بشرى الغيلي – نسوان فويس
تصحو مريم قبل أن ترسل الشمس خيوطها الأولى على قمم مديرية الشاهل الريفية بمحافظة حجة؛ لا لتقف طويلاً أمام المرآة شأن كثير من النساء، أو لتكتفي بإعداد الفطور لأسرتها، بل لتتفقد حقيبة عدة ثقيلة باتت رفيقة دربها.
مفك، ميزان بناء، أسلاك كهرباء، وعلب طلاء، في انتظار يد مريم التي ألفت خشونة العمل الشاق منذ نعومة أظفارها…
في ذلك الريف الجبلي الوعر حيث تفرض الجغرافيا عزلتها وتجبر التقاليد تقسيماتها الصارمة للأدوار، لم تنتظر هذه السيدة الريفية من يمد لها يد العون لترميم سقف منزلها المتهالك أو إصلاح عطل كهربائي مفاجئ، بل قررت مريم مدفوعةً بالحاجة وشغف المعرفة، أن تكون هي “الرجل والمرأة” في آن واحد، كاسرةً بذلك روتيناً قروياً متوارثاً يحصر دور النساء داخل جدران المنازل لا فوق أسقفها.
الخشونة في مواجهة العزلة
تعود جذور هذه القوة إلى نشأة استثنائية للسيدة مريم التي عاشت في منزل ناءٍ بعيد عن مركز القرية، وهناك تعامل معها والدها كـ “الابن” والسند الذي يعتمد عليه في شؤون الحياة القاسية. أمسكت مريم بالمعول وهي طفلة، تقلب الأرض وتزرعها، وتواجه قسوة الطبيعة بساعدين صغيرين.
تقول مريم لـ “نسوان فويس” مسترجعةً تلك الأيام: “تولدت القوة لديّ مُنذ كنت أحمل المعول وأقلب الأرض، كان أبي يعاملني معاملة الرجال، فشعرت أن عليّ تعلم كل ما يقومون به”.
تلك التنشئة زرعت في يدها قوة بدنية جعلت التعامل اللاحق مع أكياس الأسمنت وقضبان الحديد أمراً معتاداً، وجزءاً لا يتجزأ من روتين حياتها.
لأن معظم الريف اليمني يفتقر تماماً للمعاهد الفنية ومراكز التدريب المهني، لم تجد مريم أمامها سوى مدرسة “الحاجة أم الاختراع”؛ راقبت، حاولت، وفككت الأجهزة، وقلدت من سبقوها برغم تنمّر البعض، حتى باتت تتقن أسرار الكهربائي، فارضةً احترامها على الآخرين
الكهرباء كصديقة للطفولة
بينما يخشى كثيرون في الأرياف الاقتراب من الأسلاك العارية، تصف مريم الكهرباء بأنها صديقتها منذ وعت على الدنيا، ولأن معظم الريف اليمني يفتقر تماماً للمعاهد الفنية ومراكز التدريب المهني، لم تجد مريم أمامها سوى مدرسة “الحاجة أم الاختراع”؛ راقبت، حاولت، وفككت الأجهزة، وقلدت من سبقوها برغم تنمّر البعض، حتى باتت تتقن أسرار الكهربائي، فارضةً احترامها على الآخرين، حتى صارت أيقونة لكلِ ربة بيت في مديرية الشاهل ولكل من حولها.
تغلبت مريم على نقص قطع الغيار في الأسواق الريفية بذكاء فطري؛ فهي لا تستسلم أمام جهاز معطل، بل تبتكر البدائل من الخردة وما يتوفر حولها، مصلحةً ما تعطل، ومتجاوزة عقبات البعد عن المدينة بمهارة، تثير إعجاب المحيطين، قبل أن تتوفر وتتنشر الفيديوهات التعليمية عبر النت.
الكل في شخصية مريم
لم يبقَ عمل مريم حبيس منزلها، بل ذاع صيتها في أرجاء عزلة (مديخة) ليتحول الاستغراب المبدئي إلى احترام عميق، وحاجة مجتمعية ملحة..
يتحدث عبده الناشري (مزارع) عن مريم بفخر واعتزاز، قائلاً: “تعمل مريم بنظام (الكل في واحد)؛ فهي المهندس والمليّس والدهّان في آنٍ واحد” ويتابع حديثه لـ “نسوان فويس”: “بالنسبة للرجل القروي هذا توفير هائل، بدلاً من استدعاء مهندس ثم عامل ثم دهان، مريم تنجز كل ذلك بتناغم يقلل أخطاء التنسيق إلى الصفر”.
هذه الكفاءة العملية توازيها ثقة اجتماعية عالية، خاصة لدى المغتربين أو من يعملون خارج المنطقة.
أبو صخر محمود الشرعبي ـ شخصية اجتماعية، يؤكد أن مريم “تُبيّض الوجه” بعملها المتقن الذي يوازي “عمل الرجال”، ويضيف في حديث لـ ” نسوان فويس”: “أنا أسافر وأعمل في صنعاء، ويرتاح بالي تماماً لما أعرف إنها هي اللي بتدخل بيتي تصلح أي عطل، وجودها نعمة للعوائل لأننا ما نقلق من دخول غريب لبيتي في غيابي، أما فيما يتعلق بشغلها، فهي معلمة بحق”.
يد مبدعة توفر الخصوصية
لم يقتصر انبهار أرباب البيوت بمريم لبراعتها في الجوانب التقنية والفنية، بل تحولت أيضاً لخيار آمن لجميع نساء القرية اللواتي وجدن فيها حلاً لمعضلة “الخصوصية”.
تقول أم إلياس تاج الدين (ربة بيت) لـ ” نسوان فويس”: ” الاعتماد على مريم وفر حلاً عملياً جمع بين الإتقان المهني، والخصوصية العائلية، فوجودها أتاح لنا كنساء الإشراف المباشر على تفاصيل الديكور وترتيب المنزل بحرية تامة، بعيداً عن القيود الاجتماعية التي يفرضها وجود العمال الذكور”.
ولا يتوقف الأمر عند الجهد البدني إذ تشير أم مصطفى الخزان (ربة بيت) إلى العقلية النظيفة، والمبدعة التي تتمتع بها مريم، مؤكدة أن استشارتها في تنظيم المزارع توفر حلولاً ذكية في استغلال الموارد. وتضيف: “عندما طلبت مشورتها وجدت لديها رؤية ثاقبة تتجاوز المهارة اليدوية إنها تقدم مقترحات تتسم بالدقة الهندسية وحسن التخطيط..”
حرف ضرورية بلمسات الأنوثة
رغم انغماسها في عالم الأسمنت والحديد، ترفض مريم التخلي عن نَفَسها الأنثى، وتؤكد أن أداء وذوق المرأة يختلف في العمل، ولديها لمسات فنية خاصة تظهر بوضوح عند مرحلة الطلاء والتشطيبات.
إذ تحوّل مريم الجدران الصامتة إلى لوحات تنطق بالألوان، مما جعل الزبائن يطلبون “شغل مريم شيخ” بالاسم ليس فقط لمتانته، بل لجماليته أيضاً… وهي بذلك تثبت أن المرأة قادرة على الموازنة بين “الخشونة ” و”رقة الذوق” دون أن تفقد هويتها.
مريم الشيخ: أنا راضية عن نفسي، وزوجي وأبنائي يدعموني، وهذا سر قوتي، رسالتي لحواء: كوني عوناً وشريكاً حقيقياً لأسرتكِ، فالعمل شرف، واليد التي تبتكر الحلول وتتقن الصنعة لا تعرف المستحيل، ولا يعيقها نوع اجتماعي أو تضاريس وعرة
إرادة لتورث الحلم
لا تخلو يوميات مريم شيخ من التحديات؛ فقرى الشاهل معلقة في رؤوس الجبال، ونقل مواد البناء الثقيلة كأكياس الأسمنت وسيراميك الأرضيات يتطلب جهداً مضاعفا، لكن مريم تواجه ذلك بصبر، وبدعم من الأهالي الذين باتوا يتعاونون معها في النقل لتتفرغ هي للإبداع في التنفيذ.
واليوم وإن لم يتحقق حلمها الكبير بامتلاك ورشة صيانة مستقلة وكبيرة، بسبب الظروف إلا أنها لم تستسلم، فقد حوّلت جزءاً من منزلها المتواضع إلى ورشة مصغرة تقضي فيها حوائج الناس، وبدأت بمهمة أسمى وهي “توريث الصنعة”.. تقف ابنتها اليوم بجانبها، تتعلم فنون الكهرباء والبناء، لتضمن مريم أن هذه الخبرة النسائية النادرة لن تندثر.
تختتم مريم شيخ قصتها برسالة ملهمة لكل امرأة يمنية: “أنا راضية عن نفسي، وزوجي أبنائي يدعموني، وهذا سر قوتي، رسالتي لحواء: كوني عوناً وشريكاً حقيقياً لأسرتكِ، فالعمل شرف، واليد التي تبتكر الحلول وتتقن الصنعة لا تعرف المستحيل، ولا يعيقها نوع اجتماعي أو تضاريس وعرة”.

