الأطفال ضحايا التحرش: قصور القانون وجور المجتمع… جرائم لا تُحكى

شارك المقال

 منيرة أحمد الطيار – نسوان فويس 

في طرفة عين ينهار عالم طفلة، ليتحول الأب من حامٍ إلى جلاد، والبيت من ملجأ إلى سجن، والصمت من خيار إلى فرض.

في اليمن حيث تتقاطع طبقات الظلم القانوني والاجتماعي تبقى جريمة (تحرش المحارم) واحدة من أكثر الجرائم قسوة وتعدياً على الإنسانية طي الكتمان.

لا إحصاءات رسمية تحدد حجم هذه الظاهرة، لكن البلاغات المتراكمة لدى منظمات حقوقية وشهادات المحامين والناشطين وأصوات الناجيات المخنوقة، تكشف عن واقع مرعب، آلاف الفتيات يتعرضن للاعتداء من أقاربهن، في ظل قانون يبدو عاجزاً عن حمايتهن، ومجتمع يُحمل الضحية وزر “العار” بدلاً من محاسبة الجاني.

في أحد الأيام، اضطررت للذهاب مع صديقاتي لزيارة جارة مريضة، تاركة رئام مع أبيها وحدهما في المنزل، وحين عدت وجدت ابنتي تبكي، وفمها مربوط حتى لا تصرخ، ووالدها يعتدي عليها، في وضع وحشي ولا إنساني لا أستطيع وصفه

 

قصة رئام كنموذج

“هل كل الآباء يفعلون هذا؟” تسأل الطفلة رئام (اسم مستعار) ذات الثمان أعوام بصوت مرتجف لا يشبه عمرها سؤال بريء في ظاهره، لكنه يحمل في طياته عالماً من الألم الانتهاك الجسيم المسكوت عنه.

قصة رئام الموثّقة لدى اتحاد نساء اليمن انكشفت حين بدأت الطفلة تشكو لوالدتها من تصرفات والدها، قائلة إنه “يزعجها “، في المقابل جاء تبرير الأب ساخراً، ومتهكماً “لابد أنك تغارين من ابنتك فقط لأني أحبها “، ولفداحة الفعل الذي لا يمكن تصديقه، ظنت الأم في البداية أن ابنتها تبالغ، لكن الحقيقة كانت أقسى.

تروي أم رئام ما يعجز اللسان عن وصفه ” في أحد الأيام، اضطررت للذهاب مع صديقاتي لزيارة جارة مريضة، تاركة رئام مع أبيها وحدهما في المنزل، وحين عدت وجدت ابنتي تبكي، وفمها مربوط حتى لا تصرخ، ووالدها يعتدي عليها، في وضع وحشي ولا إنساني لا أستطيع وصفه” تقول أم رئام

وتتابع:” حلت عليّ الحادثة كالصاعقة، بدأت أصرخ، لكنه هددني بالقتل، لم أدري ما أفعل، صمتُّ حينها، ثم هربت بابنتي”

هل انتهت الحكاية هنا؟ لا، لأن هذا الوحش البشري، قلب الطاولة على زوجته، ولوى ذراعها بتهمة يعرف أن المجتمع لا يرحم النساء فيها، ولا يتوانى في تصديقها طالما المتهمة فيها أمرأه، إذ أشاع أن زوجته هربت مع عشيق لها!.

هذه القصة ليست سوى نموذج لقصص وحكايا كثيرة، تعكس نمط إجرامي متكرر في عديد بيوت يحدث فيها تحرش محارم.

دمار لا تُقاس سنواته

الدكتورة سلوى مراد، أخصائية نفسية بصنعاء، تتحدث لـ “نسوان فويس” عن تأثير التحرش بالأطفال، على صحتهم النفسية، قائلة: يفقد الأطفال الذين يتعرضون للتحرش أو الاعتداء الجنسي الثقة بأنفسهم وبالعالم من حولهم، بسبب أن من افترض فيهم الأمان، كانوا سبباً في انتهاك طفولتهم، وبالتالي تنشأ لديهم قناعة راسخة بأنهم غير جديرين بالحماية”.

فداحة “تحرش المحارم” لا يقتصر على الضرر الجسدي لدى الأطفال، بل يمتد ليمزق الروح والمخيلة الجنسية للضحية، بسبب أن هذا الفعل يعرضهم لمشاهد فاضحة، لم يكتمل تكوينهم النفسي والعقلي لاستيعابه بعد، علاوة على إجبارهم على التلصص أو التلفظ بعبارات خادشة، وكلها أفعال تندرج قانوناً وفقهياً تحت مسمى “هتك العرض”.

هوية في مهب الريح

تعاني البنات اللواتي يتعرضن من( تشتت هوية)، وأحيانًا يكرهن أجسادهن، ويغرقن في دوامة لا نهاية من القلق المزمن، والاكتئاب الحاد، إضافة للانسحاب الاجتماعي، وصولاً إلى التبول اللاإرادي أو التفكير الجدي في الانتحار لإنهاء حياة أزهقها أقرب الناس إليهن، ملاحظات أكدتها، أخصائية نفسية (فضلت عدم ذكر اسمها) في إحدى المدراس الحكومية للبنات، معبرة عن صدمتها البالغة حين اكتشفت بأن  طالبات في المدرسة مررن بجرائم من هذا النوع، فيما لم يستطعن البوح لأحد، عما يتعرضن له بسبب الخوف من عدم تصديقهن، ومن العار الذي سيلحق بهن.

وتضيف في حديث لـ “نسوان فويس”: ” بعض المظاهر التي تظهر على الفتيات هي من تقودنا لاكتشاف ما يخفنه، إذ يتراجع مستواهن الدراسي بشكل  مفاجئ ، وقد تعاني هؤلاء الفتيات من نوبات هلع غير مبررة، وعدم رغبة في الاندماج والمشاركة، لكن للأسف يلجأن للصمت، ليس لأنهن أردن ذلك، ولكن بسبب اعتبارات يفرضها عليهن المجتمع، إضافة لرعبهن من أن يتحول “الحامي” إلى “قاتل” في حال فُضح أمره”.

 آثار التحرش كثيرة

الدكتورة هالة محمد، أخصائية نساء وتوليد، تؤكد أن التحرش بالمحارم له آثار جسدية ونفسية عميقة، حتى عندما لا يترك آثاراً واضحة على أجساد الضحايا الذين يتعرضون للتحرش من أحد أقربائهم، إذ تظهر عليهم أعراض اضطرابات النوم، وفقدان الشهية أو الإفراط فيها، علاوة لمشاكل في الجهاز الهضمي أو التناسلي، وأحياناً تأخر النمو النفسي والجسدي، هذه الأعراض غالباً ما تُغفل لأنها لا تظهر بصورة مباشرة بالضرورة، لكنها تتراكم وتترك آثاراً دائمة إذا لم تُعالج.

مضيفه: “أما إثبات التحرش جسدياً صعب في كثير من الحالات خصوصاً إذا كان التحرش بالتلميح أو النظر أو اللمس الذي لا يترك أثراً مباشراً، ما يجعل موقف الضحية أكثر ضعفا أمام القانون والمجتمع، فيما تتسلل الآثار النفسية لأعماقها بالتدريج، وتظهر على سلوكها وشخصيتها” .

يشترط القانون على الضحية “أدلة شبه مستحيلة” لإثبات التحرش خاصة في حالات التحرش بالنظر أو اللمس الذي لا يترك أثراً حيث يُشترط أحياناً توثيق الواقعة باحترافية عالية وهو ما يعتبر من المستحيلات لضحية تعيش تحت وطأة التهديد والخوف

 

قانون “المستحيلات”

هذا الرعب النفسي يجد بيئة خصبة للاستمرار في ظل قانون يمني يصفه الخبراء بأنه “قاصر ومتعنت” إذ لا يوجد نص صريح يجرّم “التحرش” كمصطلح مستقل بل يتم تكييفه ضمن “الفعل الفاضح” أو “هتك العرض “حيث نجد أحكاماً مخففة لا تتناسب مع فداحة الجريمة وبشاعتها.

ولعل قضية الشخص الذي اغتصب 12 فتاة قاصر، ولم يُحكم عليه سوى بـ 5 سنوات سجن مما يعكس هوة سحيقة بين عظم الجريمة وتهاون الردع والعقاب.

ويزيد القانون من معاناة الضحية عندما يشترط عليها “أدلة شبه مستحيلة” لإثبات التحرش خاصة في حالات التحرش بالنظر أو اللمس الذي لا يترك أثراً حيث يُشترط أحياناً توثيق الواقعة باحترافية عالية وهو ما يعتبر من المستحيلات لضحية تعيش تحت وطأة التهديد والخوف.

تعنت مضاعف

في مشهد قانوني شديد القسوة يواجه القانون الضحية بتعنت مضاعف فإذا ما حاولت الدفاع عن نفسها وقتلت المتحرش (سواء كان الأب أو الأخ) فإن القضية تُصنف فوراً كجريمة “قتل عمد” وقد يصدر بحقها حكم بـ “الإعدام” لأن القانون لا يمنحها مساحة قانونية واضحة للاعتراف بالدفاع عن النفس في مواجهة المحارم مما يضعها أمام خيارين أحلاهما مرّ (الاستسلام للانتهاك أو مواجهة حبل المشنقة) كما يؤكد المحامي أحسن رعدان في حديث لـ “نسوان فويس ” حول الموضوع.

التستر الاجتماعي وثقافة “العيب” هما الجريمة الحقيقية التي تُرتكب بحق الضحية، حيث ينتهي المطاف بكثير من الفتيات الضحايا، إما إلى الانتحار أو الانزلاق في طريق الضياع أو البقاء حبيسات أمراض نفسية لا تُشفى بينما يخرج الجاني من السجن بعد سنوات قليلة ليمارس حياته بشكل طبيعي

مقصلة “العيب”

هذه الفجوة القانونية تستمد قوتها وسطوتها الممتدة رغم تعاقب الحكومات من “جور المجتمع” الذي يميل دائماً لتغليف هذه الجرائم بغطاء “السمعة” و”الشرف”، فعوضاً عن الوقوف مع الضحية ومساعدتها يتم تحويل الاعتداء إلى “قضية شرف” يُلام فيها الضحايا أو يُجبرون على الصمت لتجنب “الفضيحة”.

تروي أم رئام كيف أن المجتمع والأسرة انقلبوا ضدها حين حاولت حماية ابنتها والهروب بها، حيث استغل الجاني نفوذه الاجتماعي لاتهامها بالهروب مع “عشيق لها “، مما يعكس كيف يُستخدم وصف “المجتمع المحافظ” كذريعة لإسكات الضحايا، وإغلاق الطريق أمام أي شخص أو جهة، ممكن أن تمد يد العون للضحايا عبر جمع الأدلة، أو وضع الجاني في موضع مساءلة قانونية وأخلاقية علنية.

الجريمة الكاملة

“التستر الاجتماعي وثقافة “العيب” هما الجريمة الحقيقية التي تُرتكب بحق الضحية، حيث ينتهي المطاف بكثير من الفتيات الضحايا، إما إلى الانتحار أو الانزلاق في طريق الضياع أو البقاء حبيسات أمراض نفسية لا تُشفى بينما يخرج الجاني من السجن بعد سنوات قليلة ليمارس حياته بشكل طبيعي”، تقول المحامية عتاب العمودي لـ “نسوان فويس” .

“إكسير للطفولة” خطة للنجاة

وسط هذا التعتيم والمراوغة الاجتماعية والقانونية، تبرز منصة “إكسير للطفولة” كبارقة أمل وهي تمد للضحايا يد العون، إذ تؤكد آية خالد، رئيسة المنصة، لـ” نسوان فويس” على ضرورة رفض خيار التواري، و”الهروب” أو تغيير السكن التي تلجأ إليها بعض الأسر للفرار من الوصمة الاجتماعية، كونها تُفقد الطفل الثقة في قدرة أهله على حمايته.

وقالت خالد:” تقدم المنصة حزمة شاملة من الخدمات، تبدأ بـالتحرك الطبي والقانوني العاجل خلال 5 أيام لتوثيق الحالة بتقرير طبي، لغرض استخدامه في تقديم بلاغ رسمي، مروراً ببناء “جسر أمان” يتيح للطفل الحديث دون خوف من العقاب، وليس انتهاءً بتوفير برنامجاً علاجياً مجانياً وسرياً عبر الإنترنت يتضمن ما يصل إلى 14 جلسة تبدأ مع الطفل منفرداً ثم تشرك الوالدين في مراحل متقدمة بالإضافة إلى خطة علاجية مخصصة للأم” .

جرح ينزف بصمت

إن استمرار هذا الخلل التشريعي بجانب غياب الحماية الأمنية، وضعف دور الخطاب الديني والتوعوي في المدارس يجعل من قضية تحرش المحارم في اليمن جرحاً غائراً ينزف بصمت في جسد المجتمع، بانتظار عدالة حقيقية ترفع سقف العقوبة إلى الإعدام وتمنح الضحية حقها في الحياة والدفاع عن نفسها دون خوف من قانون قاصر أو مجتمع لا يرحم.

تم إنشاء الصورة بواسطة أداة الذكاء الاصطناعي جمناي

مقالات اخرى