التعليم المهني.. سلاح المرأة اليمنية نحو الاستقلال الاقتصادي

شارك المقال

خديجة خالد – نسوان فويس

في وقتٍ تتصاعد فيه الدعوات إلى تمكين المرأة اقتصادياً، يبرز التعليم المهني والتقني كأحد المسارات العملية التي تفتح أمام الفتيات أبواباً جديدة خارج القوالب التقليدية للتعليم والعمل. وبين أرقامٍ تكشف محدودية الإقبال، وتجارب فردية تؤكد القدرة على كسر الحواجز، تتشكل صورة أوضح عن واقع التحاق الفتيات بالمعاهد التقنية والفنية، وما يرافقه من تحديات وفرص.

الواقع الحالي للتعليم المهني للنساء

يعكس واقع التعليم المهني للنساء تبايناً واضحاً بين محدودية الإقبال في بعض التخصصات التقنية، مقابل حضور ملحوظ في مجالات تُعد أكثر قبولاً اجتماعياً. فبين أرقام تكشف فجوة في الالتحاق، وتجارب فردية تؤكد قدرة الفتيات على اقتحام تخصصات نوعية، تتضح ملامح مرحلة انتقالية ما يزال فيها التعليم المهني للمرأة يسير بين تحديات النظرة المجتمعية وفرص التمكين العملي.

في حديثه لـ “نسوان فويس” أكد عبدالله بدية، مدير المعهد التقني الصناعي بالمعلا، إلى أن التحاق الفتيات بالمعهد ما يزال محدوداً مقارنة بالذكور، إلا أن هناك تخصصات تشهد إقبالاً نسوياً ملحوظاً، أبرزها الجرافيك والتصوير الفوتوغرافي، حيث يبلغ عدد الطالبات في قسم الجرافيك ثماني طالبات، وفي قسم التصوير (المستوى الأول) 12 طالبة.

وأوضح أن الفتاة يمكنها أيضاً الالتحاق بتخصص دبلوم الاتصالات (النظام الهولندي)، مشيراً إلى أنه خلال فترة عمله رئيساً لقسم الاتصالات تم تسجيل مجموعة من الطالبات في السنة الأولى، غير أن العدد تقلص حالياً إلى طالبتين فقط في المستوى الثاني.

ولفت بدية إلى أن بعض التخصصات ما تزال شبه حكراً على الذكور، بحكم طبيعة بعض الأقسام الفنية والصناعية، إضافة إلى اعتبارات اجتماعية تؤثر على إقبال الفتيات. أما أبرز التحديات التي تواجه الطالبات فتتمثل في محدودية الأعداد وضعف الإقبال على بعض التخصصات التقنية، رغم توفر فرص الدراسة فيها.

 

يعكس واقع التعليم المهني للنساء تبايناً واضحاً بين محدودية الإقبال في بعض التخصصات التقنية، مقابل حضور ملحوظ في مجالات تُعد أكثر قبولاً اجتماعياً. فبين أرقام تكشف فجوة في الالتحاق، وتجارب فردية تؤكد قدرة الفتيات على اقتحام تخصصات نوعية

 

تقول مروى سالم، خريجة دبلوم الاتصالات من المعهد التقني، لـ” نسوان فويس”: إنها اختارت التعليم المهني لقناعتها بأنه مسار عملي يختصر الوقت ويمنحها مهارات مباشرة تؤهلها لدخول سوق العمل سريعاً، بدلاً من الانتظار لسنوات طويلة دون فرصة واضحة. وأوضحت أن شغفها بالمجال التقني ورغبتها في إثبات قدرة الفتاة على خوض تخصصات تقنية كانا دافعين أساسيين لاتخاذ هذا القرار.

لم يكن طريق مروى مفروشاً بالورود؛ فقد اصطدمت طموحاتها في مجال الاتصالات بجدران التحفظ الاجتماعي التي تحصر التقنية في عالم الرجال. لكن إيمان أسرتها بقدراتها كان الدرع الذي واجهت به تلك النظرة القاصرة. اليوم، لم يعد التدريب مجرد شهادة، بل تحول إلى مهارة تدر دخلاً، سواء عبر الصيانة أو التخطيط لمشروعها الخاص، لتمضي واثقةً بأن التعليم المهني هو الذي أعاد صياغة استقلالها.

البعد الاقتصادي والتمكين

 صفاء فاضل، صاحبة مشروع مكتب يمانيات للتسويق الإلكتروني، قالت في حديثها لـ “نسوان فويس”: إن التدريب المهني كان نقطة التحول الأساسية في بدء مشروعها، موضحة أنها موّلت بنفسها دورات في التسويق الإلكتروني وكتابة المحتوى، ما مكّنها من العمل كمسوّقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تتوسع فكرتها. وأضافت أن مشاركتها في برنامج تدريبي استمر عدة أشهر عززت مهاراتها وثقتها، وشجعتها على تحويل الفكرة إلى مشروع قائم لسد فجوة واضحة في السوق.

وأشارت فاضل إلى أن مشروعها وفّر لها دخلاً مستقراً ومتنامياً، مكّنها من الاعتماد على نفسها مالياً. كما أكدت أن تحقيق دخل خاص بها انعكس إيجاباً على وضعها داخل الأسرة، وعزّز ثقة أهلها بها، رغم وجود تحفظات اجتماعية بسيطة في البداية سرعان ما تلاشت مع نجاح التجربة.

من جانبه، يرى الصحفي الاقتصادي نبيل الشرعبي أن التعليم المهني يُعد من الحلول الفاعلة لتقليص بطالة النساء، خاصة بعد أن ظل لسنوات موجهاً في معظمه للذكور بسبب طبيعة بعض التخصصات والنظرة الاجتماعية السائدة. إلا أن استحداث أقسام جديدة مثل صيانة الإلكترونيات، والتصميم، والديكور أسهم في فتح المجال أمام النساء، وحقق أثراً ملموساً في خفض البطالة بين المتعلمات.

ويؤكد في حديثة لـ” نسوان فويس”: أن المشاريع الصغيرة النسوية يمكن أن تسهم في تحريك الاقتصاد المحلي متى ما انتقلت من أنشطة غير منظمة إلى مشاريع قائمة على إدارة وتخطيط واضحين. ويشير إلى أن قطاعات مثل مستحضرات العناية بالبشرة، والعطور، والمشغولات اليدوية ومكملات الديكور تُعد من أكثر المجالات جدوى للنساء، نظراً لاتساع سوقها واستمرارية الطلب عليها.

العدالة الجندرية وتغيير النظرة المجتمعية

ترى الدكتورة أمنية محمد، الناشطة في قضايا تمكين المرأة، أن التعليم المهني يُعد أداة مهمة لتعزيز العدالة بين الجنسين، كونه يفتح مجالات عمل عملية أمام النساء خارج الإطار التقليدي الذي حصر خياراتهن لسنوات طويلة في التدريس أو التمريض.

وتؤكد في حديثها لـ”نسوان فويس”: أن التعليم المهني يمنح فرصاً لفئات قد لا تتمكن من استكمال التعليم الجامعي، ويعزز المهارات العملية والقدرات الإبداعية بعيداً عن النظرة النمطية التي تربط القيمة الاجتماعية بالشهادة الأكاديمية فقط.

وتشير إلى أن الحاجة إلى هذا النوع من التعليم أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل الظروف الاقتصادية والحرب، إذ يمكن أن يوفر للنساء مصدر دخل واستقلالية أكبر، ويمنحهن شعوراً بالانتماء والإنتاج.

إلا أنها توضح أن أبرز القيود التي ما تزال تعيق النساء تتمثل في العادات والتقاليد التي تحصر بعض المهن بالرجال، مثل الميكانيكا أو الكهرباء أو الأعمال الحرفية، إضافة إلى اشتراطات تعليمية قد تحرم فتيات لم يُكملن دراستهن من الالتحاق بالمعاهد.

كما أن النظرة المجتمعية السلبية تجاه العمل المهني تمثل عائقاً مضاعفاً أمام النساء، ما يستدعي جهداً مؤسسياً وتوعوياً لتغيير هذه الثقافة وفتح المجال أمام مشاركة نسوية أوسع في مختلف التخصصات. تقول أمنية.

كما أكد الباحث الاجتماعي الدكتور فضل الربيعي أن التعليم الفني والمهني يشكل أهمية كبيرة في حياة المرأة، خاصة في المرحلة الراهنة التي تتعزز فيها أدوارها الاجتماعية والاقتصادية.

وأوضح خلال حديثه لـ”نسوان فويس”: أن كثيراً من الأعمال الفنية كانت في السابق محصورة على الرجال، إلا أن المرحلة الحالية شهدت انخراط النساء في معاهد التدريب الفني والتعليم المهني، من خلال الدورات التي تنظمها جهات مدنية واجتماعية متعددة، ما مكّن العديد منهن من اكتساب مهن عملية والانخراط في سوق العمل.

وأشار إلى أن بعض النساء أصبحن يمارسن أعمالاً فنية في مجالات متعددة، لافتاً إلى أن ما تتحلى به المرأة من صبر ودقة يساعدها على إتقان العديد من المهن، سواء في صيانة بعض الأجهزة أو في أنشطة مرتبطة بالاقتصاد المنزلي والمشاريع الصغيرة.

ورغم هذا التقدم، يرى الربيعي أن بعض العادات والتقاليد ما تزال تشكل عائقاً أمام تعليم المرأة أو عملها في المجالات المهنية، ما يتطلب وعياً مجتمعياً أكبر بأهمية حضور المرأة في هذا القطاع.

وأضاف أن وجود مدربات ومعلمات في التعليم الفني من شأنه أن يعزز استقرار العملية التعليمية ويشجع مزيداً من الفتيات على الالتحاق به، كما حدث في التعليم العام والثانوي حيث أثبتت المرأة حضوراً فاعلاً ومؤثراً.

التحديات والفرص المستقبلية

أكد المهندس فيصل محمد، مدير مكتب وزارة الصناعة والتجارة، أن سوق العمل المحلي بحاجة فعلية إلى مهارات فنية ومهنية نسوية، مشيراً إلى أن مشاركة المرأة في القطاعات الإنتاجية والخدمية تمثل إضافة نوعية، خاصة في المجالات التي تتطلب دقة وتنظيماً وتعاملاً مباشراً مع المستهلكين.

وأوضح في حديثه لـ “نسوان فويس”: أن السوق يشهد توسعاً في الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، ما يفتح المجال أمام الكفاءات النسوية المدربة للانخراط فيه بفعالية، سواء عبر التوظيف أو من خلال إنشاء مشاريع خاصة.

وفيما يتعلق بالشراكات، أشار إلى أنه لا توجد حالياً شراكات مباشرة بين القطاع الخاص والمعاهد المهنية، الأمر الذي يستدعي العمل على بناء جسور تعاون مستقبلية تسهم في مواءمة مخرجات التعليم الفني مع احتياجات السوق، وتعزز فرص التشغيل أمام الخريجات.

 الشرعبي: إن قطاعات مثل مستحضرات العناية بالبشرة، والعطور، والمشغولات اليدوية ومكملات الديكور تُعد من أكثر المجالات جدوى للنساء، نظراً لاتساع سوقها واستمرارية الطلب عليها.

ويرى المهندس بسام السنمي، المختص في مجال الطاقة البديلة، أن التحاق النساء بالمعاهد التقنية ودراسة تخصصات مثل الطاقة الشمسية أو الصيانة أمر ممكن ولا يواجه إشكالاً من حيث التأهيل العلمي. لكنه يلفت إلى أن العمل الميداني كفنية في بعض المهن الحرفية ما يزال محدوداً بحكم طبيعة السوق والعادات السائدة، حيث يندر وجود نساء في مهن كالنجارة أو السباكة أو الأعمال الحرفية الثقيلة.

وأشار خلال حديثه لـ “نسوان فويس” إلى أن الفرص الواعدة أمام النساء في قطاع الطاقة البديلة تتركز في الجوانب الإشرافية والتصميمية وإدارة المشاريع، إضافة إلى العمل كمقاولات في تنفيذ الأنظمة، وهي مجالات يمكن أن تحقق حضوراً نسوياً أكبر خلال المرحلة المقبلة.

في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، لم يعد التعليم المهني خياراً ثانوياً للنساء، بل مساراً عملياً يفتح أبواب الاستقلال والإنتاج. وبين أرقام تكشف محدودية الإقبال، وتجارب تثبت القدرة على كسر القيود، تتضح الحاجة إلى سياسات أكثر دعماً، وشراكات أوسع مع سوق العمل، وجهود مجتمعية تُعيد الاعتبار للمهن التقنية بعيداً عن النظرة النمطية.

إن تمكين المرأة مهنياً لا يعني فقط توفير فرصة عمل، بل بناء ثقة، وتعزيز دور داخل الأسرة والمجتمع، وتحريك عجلة اقتصاد محلي يحتاج إلى كل يدٍ منتجة.

تم توليد الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي عبر أداة جمناي 

مقالات اخرى