خديجة خالد – نسوان فويس
في محافظة الضالع، حيث تُرسم حدود الحياة اليومية بقواعد القبيلة، وتبقى الكلمة العليا للرجل في معظم تفاصيل الحياة، تعيش كثير من النساء أدوارًا محدودة، يُنظر إليهن بوصفهن تابعًا لا شريكًا، وصوتًا هامشيًا لا يُستدعى إلا فيما ندر.
في هذا السياق، لا يكون الاختلاف سهلًا، ولا الخروج عن المألوف أمرًا عابرًا، بل مغامرة اجتماعية قد تُقابل بالرفض أو الاستغراب.
وسط هذا الواقع، يبرز الأستاذ فوزي محمد، لا كصوتٍ صاخب، بل كنموذج هادئ يختار أن يعيش قناعته. يؤمن أن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي أساسه، وأن دورها في بناء الأسرة والحياة لا يقل عن أي دور آخر، بل يتكامل معه.
هذا الإيمان لم يبقَ فكرة في ذهنه، بل تحوّل إلى سلوك يومي، وطريقة معاملة تُترجم احترامه للنساء الأقرب إلى حياته، بحسب كلام زوجته أم محمد لمنصة “نسوان فويس”.
سالم لقور: ما قام به الأستاذ فوزي محمد لا يمكن اختزاله في كونه لفتة رمزية عابرة، بل هو فعل اجتماعي يحمل دلالات عميقة في سياق بيئة تقليدية تحكمها الأعراف القبلية
كسر النمط التقليدي السائد
في لفتة بسيطة لكنها عميقة الدلالة، كرّم فوزي زوجته ووالدته وأخته وابنته، مقدّمًا لهن قطعًا ذهبية، كرسالة تقدير وامتنان، تزامنًا باليوم العالمي للمرأة، والذي صادف مطلع هذا الشهر.
لم تكن الهدية مجرد قطعة ذهب، بل كانت اعترافًا علنيًا بقيمتهن، وبالدور الذي يقمن به يوميًا دون أن يُحتفى به.
في مجتمع قد يرى في مثل هذه المبادرات خروجًا عن العرف، لم يكن ما فعله فوزي تحديًا مباشرًا، بل إعادة تعريف لما يجب أن يكون عليه التعامل داخل الأسرة.
استند في ذلك إلى فهم بسيط وعميق للدين، مستحضرًا معنى الحديث النبوي: “خيركم خيركم لأهله”، ليجعل من هذا المبدأ ممارسة يومية، لا مجرد قول يتداول، تقول زوجته.
هكذا، تحوّلت المبادرة من لفتة شخصية إلى موقف أخلاقي يعيد ترتيب العلاقة بين الرجل والمرأة، بعيدًا عن الهيمنة، وقريبًا من الاحترام.
نموذج يفتح بابًا للتغيير
يرى الباحث في علم الاجتماع سالم لقور أن ما قام به الأستاذ فوزي محمد لا يمكن اختزاله في كونه لفتة رمزية عابرة، بل هو فعل اجتماعي يحمل دلالات عميقة في سياق بيئة تقليدية تحكمها الأعراف القبلية.
ويقول في تصريح لمنصة ” نسوان فويس”: إن المجتمعات التي تهيمن فيها السلطة الذكورية تميل إلى إعادة إنتاج نفسها عبر تفاصيل الحياة اليومية، بدءً من طريقة التنشئة، وصولًا إلى توزيع الأدوار داخل الأسرة.
ويضيف لقور: أن تكريم المرأة داخل الأسرة، خصوصًا في سياق مثل الضالع، يُعدّ كسرًا هادئًا لبنية اجتماعية راسخة، حيث يُعاد تعريف مكانة المرأة ليس عبر الصدام مع المجتمع، بل عبر تقديم نموذج مختلف من الداخل.
فالتغيير – بحسب تعبيره – لا يبدأ من القوانين فقط، بل من الممارسات اليومية التي تعيد تشكيل الوعي الجمعي تدريجيًا.
كما يشير إلى أن مثل هذه المبادرات، رغم بساطتها، تسهم في إعادة الاعتبار الرمزي للمرأة، وتخلق نوعًا من النقاش المجتمعي غير المباشر، خاصة عندما تصدر من رجال يحظون بقبول اجتماعي.
ويؤكد أن “أخطر ما في الأعراف ليس وجودها، بل تحولها إلى مسلّمات غير قابلة للنقاش”، وأن كسر هذا الجمود يبدأ غالبًا من مبادرات فردية شجاعة، كتلك التي قام بها فوزي.
مشهد الأب وهو يقدّر المرأة ويرفع من مكانتها، يرسّخ لدى الأبناء نموذجًا صحيًا للعلاقة بين الجنسين، قائمًا على الاحترام لا الهيمنة
التقدير قوة داخلية
من جانبها، توضح الأخصائية النفسية منى أحمد لمنصة “نسوان فويس”: أن الأثر الحقيقي لمثل هذه المبادرات لا يكمن في قيمتها المادية، بل في المعنى النفسي الذي تحمله للمرأة.
فالتكريم كما تقول يلبّي احتياجًا إنسانيًا أساسيًا لدى المرأة، يتمثل في الشعور بالتقدير والاعتراف، وهو احتياج غالبًا ما يتم تجاهله في البيئات التي تحصر دورها في إطار الواجبات فقط.
وتشير إلى أن المرأة التي تعيش في مجتمع يقلّل من شأنها، قد تطوّر مع الوقت شعورًا داخليًا بالتهميش أو انخفاض القيمة الذاتية، حتى وإن لم تعبّر عن ذلك بشكل مباشر. لكن عندما تتلقى تقديرًا صادقًا من داخل أسرتها، فإن ذلك ينعكس على ثقتها بنفسها، وإحساسها بالأمان، وقدرتها على التعبير عن ذاتها.
وتضيف منى أحمد أن ما قام به فوزي لا يؤثر فقط على النساء اللواتي كرّمهن، بل يمتد أثره إلى الأجيال القادمة، خاصة الأطفال، الذين يتشكل وعيهم من خلال ما يرونه داخل المنزل. فمشهد الأب وهو يقدّر المرأة ويرفع من مكانتها، يرسّخ لدى الأبناء نموذجًا صحيًا للعلاقة بين الجنسين، قائمًا على الاحترام لا الهيمنة.
وتختم بالقول إن “أبسط الأفعال التي تحمل معنى التقدير قد تكون نقطة تحوّل في حياة إنسان، وأن بناء مجتمع متوازن نفسيًا يبدأ من أسرة يشعر فيها كل فرد بقيمته، لا من بيئة تُفرض فيها الأدوار دون اعتراف أو امتنان.”
التغيير يبدأ من داخل البيت
قصة فوزي محمد ليست مجرد حديث عن ذهبٍ قُدّم في مناسبة عابرة، بل هي قصة فكرة اختارت أن تتحول إلى فعل؛ حدث يفتح نافذة نحو مسار مختلف في بيئة قبلية تحصر أدوار النساء في أطر محدودة، ما يدفعنا للتساؤل: ماذا لو أصبح إنصاف المرأة هو القاعدة، لا الاستثناء؟

