حضرموت – إكرام فرج
في فناء منزلها الصغير، بأحد الأحياء الشعبية بمدينة المكلا، تبدأ أم أحمد يومها قبل شروق الشمس توقد الموقد ” التنور”، وتعجن الدقيق بصمت بينما ينام أطفالها الثلاثة في الغرفة المجاورة.
قبل سنوات قليلة لم تكن تتخيل أنها ستصبح المعيل الوحيد لأسرتها، لكن إصابة زوجها بمرض مزمن جعلته عاجزاً عن العمل، لتجد نفسها فجأة أمام مسؤولية تأمين الطعام والدواء ومصاريف المدرسة.
تقول أم أحمد وهي ترتب أرغفة الخبز الساخنة في سلة بلاستيكية صغيرة، “في البداية كنت أخبز فقط لأهل البيت، ثم بدأت الجارات يطلبن مني خبز إضافي، وبعدها صار الناس يأتون من الحي كله.”
تبيع يومياً عشرات الأرغفة التي توزعها على بقالة قريبة أو تبيعها مباشرة للجيران، العائد بسيط ولكنه يكفي بالكاد لتأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة.
لا تعتبر أم أحمد نفسها صاحبة مشروع أو امرأة عاملة بالمعنى التقليدي، لكنها تدرك أن ما تقوم به هو ما يبقي أسرتها واقفة.
بينما تقول بابتسامة خجولة بأنها “لا تريد أكثر من أن ترى أولادها يكملون تعليمهم، وهذا هو الحلم الوحيد.”
في الأسواق الشعبية وعلى أطراف الحقول الزراعية، أو داخل المنازل حيث يٌخبز الخبز البلدي ويباع للجيران، تعمل نساء يمنيات بصمت، أعمال قد تبدو عادية، لكنها بالنسبة لأسرهن مسألة بقاء في ظل ظروف اقتصادية قاسية، فرضتها سنوات الحرب وتراجع فرص العمل.
في كل عام يحتفي العالم في الثامن من مارس باليوم العالمي للمرأة، وتتصدر المشهد قصص نساء وصلن إلى مواقع قيادية أو حققن نجاحات لافتة في مجالات السياسة والاقتصاد، غير أن خلف هذه الصور الاحتفالية تقف آلاف النساء اللواتي يعملن بعيداً عن الأضواء، في مهن بسيطة وغير مرئية، لكنهن يحملن على عاتقهن مسؤولية إعالة أسر كاملة.
في الأسواق الشعبية وعلى أطراف الحقول الزراعية، أو داخل المنازل حيث يٌخبز الخبز البلدي ويباع للجيران، تعمل نساء يمنيات بصمت، أعمال قد تبدو عادية، لكنها بالنسبة لأسرهن مسألة بقاء في ظل ظروف اقتصادية قاسية، فرضتها سنوات الحرب وتراجع فرص العمل.
تحول المرأة إلى المعيل الأساسي للأسرة، غالباً ما يأتي نتيجة ظروف قاهرة، مثل وفاة المعيل أو مرضه أو فقدان مصدر الدخل بسبب الأزمات الاقتصادية.
حين تتغير الأدوار داخل الأسرة
يقول الدكتور ياسر الصلوي أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، إن بنية الأسرة التقليدية تقوم في الغالب على تقسيم واضح للأدوار، حيث يتولى الرجل مسؤولية الإعالة بينما تضطلع المرأة بمهام الرعاية المنزلية، لكن هذا التوازن يتغير عندما تضطر المرأة إلى تولي دور المعيل.
ويضيف أن المرأة المعيلة تجد نفسها أمام أعباء جديدة لم تكن ضمن أدوارها السابقة، إذ تتحمل مسؤولية توفير الدخل إلى جانب استمرارها في أداء مهامها الأسرية المعتادة، مثل تربية الأبناء وإدارة شؤون المنزل.
وبحسب الصلوي فإن هذا التحول يضع المرأة أمام تعدد في الأدوار، فهي في آن واحد أم ومسؤولة عن الرعاية، ومعيل اقتصادي للأسرة، ما يخلق ضغوطاً كبيرة عليها، خصوصاً عندما يتطلب الأمر تلبية احتياجات الأسرة اليومية في ظل موارد محدودة.
كثير من الأعمال التي تقوم بها النساء المعيلات في اليمن تقع ضمن ما يعرف بالاقتصاد غير الرسمي، وهو قطاع واسع لكنه غير منظم ولا يخضع لإحصاءات دقيقة.
صراع الأدوار والضغط النفسي
يشير الصلوي إلى أن هذا الوضع قد يؤدي إلى ما يعرف اجتماعياً بصراع الأدوار، حين تجد المرأة نفسها عاجزة أحياناً عن التوفيق بين متطلبات العمل ومتطلبات الأسرة.
ويؤكد أن هذا الصراع قد ينعكس في شكل ضغوط نفسية كبيرة، خاصة في بيئة اقتصادية صعبة كالتي يعيشها المجتمع اليمني حالياً.
ورغم أن هذا التحول قد يبدو مرهقاً في كثير من الأحيان، إلا أن الصلوي يرى أنه قد يحمل جانباً إيجابياً أيضاً، إذ يمنح بعض النساء فرصة لإعادة تشكيل أدوارهن داخل الأسرة والمجتمع، ويعزز من حضورهن وقدرتهن على اتخاذ القرار.
لكن النظرة الاجتماعية لعمل المرأة بحسبه لا تزال في كثير من الحالات محكومة بالعادات والتقاليد، فبعض الأسر ما تزال ترى أن عمل المرأة يجب أن يبقى ضمن حدود معينة لا تتجاوز الأعراف السائدة، ما يعني أن التغيير في النظرة المجتمعية لدور المرأة المعيلة ما يزال جزئياً ولم يتحول إلى تحول اجتماعي كامل.

اقتصاد غير مرئي
كثير من الأعمال التي تقوم بها النساء المعيلات في اليمن تقع ضمن ما يعرف بالاقتصاد غير الرسمي، وهو قطاع واسع لكنه غير منظم ولا يخضع لإحصاءات دقيقة.
يقول الصحفي والباحث الاقتصادي وفيق صالح إن الاقتصاد غير الرسمي يشكل نسبة كبيرة من الأنشطة الاقتصادية في اليمن، حيث تتجاوز هذه الأنشطة 70 % من إجمالي النشاط الاقتصادي، ويعمل فيها العدد الأكبر من السكان.
ويضيف أن هذه النسبة ارتفعت خلال العقد الأخير نتيجة الحرب واستمرار الصراع، الأمر الذي دفع كثيراً من الأسر إلى البحث عن مصادر دخل بديلة خارج الاقتصاد الرسمي.
ويشير صالح إلى أن النساء يشكلن جزءاً مهماً من هذا القطاع، إذ يعملن في أنشطة منزلية أو صغيرة مثل إعداد وبيع الطعام، أو الأعمال الزراعية، أو خدمات بسيطة أخرى، غير أن طبيعة هذه الأنشطة تجعل من الصعب رصدها أو قياس حجمها الحقيقي، لأنها غير مسجلة رسمياً ولا تخضع للقوانين واللوائح المنظمة للعمل.
عمل بلا حماية
ورغم الدور الاقتصادي الذي تؤديه هذه الأنشطة في دعم الأسر، فإنها غالباً ما تفتقر إلى الحماية القانونية أو الضمانات الاجتماعية.
يوضح صالح أن معظم هذه الأعمال تعتمد على رأس مال محدود جداً، وغالباً ما تبدأ من خلال الاقتراض البسيط أو بيع المدخرات والممتلكات الشخصية، كما أن العاملات في هذا القطاع يضطررن أحياناً للعمل لساعات طويلة في ظروف صعبة دون أي شكل من أشكال التأمين أو الاستقرار المهني.
ويؤكد أن غياب التنظيم الرسمي لهذه الأنشطة يفتح الباب أحياناً أمام أشكال مختلفة من
الاستغلال، سواء من حيث طول ساعات العمل أو ضعف العائد المالي.
الحاجة إلى سياسات داعمة
ويرى صالح أن إدماج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الوطني يمثل خطوة أساسية لتحسين أوضاع العاملين فيه خاصة النساء المعيلات.
ويقترح صالح أن يتم ذلك عبر تقديم تسهيلات مالية وقانونية، مثل الإعفاءات الضريبية للمشاريع الصغيرة، وإنشاء بنوك تمويل متخصصة لدعم المشاريع الصغيرة والأصغر.
كما يشدد على أهمية تقديم الدعم الفني والمالي من قبل الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والمانحين، بما يساعد هذه الأنشطة على الاستمرار والنمو، ويمنح النساء العاملات فيها قدراً أكبر من الأمان الاقتصادي.
وجوه غير مرئية
في يوم المرأة العالمي قد لا تظهر هؤلاء النساء في حملات الاحتفاء أو على منصات التكريم، لكن خلف كل رغيف خبز يخبز في منزل صغير، أو محصول يقطف من حقل متعب، أو منزل ينظف لساعات طويلة، تقف قصة امرأة تحاول أن تبقي أسرتها على قيد الحياة.
نساء بلا منصات لكنهن يحملن أدوار أكبر من أي خطاب احتفالي، إذ يصنعن بصمت اقتصاد كامل غير مرئي ويحمين أسرهن من السقوط.
تم إنشاء الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي عبر أداة ميتا

