وأحلل من خلالها ما يُبث لعقولنا.

كانت الدراما اليمنية هي الأكثر حظًا في اختلاس وقتي، وفعلياً تتبعتُ المسلسلات المعروضة باهتمام… عشتُ قصة كل مسلسل وكأنني جزءٌ منه، ليس لمجرد التسلية؛ بل لأفهم ما الذي يُراد قوله للمجتمع. وما استوقفني وأثار فيّ غيرة الصحفي وانحيازه لقضايا مجتمعه هو مسلسل “الزوجة السابعة”.

لماذا تصر الدراما على أن اليد التي تبدع في مشروع أو تدير عملاً ناجحاً هي بالضرورة يدٌ تعجز عن احتواء أسرتها؟ ولماذا يُقدم نجاح المرأة كخصم لزوجها بدلاً من أن يكون مصدر فخر له ودعماً لمسيرتهما المشتركة؟

منذ دمج المرأة في قطاع التمثيل وهي غالبًا ما تُحصر في أدوار: (المطلقة، الضعيفة، المسكينة، الأرملة…)، وهذا ما تبثه الشاشات العربية بمختلف توجهاتها، لتصبح الدراما أحيانًا أداة تتناول قضايا المرأة المعنفة أو التي حاصرتها الظروف بقوالب جاهزة. لكن ما نراه اليوم في الدراما، وتحديدًا في مسلسل “الزوجة السابعة”، هو تكريس لقضية مستفزة للغاية، وهي تصوير المرأة العاملة والناجحة في مجتمعها على أنها فاشلة حتمًا في حياتها الأسرية. وهذه النمطية لا تعكس واقع المرأة اليمنية التي هي عماد البيت وشريك الكفاح، بل تساهم في إلصاق صورة ذهنية مشوهة في واقعنا المتعايش، إذ لا تزال تصر على تصوير المرأة الناجحة مهنيًا، سواء كانت إعلامية، أو محامية، أو طبيبة، على أنها إنسانة تعيش سلسلة من الإخفاقات الأسرية؛ لتضع المشاهد أمام فكرة مغلوطة مفادها أن طموح المرأة وعملها هو حجر عثرة في طريق استقرار بيتها.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

في مسلسل “الزوجة السابعة”، نجد بناءً دراميًا يعتمد على المركزية المطلقة للبطل “كريم”، الذي أدى دوره الفنان صالح العولقي، حيث يظهر وكأنه المحور الذي يجب أن تدور حوله كل الشخصيات، بينما تُقدم النساء كخيارات تخضع للاختبار المستمر، فإذا لم تطابق مواصفات الراحة المطلقة والتفرغ التام يتم استبدالها فورًا. وهذا الطرح ينسف فكرة الميثاق الغليظ القائم على الشراكة والاحتواء، ويحول مؤسسة الزواج إلى تجربة استهلاكية قاسية، يتم فيها تحميل المرأة وحدها وزر فشل العلاقة، بينما يُعفى الطرف الآخر من أي مسؤولية في التقويم أو الصبر أو بناء حوار حقيقي لمعالجة الخلافات الطبيعية في أي أسرة.

تتجلى هذه الإساءة المبطنة في تفاصيل الحكايات المتتالية للزوجات؛ ففي حكاية الزوجة الأولى “ليان”، ذات الدلال والاهتمام المفرط بجمالها، تم وضع شخصيتها في قالب سطحي وكاريكاتوري مستفز، حيث تم تصوير المرأة الأنيقة التي تهتم بمظهرها ومستحضرات تجميلها على أنها كائن مستهلك يستنزف أموال الأسرة ولا يجيد فعل أي شيء آخر في المنزل، بل ووصلت المبالغة الدرامية إلى تحويل انكسار ظفرها الاصطناعي إلى أزمة كبرى استدعت تدخل الشرطة ظنًا بوجود عصابة مسلحة. وهذا الاستهزاء المبالغ فيه يضع المرأة أمام خيار قسري ظالم؛ فإما أن تهمل أنوثتها وجمالها لتثبت جدارتها كزوجة مسؤولة، وإما أن تهتم بنفسها فتصنف كشخصية تافهة وفاشلة أسريًا، وهو ما يتنافى مع قدرة المرأة بطبيعتها على التوازن بين الاهتمام بذاتها ورعاية بيتها.

الفن رسالة، والدراما يجب أن تكون أداة للارتقاء بالوعي المجتمعي، لا وسيلة لترسيخ الصور السلبية وكسر أجنحة النساء الناجحات لتبدو شخصية البطل خالية من العيوب. وصناع الدراما يجب أن ينتبهوا إلى أن العنف الدرامي المعنوي الموجه ضد المرأة يساهم في بناء مجتمع غير متوازن تتسع فيه الفجوة بين شركاء الحياة

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليستهدف المرأة الناجحة والموهوبة، كما ظهر جلياً في قصة الزوجة الثانية “سميرة”، الطباخة الماهرة وصاحبة القناة المشهورة على “يوتيوب”. واستفزني جدًا كيف تم التعامل مع نجاحها المهني وشغفها بمشروعها وكأنه جريمة في حق بيتها، حيث وُصفت بأنها لا تعرف مسؤولياتها المنزلية الأخرى، واعتبر الزوج أن اهتمامها بالطبخ يجعله يشعر وكأنه مجرد كائن يتم تسمينه، خالية حياته من المشاعر، ليتم إنهاء قصتها بشكل غير منصف كعقاب درامي لها على طموحها.

فلماذا تصر الدراما على أن اليد التي تبدع في مشروع أو تدير عملًا ناجحًا هي بالضرورة يدٌ تعجز عن احتواء أسرتها؟ ولماذا يُقدم نجاح المرأة كخصم لزوجها بدلاً من أن يكون مصدر فخر له ودعماً لمسيرتهما المشتركة؟

وتستمر سلسلة الاختبارات التعجيزية في المسلسل لتعرض نماذج أخرى يتم تشويهها بقصد إضحاك الجمهور؛ ففي حكاية الزوجة الثالثة تم تضخيم مشاعر الغيرة لدى المرأة لتظهر بصورة هستيرية تهاجم زوجها في مقر عمله بالعيادة، مما يرسخ فكرة عدم اتزان المرأة عاطفيًا. وتصل النمطية إلى ذروتها في حكاية الزوجة الرابعة، الناشطة الحقوقية التي تحضر المؤتمرات الدولية وتدافع عن قضايا المجتمع والمرأة، حيث تم استخدام ذكائها ونجاحها ونشاطها المجتمعي كمادة للسخرية والانتقاص، وبدلاً من إبراز وعيها كقوة داعمة للأسرة، صوّر المسلسل هذا الوعي كعبء ثقيل يتهرب منه الرجل، مما يرسخ فكرة خاطئة ومحبطة بأن المجتمع ينفر من المرأة المثقفة والذكية وأنها غير صالحة لبناء بيت هادئ.

نحن بحاجة إلى دراما تنصف المرأة وتظهرها كشريك فاعل وناجح في الميدان وفي المنزل معًا، فالمرأة هي اللبنة الأولى لتقدمنا، وما نراه على الشاشة أحياناً ليس إلا غبارًا يحتاج إلى جرعات من الوعي والتفكر لكي ينجلي، وتظهر الصورة الحقيقية للمرأة التي تمثل المجتمع كله، وليس مجرد محطة عابرة في سلسلة تجارب

حتى عندما حاولت الدراما استعراض مهن أخرى بسيطة كعمل المرأة في مجال التجميل و”الكوافير”، تم إحاطة الشخصية بأساليب وسلوكيات لا تروق للمشاهد، مما يضرب في صميم احترام المجتمع للمرأة العاملة الكادحة التي تكافح بشرف لإعالة أسرتها. والمفارقة العجيبة ظهرت بوضوح عندما استعرض المسلسل نموذج الزوجة العاطفية التي تبحث عن الألفة والاحتواء وترغب في قضاء الوقت مع زوجها وإسعاده، حيث تم تحويل تلك المشاعر النبيلة إلى إلحاح مزعج يضيق به الرجل ذرعًا، لتكتمل دائرة الاختبار التعجيزي الذي يثبت أن الخلل يكمن في النظرة الدرامية القاصرة التي تحاكم النساء وتسد أمامهن كل سبل النجاح في العلاقة، وليس في طبيعة المرأة نفسها.

بالعودة إلى تاريخنا وسير عظمائنا، نجد أن المرأة كانت حاضرة بذكائها وعلمها وقوتها جنبًا إلى جنب مع الرجل، ولم يكن نجاحها يومًا سببًا في هدم بيتها، بل كان ركيزة لبناء مجتمع واعٍ ومتماسك. والفن رسالة، والدراما يجب أن تكون أداة للارتقاء بالوعي المجتمعي، لا وسيلة لترسيخ الصور السلبية وكسر أجنحة النساء الناجحات لتبدو شخصية البطل خالية من العيوب. وصناع الدراما يجب أن ينتبهوا إلى أن العنف الدرامي المعنوي الموجه ضد المرأة يساهم في بناء مجتمع غير متوازن تتسع فيه الفجوة بين شركاء الحياة.

نحن بحاجة إلى دراما تنصف المرأة وتظهرها كشريك فاعل وناجح في الميدان وفي المنزل معًا، فالمرأة هي اللبنة الأولى لتقدمنا، وما نراه على الشاشة أحياناً ليس إلا غبارًا يحتاج إلى جرعات من الوعي والتفكر لكي ينجلي، وتظهر الصورة الحقيقية للمرأة التي تمثل المجتمع كله، وليس مجرد محطة عابرة في سلسلة تجارب.

مقالات اخرى