من زاوية منزل إلى متجر إلكتروني: عزة التي صنعت «خيالها» بيدها

شارك المقال

دولة الحصباني – نسوان فويس

في بلدٍ تتضاءل فيه سبل العيش، وتكاد فرص العمل تتبخر تحت وطأة الحرب، قررت عزة محمد أن تبحث عن نافذة صغيرة للضوء. لم تكن تملك رأس مال كبيراً، ولا شبكة علاقات واسعة، لكنها امتلكت ما هو أهم: فكرة بسيطة، وشغفاً بالتجربة، ومعرفة أولية التقطتها من دورة تعليمية، ثم قررت أن تمنحها كامل اهتمامها، لتبدأ حكايتها من الصفر.

تقول عزة:”بدأت فكرة مشروع خيال بدورة تعليمية، لكن شغفي وحبي للتجريب والاستكشاف خلاني أركز على كل معلومة تعلمتها، وأحوّلها إلى تجربة عملية. كنت أجرّب، أعدّل، وأعيد المحاولة إلى أن وصلت لمنتج أقدر أقول عنه إنه يستحق ينزل للسوق. ما كان عندي رأس مال كبير، لكن كان عندي إصرار أني أبدأ بما هو متاح وأتعلم من كل خطوة”

البداية من الصفر

حوّلت عزة إحدى زوايا منزلها المتواضع في محافظة حضرموت إلى معمل صغير لإنتاج مواد التعقيم والتنظيف. لم تكن التجارب الأولى أكثر من محاولات منزلية لاختبار ما تعلمته، لكن شيئاً فشيئاً، تحوّلت تلك المحاولات إلى منتجات حقيقية، مجرَّبة، وجدت طريقها إلى السوق عبر متجرها الإلكتروني الذي أطلقت عليه اسم «خيال».

تقول عزة: “بدأت فكرة مشروع خيال بدورة تعليمية، لكن شغفي وحبي للتجريب والاستكشاف خلاني أركز على كل معلومة تعلمتها، وأحوّلها إلى تجربة عملية. كنت أجرّب، أعدّل، وأعيد المحاولة إلى أن وصلت لمنتج أقدر أقول عنه إنه يستحق ينزل للسوق. ما كان عندي رأس مال كبير، لكن كان عندي إصرار أني أبدأ بما هو متاح وأتعلم من كل خطوة”.

لم يكن البيع الأول مجرد صفقة، بل كان اختباراً للقبول والثقة. تروي عزة هذه التفاصيل لـ” نسوان فويس” بالقول:” بدأت أسوي المنتجات، ثم روجت لها، وبالفعل بعت بعضها. تحمست لهذه البداية، وكان الإنتاج يزيد ومعه حرصي على الجودة والسمعة”. كان ذلك البيع بمثابة إعلان غير رسمي أن الحلم قابل للحياة.

تحديات المواد الخام

كأي مشروع ناشئ، لم تكن الطريق مفروشة بالورود. ظهرت التحديات مبكراً، وفي مقدمتها ارتفاع تكلفة المواد الخام، إضافة إلى صعوبة توفير عبوات جذابة تليق بالمنتج وتكسب ثقة المستهلك.

تقول عزة: “أول التحديات كانت التكلفة المرتفعة لمكونات المنتج، بعدها أسعار العلب المناسبة للعرض، وهي غير متوفرة بسهولة في اليمن” .

بالنسبة لها، لا يكفي أن يكون المنتج جيداً، بل يجب أن يبدو كذلك أيضاً. فالتغليف، في سوق يعتمد على الثقة، جزء أساسي من صورة العلامة. وبين البحث عن موردين، وتجربة بدائل محلية، تعلمت عزة كيف تصنع فرصة من محدودية الإمكانات، وكيف تحوّل العائق إلى درس عملي.

لم يكن تعلم صناعة المنظفات نظرياً فحسب؛ كان البيت معملها الأول، وكل خلطة تجربة، وكل خطأ فرصة للتطوير، حتى تشكلت ملامح المشروع تدريجياً.

التسويق… نقطة التحول

مع مرور الوقت، لم يعد «خيال» مجرد تجربة منزلية، بل اسماً متداولاً بين المستهلكين. ترى عزة أن نقطة التحول الحقيقية كانت في التسويق.

“تطور المشروع عبر التسويق”، تقولها بثقة، وكأنها تلخّص تجربة كاملة. فقد أدركت مبكراً أن الجودة وحدها لا تكفي، وأن المنتج الجيد إن بقي حبيس الدائرة الضيقة، فلن يصنع أثراً.

تحت اسم «خيال»، تقدّم عزة مجموعة من المنتجات التي لاقت إقبالاً متزايداً، منها: سائل غسيل الصحون، معطرات الملابس، مزيلات الدهون، وجل المبيض (كلوركس)، وغيرها من مستلزمات التنظيف اليومية

منتجات تجسّد الحلم

تحت اسم «خيال»، تقدّم عزة مجموعة من المنتجات التي لاقت إقبالاً متزايداً، منها: سائل غسيل الصحون، معطرات الملابس، مزيلات الدهون، وجل المبيض (كلوركس)، وغيرها من مستلزمات التنظيف اليومية.

هذه المنتجات لم تولد في معمل كبير، بل في مساحة صغيرة داخل منزل، لكنها وُلدت من حاجة حقيقية، وخضعت لاختبارات متكررة قبل طرحها في السوق.

وتوضح عزة في هذا السياق: «لكل منتج اختبار معين قبل ما يوصل للزبون. سلامة المستهلك بالنسبة لي خط أحمر، وكنت أراجع التركيبات أكثر من مرة. ما أريد أبيع فقط، أريد أبني اسم يثقوا فيه الناس، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مشروع صغير».

معارض الأسر المنتجة… نافذة للانتشار

شكّلت معارض الأسر المنتجة محطة مفصلية في مسيرة «خيال». هناك خرج المشروع من إطاره المنزلي إلى فضاء أوسع، وتعرّف الناس على عزة ومنتجاتها بشكل مباشر.

«كانت هذه المعارض بدايات ظهوري وظهور مشروعي أمام جمهور أوسع»، تقول عزة.

ومن خلالها، بنت شبكة علاقات، واكتسبت دعماً معنوياً ومهنياً، ورسخت حضورها في سوق يعتمد كثيراً على الثقة المباشرة.

وترى عزة أن هذه المعارض تلعب دوراً مهماً في دعم الاقتصاد المجتمعي، وتمكين النساء، عبر خلق مساحة للمنافسة، وبناء العلاقات، وتعزيز الثقة بالنفس.

أثر التجربة… على الداخل قبل الخارج

خلال هذه الرحلة، تعلّمت عزة درساً تختصره بعبارة بسيطة: «ما نوقف على شي معين، مهما كثرت العقبات، نستمر ونعافر ونحاول مراراً».

لم ينعكس المشروع مادياً فحسب، بل نفسياً أيضاً. تقول بامتنان: «لمست تغييراً كبيراً في حياتي. شعور الإنجاز يكبر مع كل نجاح، حتى لو كان بسيطاً، والعائد المادي ساعدنا في ستر الحال».

تغيّرت نظرتها لنفسها ولمستقبلها؛ فالنجاح، ولو في بداياته المتواضعة، يمنح الإنسان شعوراً بالقدرة والاستقلال والكرامة.

طموح يتجاوز الزاوية الأولى

لم تعد طموحات عزة تقف عند حدود متجر منزلي. تفكر اليوم في توسيع نطاق التسويق، والوصول إلى أسواق أوسع، بل وإنشاء معمل إنتاجي أكبر يضمن استدامة المشروع.

وتوجّه في ختام حديثها رسالة لكل امرأة تمتلك موهبة لكنها تخشى ضعف الإمكانيات: «ابدئي بما هو متاح، لا تنتظري الظروف المثالية. قد لا تجد موهبتك صدى سريعاً، لكن بالمثابرة وعدم الاستسلام، ممكن تنقلب الأمور لصالحك. ولكل مجتهد نصيب».

هكذا تختصر عزة حكايتها؛ حكاية بدأت بدورة تعليمية وشغف بسيط، ثم تحوّلت إلى مشروع يحمل اسماً ودلالة. من زاوية منزل صغيرة، وُلد «خيال»… لكنه لم يعد مجرد خيال.

مقالات اخرى