أمومة تقاوم الحرب بصمت!

شارك المقال

 إكرام فرج – نسوان فويس 

في إحدى المحافظات البعيدة عن بيتها الأول، تجلس خديجة محمد كل مساء ترتب يومها كما ترتب خوفها، لا شيء في حياتها اليوم يشبه توقعاتها الأولى عن الأمومة.

كانت تظنها تعباً جميلاً تحفه الطمأنينة ودفء العائلة، لكنها تعيشها الآن معركة يومية من الصمود في غربة فرضتها الحرب.

تقول خديجة لـ “نسوان فويس”: “انتقلتُ إلى محافظة عدن بعيدة عن أهلي بسبب الحرب، وأصبحتُ الأم والأب والسند في آن واحد، الأمومة عندي لم تعد مجرد عاطفة، بل صمود يومي أمام الخوف والاحتياج والقلق”.

بين صدمة الحرب واكتئاب الصمت، تعترف خديجة بأنها مرت بفترات إنهاك نفسي شديد، لكنها لم تستطع البوح بحديثها: “كانت هناك ليالٍ أبكي فيها بصمت بعد أن ينام أطفالي، كنتُ أشعر بإرهاق نفسي وجسدي كبير، لكن الجميع يراني القوية التي يجب أن تتحمل”

بعد النزوح تضاعفت مسؤولياتها، لم يعد الأمر يقتصر على رعاية أطفالها، بل امتد ليشمل كل التفاصيل الصغيرة التي تصنع الاستقرار: التعليم، الصحة، توفير الاحتياجات الأساسية، ومحاولة خلق شعور بالأمان في واقع غير آمن.

حتى القرارات الصغيرة أصبحت عبئاً كبيراً، تختصر شعور سنوات في جملة واحدة: “ليالٍ من البكاء الصامت”.

بين صدمة الحرب واكتئاب الصمت، تعترف خديجة بأنها مرت بفترات إنهاك نفسي شديد، لكنها لم تستطع البوح بحديثها: “كانت هناك ليالٍ أبكي فيها بصمت بعد أن ينام أطفالي، كنتُ أشعر بإرهاق نفسي وجسدي كبير، لكن الجميع يراني القوية التي يجب أن تتحمل”.

في مجتمع يقدس صورة الأم المضحية بلا حدود، لم يكن الاعتراف بالتعب خياراً سهلاً، ولا تبدو معاناة خديجة حالة فردية معزولة.

وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن نحو واحد من كل خمسة أشخاص في مناطق النزاع يعاني من اضطراب نفسي بدرجات متفاوتة، من القلق إلى الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. وتؤكد المنظمة أن معدلات الاكتئاب ترتفع في البيئات المتأثرة بالحروب نتيجة التعرض المستمر للصدمات وفقدان الأمان.

وتقول خديجة: “كنتُ أخاف أن يُفهم تعبي كضعف أو تقصير، حين يقال لي الأم لازم تتحمل وتضحي، أشعر كأن مشاعري تُلغى، نعم أتحمل لكن من حقي أن أتعب، من حقي أن أُرى وأُسمع”.

الحرب لم تسرق بيتها فقط، بل سرقت شبكة الدعم التي كانت تحيط بها، ومع الضغوط الاقتصادية المتصاعدة أصبح القلق رفيقاً دائماً.

وتسترسل في حديثها: “أحياناً أشعر أنني أركض بلا توقف فقط لأبقي الأمور مستقرة، وهذا الاستنزاف ترك أثراً نفسياً عميقاً”.

حين يصبح العلاج خطوة شجاعة

رغم الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية، لجأت خديجة إلى جلسات علاج نفسي عبر الإنترنت، كما تناولت أدوية مضادة للاكتئاب، وكانت تلك الخطوة بالنسبة لها محاولة للنجاة ليس لنفسها فقط بل لأطفالها أيضاً.

 

لا تقتصر المشكلة على الوصمة بل تمتد إلى فجوة حادة في الخدمات، إذ تشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى محدودية خدمات الصحة النفسية في اليمن وتركزها في المدن الكبرى، في وقت تعيش فيه نساء كثيرات في مناطق ريفية أو نازحة تفتقر إلى أدنى مقومات الدعم المتخصص، إضافة إلى العوائق الاقتصادية وصعوبة تحمل تكاليف العلاج والمواصلات.

 

وتوضح الأخصائية النفسية نورا خالد أهمية التفريق بين اكتئاب ما بعد الولادة والاكتئاب الناتج عن ضغوط الحياة المزمنة في سياق النزاعات. وتشرح أن اكتئاب ما بعد الولادة اضطراب مرتبط بفترة زمنية محددة بعد الإنجاب، ويصيب عالمياً ما بين 10% إلى 20% من النساء، وقد ترتفع النسبة في الدول منخفضة الدخل أو المتأثرة بالنزاعات.

أما الاكتئاب المرتبط بالحرب فهو تراكم نفسي طويل الأمد، يتشكل نتيجة الصدمات المستمرة والنزوح والفقر والشعور بالعجز.

وفي السياق اليمني، تشير تقارير اليونيسف إلى أن ملايين الأطفال بحاجة إلى دعم نفسي اجتماعي في ظل سنوات الحرب الممتدة، ويحذر مختصون من أن استقرار الأم النفسي يشكل حجر الأساس في التوازن العاطفي للطفل، ما يجعل تجاهل معاناة الأمهات قضية تتجاوز الإطار الفردي إلى تأثير مجتمعي طويل الأمد.

الحرب وتفكك الأدوار

ترى الناشطة المجتمعية أروى العكبري أن صورة الأم الصابرة المضحية نتاج تراكم ثقافي وديني واجتماعي طويل، جرى فيه تمجيد الأم بوصفها رمزاً للتضحية المطلقة، دون الاعتراف بكونها إنسانة لها حدود نفسية وجسدية.

وتقول إن المجتمع اليمني رفع مكانة الأم إلى مرتبة عالية وهذا في ظاهره تكريم، لكنه أحياناً يتحول إلى عبء. فحين تُختزل فضيلة الأم في قدرتها على الاحتمال فقط، تصبح مشاعره الخاصة؛ غضبها وتعبها وحتى انهيارها أموراً غير مسموح بها. وتضيف أن الحرب أعادت تشكيل بنية الأسرة وأدوارها بشكل جذري.

وتؤكد تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء في سياقات النزاعات المسلحة يتحملن أعباء غير متكافئة، خاصة مع فقدان المعيل أو النزوح، دون أن يقابل ذلك دعم نفسي أو اجتماعي كافٍ.

ويأتي ذلك في سياق واحدة من أكبر أزمات النزوح داخلياً في العالم، إذ تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى نزوح ملايين اليمنيين منذ اندلاع الحرب، نسبة كبيرة منهم من النساء والأطفال، ما ضاعف الضغوط الاقتصادية والنفسية داخل الأسر النازحة.

عوائق أمام طلب الدعم

تُعدد نورا خالد أبرز العوائق التي تمنع الأمهات من الوصول إلى خدمات الدعم النفسي، ومنها الوصمة الاجتماعية التي تفسر الاكتئاب كضعف إيمان أوقلة صبر، والصورة المثالية للأمومة التي تجعل الاعتراف بالتعب يُنظر إليه كتقصير.

ولا تقتصر المشكلة على الوصمة بل تمتد إلى فجوة حادة في الخدمات، إذ تشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى محدودية خدمات الصحة النفسية في اليمن وتركزها في المدن الكبرى، في وقت تعيش فيه نساء كثيرات في مناطق ريفية أو نازحة تفتقر إلى أدنى مقومات الدعم المتخصص، إضافة إلى العوائق الاقتصادية وصعوبة تحمل تكاليف العلاج والمواصلات.

من الخاص إلى العام

تؤكد العكبري أن معاناة الأمهات تُختزل غالباً في إطار فردي؛ لأنها تحدث داخل جدران المنازل، بعيداً عن النقاش العام وصنع السياسات. وحين تبكي الأم ليلاً أو تعيش اكتئاباً صامتاً، يُنظر إلى الأمر كمشكلة شخصية أو ضعف إيمان، لا كأثر مباشر للحرب والفقر وانعدام الخدمات، وهو ما يعفي الدولة والمجتمع من مسؤولية توفير الدعم النفسي والاجتماعي.

تحذر نورا بدورها من أن الاكتئاب غير المعالج لدى الأم لا يتوقف أثره عندها، بل يمتد إلى أطفالها، في صورة قلق مفرط، سلوك عدواني أو انسحاب اجتماعي، صعوبات دراسية، وضعف في التنظيم الانفعالي، وقد يؤثر في علاقة التعلق بين الأم والطفل، خصوصاً في السنوات الأولى من العمر.

خطاب أكثر إنسانية

تدعو العكبري إلى إعادة صياغة الخطاب المجتمعي حول الأمومة ليكون أكثر واقعية وإنسانية. وتقول: “نحن بحاجة إلى أن نقول بوضوح الأم ليست آلة صبر، بل إنسانة تتعب وتغضب وتحتاج إلى من يحتويها، الاعتراف بتعبها لا ينتقص من أمومتها، بل يحميها ويحمي أطفالها”. وتختم بقولها: “الأم القوية ليست التي لا تنكسر أبداً، بل التي تجد مساحة آمنة لتقول أنا متعبة”.

قصة خديجة ليست استثناء، بل وجه من وجوه أمومة تعيش تحت ضغط الحرب، أمومة تخفي تعبها كي لا تهتز صورة القوية، وتؤجل دموعها إلى ما بعد نوم الأطفال. لكن بين صمت الليل وجمر المسؤولية، تبقى الحقيقة واضحة بأن الأم لا تحتاج فقط إلى أن تُطالب بالتضحية، بل إلى أن يُعترف بإنسانيتها أولاً.

تم توليد الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي عبر أداة جمناي 

مقالات اخرى