الموائد الرمضانية في اليمن.. كرم اجتماعي أم عبء مالي وإرهاق للنساء؟

شارك المقال

سلام شرقي – نسوان فويس

منذ سنوات تتمسك أسرة عبد الله العنسي في العاصمة صنعاء بعادة العزائم، كواحدة من العادات التي تتميز بها الأسر اليمنية خلال شهر رمضان المبارك في مختلف المحافظات.
يقول العنسى لـ “نسوان فويس”: “هي نعمة منّ الله بها عليّ، أحرص عليها باستمرار منذ 17 عاماً، والحمدالله نجتمع على سفرة العشاء طوال ليالي الشهر الكريم”.

سلوك سنوي متعارف

بعد الإفطار وأداء صلاة المغرب، يأخذ العنسي عددًا من العاملين في الحي الذي يقع فيه متجره في سيارته، فيما يرسل أحد أبنائه لأخذ أقاربه من أماكن عملهم، ثم يتوجه الجميع إلى منزله لتناول وجبة العشاء، وبعد الانتهاء، يعيدهم إلى الجامع القريب من متجره لأداء الصلاة .

هذه العادة لا تقتصر على أسرة العنسي وحدها، بل تكاد تكون سمة مشتركة على طول الجغرافيا اليمنية مع اختلاف العادات؛ فإلى جانب العزائم المنزلية، ينظّم البعض موائد إفطار في المساجد، وأخرى في الحارات والميادين العامة، وحتى على طرقات السفر.

وعلى الرغم من عدم توفر أبحاث توثق تاريخ هذه العادة، يشير الدكتور عبدالوهاب الآنسي( 65 عاماً)، طبيب الصحة العامة ومن أبناء صنعاء القديمة، إلى أنها ترافق اليمنيين منذ عقود طويلة، وتعكس قيم الكرم والترابط والتكافل الاجتماعي بينهم.

وأشار في حديث لـ برنامج “اليمن بودكاست” أن هذه العادة لازمت اليمنيين حتى خارج البلاد. شارحاً تجربة مر بها عام 2009، حيث قال: ” كنت في كينيا، وقابلت أحد اليمنيين المقيمين هناك، وكان يقيم مائدة عشاء كل يوم جمعة بعد الإفطار، إضافة إلى موائد يومية طوال شهر رمضان، وكنت من بين الذين أصرّ على دعوتهم لتناول العشاء في منزله خلال ليالي الشهر الكريم”.

ويضيف أن زوجة الرجل كانت تحرص على تنويع الوجبات، إذ غالباً ما تجد طبقاً مختلفاً في كل مرة.

 

زوجاتي لهن الفضل بعد الله في استمرارنا بهذه العادة، صحيح أنهن يشعرن بالإرهاق بسبب تجهيز سفرة مليئة بأصناف متعددة من الوجبات وبكميات كبيرة، لكنهن يقابلن ذلك بابتسامة، ودائماً يذكرنني بدعوة بعض الأقارب إن نسيتهم، ويحرصن على تجهيز مستلزمات المطبخ مبكراً، والخروج لشراء ما يلزم من احتياجات التحضير

عادة عمودها المرأة 

 يتحدث عبد الله العنسي عن دور المرأة في استمرار هذه العادة قائلاً: “الحمد لله أنا متزوج بامرأتين في شقتين داخل منزل واحد، وفي كل ليلة تقوم واحدة منهما بإعداد المائدة بالتناوب”.

ويرجع العنسي الفضل إلى زوجاته في استمرار هذه العادة: “زوجاتي لهن الفضل بعد الله في استمرارنا بهذه العادة، صحيح أنهن يشعرن بالإرهاق بسبب تجهيز سفرة مليئة بأصناف متعددة من الوجبات وبكميات كبيرة، لكنهن يقابلن ذلك بابتسامة، ودائماً يذكرنني بدعوة بعض الأقارب إن نسيتهم، ويحرصن على تجهيز مستلزمات المطبخ مبكراً، والخروج لشراء ما يلزم من احتياجات التحضير”.

موجهاً الدعوة لكل من يستطيع إحياء هذه العادة، والاستمرار فيها، خاصةً في ظل الوضع الاقتصادي السيء لكثير من الأسر اليمنية ” أعرف بعض الأصدقاء كانوا يحيون هذه العادة لسنوات، لكنهم توقفوا مؤخراً بسبب ضيق الحال، وهم يشعرون بالحزن لذلك، في المقابل أجد أن من المهم أن أوجه الدعوة لكل الذين ما يزالون يملكون القدرة على أحياء العادة، لما في ذلك من مردود نفسي واجتماعي، لا يقتصر على تعزيز الشعور بالرضا عن النفس، والمساهمة في غرس قيم التكافل والمحبة الاجتماعية بين الناس”.

العزائم وتشارك السفرة مع آخرين، سلوك رفيع وسامي، كفيل ببناء علاقات طيبة، وتوطيد قيم التكافل والترابط الاجتماعي، ويؤسس لحياة اجتماعية صحية، كما يساهم في منح الأشخاص استقراراً نفسياً ينبع من قيمة العطاء

تعزيز الروابط الاجتماعية

يحرص اليمنيون على تنظيم الإفطار الجماعي باستمرار، سواء في المنازل أو المساجد أو التجمعات العائلية المختلفة، ومؤخراً بدأت بعض المؤسسات والشركات بدعم إقامة موائد الإفطار الجماعي بهدف الحفاظ على هذه العادة لما لها من أثر اجتماعي مهم.

في هذا السياق تشير الأخصائية الاجتماعية، أنسام ياسين، إلى أن لهذه العادة دوراً كبيراً في بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز العلاقات بين الناس.

وتقول في حديث لـ “نسوان فويس”:”العزائم وتشارك السفرة مع آخرين، سلوك رفيع وسامي، كفيل ببناء علاقات طيبة، وتوطيد قيم التكافل والترابط الاجتماعي، ويؤسس لحياة اجتماعية صحية، كما يساهم في منح الأشخاص استقراراً نفسياً ينبع من قيمة العطاء”.

لكنها تنوه إلى نقطة مهمة، إذ تقول: “عندما تكون العزومات في بيوتنا دائمة طوال شهر رمضان، فيجب علينا حسن الاختيار، وليس دعوة الجميع إلى المنزل”.

وتستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقيّ”.

وتضيف: “هذا الميزان يجب أن يكون حاضراً في أذهاننا عندما ندعو الآخرين إلى بيوتنا، يمكن للإنسان أن يحسن إلى الجميع، لكن عليه أيضاً أن يكون عادلاً في حق نفسه وأسرته عندما يُدخل الناس إلى بيته”.

النزوح يغيّر العادة

ولعل توقف الكثيرين عن إقامة الموائد الرمضانية، يلفت الانتباه إلى احتمالات تراجع انتشار هذه العادة المجتمعية، أو اقتصارها على أنشطة أقل تأثيراً، مثل موائد إفطار الصائمين دون إقامة التجمعات المنزلية.

تقول أم إيمان (39 عاماً) من محافظة الحديدة: “قبل النزوح كنا نقيم مأدبة إفطار وعشاء للنساء في الحي خلال ليالي رمضان، وبعدها نعقد حلقة لقراءة القرآن باستمرار، لكن بعد النزوح توقف كل شيء؛ لا مائدة، ولا حلقات قراءة، ولا أحاديث ونقاشات كما كنا نفعل، وغالباً ما نكتفي الآن باتصال هاتفي قصير أو رسالة”.

ويعكس حديث أم إيمان إحدى الثمار الاجتماعية للعزائم الرمضانية التي تجمع الأسر وتوثق أواصر العلاقات، وتبني روابط قد تستمر لسنوات طويلة.

من جهتها تحذر ياسين من الفجوة التي يتركها غياب اللقاءات الاجتماعية، داعية المقتدرين إلى الاستمرار في هذه العادة حتى بالحد الأدنى.

وتتابع: “اللقاءات الأسرية حتى على كوب قهوة أفضل من الانقطاع أو الاكتفاء بوسائل التواصل الإلكترونية في التواصل الأسري والاجتماعي”.

ورغم كل التحديات الاقتصادية والظروف الصعبة التي يعيشها اليمن، يبقى شهر رمضان موسماً للخير وفرصة لإحياء التواصل بين أفراد الأسرة والمجتمع، وتجسيد قيم التكافل والتراحم وصلة الرحم والتزاور بين الناس.

مقالات اخرى