بشرى الغيلي ـ نسوان فويس
تتصدّر سيدات المحوى مشهداً بالغ القسوة لا يترك لهن مساحة لأنصاف الحلول، ورغم ذلك، يصنعن من قماش الخيام المهترئة حصوناً منيعة للكبرياء، ووجوهاً حوّلتها الشمس إلى ملامح أكثر صلابة وجدائل سوداء لا تتدلّى للزينة، بل كتيجان هويةٍ تقاوم المحو، وتعلن حضوراً عنيداً في هامشٍ منسي.
في قلب هذا المشهد، تمرّ(مبروكة) لتدير المشهد بأكمله…كل شيء هنا يدور بـ إيقاعٍ لاهث وجنوني لا يعترف بالهدنة: بين كل خيمة وأخرى، تتزاحم طقوس الزواج الخاطفة مع صرخات ولادةٍ عاجلة.
منصة “نسوان فويس” عاشت مع هؤلاء النساء يومياتهن داخل الخيام، وشاركت تفاصيل طقوسهن وحديثهن، لتوثّق حكايات صمود تُروى من قلب الهامش.
ألد وحيدةً في بيتي، بلا طقوس ولا زوار، ولا حتى زغاريد وفرحة؛ يبتلع الخوف من الفاقة أي فرحة بقدوم المولود، وما هي إلا أيام قلائل -لا تتجاوز العشرة- حتى أغادر فراش الوضع، حاملة رضيعي معي، للشارع والقرى، بحثاً عمّا يسد رمق العيش
الولادة كاختبار
لا تعترف “فاطمة” بقوانين الراحة التي يفرضها الحمل، ففي قاموس يومياتها القاسي، لا يُعد المخاض عذراً للتوقف، ولا الولادة مناسبةً تستدعي الاحتفال. ببطنٍ مثقلٍ وهمومٍ أثقل، تواصل ركضها خلف لقمة العيش حتى اللحظات الأخيرة، معتبرةً الولادة مجرد “فاصل إجباري” قصير وخالٍ من المشاعر.
تقول فاطمة لـ “نسوان فويس”، واصفة واقعها بمرارة: “ألد وحيدةً في بيتي، بلا طقوس ولا زوار، ولا حتى زغاريد وفرحة؛ يبتلع الخوف من الفاقة أي فرحة بقدوم المولود، وما هي إلا أيام قلائل -لا تتجاوز العشرة- حتى أغادر فراش الوضع، حاملة رضيعي معي، للشارع والقرى، بحثاً عمّا يسد رمق العيش “.
أعراس المحوى
بوجهٍ يبدو عليه الشقاء، وعينين ماتزال تلمع بهما ذاكرة الفرح، تزيح “أم نبيل” الستار لـ “نسوان فويس” عن عالمٍ خفي يعشن صخبه الخاص في هوامش المدن والأرياف.
الارتباط في المحوى لا ينتظر المواعيد الفارهة؛ بل يولد كلمحة خاطفة وسط غبار السوق والركض خلف لقمة العيش، ليتحول سريعاً إلى عقد قران.
”أم نبيل” تسرد لـ”نسوان فويس” بقية المشهد: “أعراسٌ المخيمات تمتد أسبوعاً كاملاً، يتحول فيها المخيم إلى ساحة مفتوحة للبهجة الاحتفاء والرقص”.
تتوقف السيدة الخمسينية عند “يوم الدروع – الذي يوافق عادة يوم الثلاثاء- المشهد الأكثر حميمية، حيث تذوب الخلافات القديمة في ألوان الأقمشة الزاهية، ويصبح الفرح واجباً مقدساً قبل ليلة الزفاف الكبرى.
لكن خلف هذه اللوحة الكرنفالية، تبرز مفارقات القدرة المادية بوضوح؛ فبينما يُزف العريس المقتدر كملكٍ متوج على(الصحفة) الخشبية، يضطر آخرون لنحر مصدر رزقهم الوحيد قرباناً لإتمام مراسم هذا الزواج.
تختتم أم نبيل حديثها بصوتٍ متهدج: “البعض يبيع (المتر) دراجته النارية التي يترزق منها- ليؤمن المهر، مكتفياً ببدء حياته في غرفة بسيطة، لكنه يشتري بها حلماً انتزعه من بين أنياب الفقر”.
عن تلك الرحلة، قائلة: “لم يكن سهلاً أن نُقذف من عزّ الاستقرار إلى العراء، لكنني واجهت نظرات التمييز بلقب (طبيبة)، وانتزعت حلمي من فم ظروف التشرد والتمييز

انتزعت حلمي
من حياة الرفاهية في عدن إلى شظف العيش في مخيمات “الظهرة” بالشرفين بحجة، خاضت الطبيبة “ندى” معركة شرسة ضد الفقر والتمييز، محولةً صدمة النزوح إلى وقود للنجاح. تتحدث ندى لـ ” نسوان فويس” عن تلك الرحلة، قائلة: “لم يكن سهلاً أن نُقذف من عزّ الاستقرار إلى العراء، لكنني واجهت نظرات التمييز بلقب (طبيبة)، وانتزعت حلمي من فم ظروف التشرد والتمييز”.
واليوم وبرغم ألم رحيل والدتها الذي واجهته بعد النزوح وفقدان ممتلكات الأسرة في رحلة العلاج، ترفض “ندى” الانكسار، واقفةً كحصنٍ منيع لإخوتها الصغار، مؤكدةً بصلابة: “لقد بعنا كل شيء، لكنني لن أبيع الأمل، سأظل الجبل الذي يستند إليه إخوتي، كلما عصفت بهم الحياة”.

بيع الأحاديث…!
بقدمين أنهكهما المسير بين مزارع وسوق ” قفل شمر” بحجة تمارس زهرة (40 عاماً) مهنة نادرة؛ إذ تبيع “الأحاديث” بدلاً من البضائع.
تروي لـ “نسوان فويس” كيف يوقفها التمييز الطبقي عند “عتبات” المنازل خوفاً من التلوث، في مفارقة عجيبة حيث يأنفن النسوة دخولها أو اقترابها، لكنهن يتلهفن – من مسافة آمنة- لسماع ما في ذاكرتها من أخبار السوق والقرية، تجمع زهرة رزقها عبر هذه المقايضة الاجتماعية، لكن رحلة شقائها لا تنتهي بانتهاء العمل؛ بل تكتمل فصولها في المنزل، حين يستولي زوجها العاطل على كل ما حصدته من مال وطعام “بارد مبرد”، تاركاً لها التعب ولنفسه الغنيمة.
بين الدستور والواقع
”لا تعاني المرأة المهمشة في التشريعات العربية واليمنية من فراغ قانوني، بل من شلل تنفيذي؛ إذ يمنح الدستور للمهمشة المواطنة الكاملة، لكن الواقع يجردها منها عبر فجوات قاتلة تبدأ بـ “الموت المدني”، حيث غياب أوراق الثبوتية تجعلهن في حكم العدم قانونياً، مروراً بـ “الاضطهاد المُركّب” الذي يضاعف التمييز ضدهن جندرياً وفئوياً، مما يمنح الجاني حصانة مجتمعية ضمنية، وصولاً إلى “كلفة العدالة” التي تجعل حق التقاضي ترفاً مستحيلاً أمام فقرهن المدقع. والنتيجة أن المهمشات يمتلكن ترسانة من الحقوق “المجمدة”؛ فالنص القانوني عادل، لكن آلية تنفيذه مصابة بالعمى الطبقي.”
العمة مبروكة
عند عتبة “العمة مبروكة”، تسقط الألقاب وتذوب الفوارق الطبقية، لا بقوة السلطة، بل بسطوة “السر” الذي تحمله هذه المرأة المهمشة داخل عشتها البسيطة.
تصف دعاء علي (34 عاماً) في حديث لـ “نسوان فويس”، هذا المشهد قائلة: “ليست المسألة مجرد تواضع، بل لأن العمة تمتلك نفحة ربانية تفرض احترامها، إذ تجد نساء (القبائل) يدخلن “العشة” بوقار، ويجلسن أمامها بأدب وكأن في لسانها الدواء”. تتحول الحاجة هنا إلى قانون يُلغي التعالي، حيث تختتم دعاء شهادتها للمنصة: “أمام الوجع ينسى المرء نسبه. العمة ليست ساحرة بل صاحبة بصيرة، وما يحدث ليس خوفاً أو نفاقاً، إنما إجلال لروحٍ فيها بركة لا يدركها إلا من جربها”.
”توثق منصة “نسوان فويس” أيضا شهادة سعاد حام (46 عاماً) والتي تتفق تماما مع ما قالته دعاء، وتُرجع سر الهيبة المحيطة بسكان “المحوى” إلى الخوف من “اللعنة”.
تقول سعاد: “لا يجرؤ أحد على إيذائهم، فهم أصحاب أرواح قوية.. دمعتهم حامية ودعوتهم تخرق السبع الطباق، ومن يقهرهم لا يسلم من النكبات”.
فن لا يتقنه أحد سواهن حيث تصبح الجدائل هويةً وفناً يُرصّع بالخرز ليكسر حدة الفقر.
تصف هند (46 عاماً) لـ “منصة نسوان فويس” هذه الفلسفة قائلة: “ننسج تيجاننا بأيدينا، ونعقد في أطرافها الودع لتصبح لكل خصلة موسيقى تخصنا، نحن نخلق الفرح من الألوان الصاخبة، وجدائلنا تخبر العالم أننا شموسٌ تمشي على الأرض، وأن الفقر لن يطفئ زهونا أبداً.”

هيبة حضور
”يظننا الخارج مكسورات، لكن داخل (المحتوى) النساء هنّ السلطة”، هكذا تختصر سعيدة (45 عاماً) واقع المهمشين في “قفل شمر”، حيث الكلمة العليا للمسنات.
تستشهد سعيدة بموقف أوقفت فيه “الجدة زهرة” رجلاً عن تعنيف زوجته بضربة عصا وكلمة “عيب”. خضع لها الجميع.
وتشير إلى أن هذا النفوذ نابع من كون المرأة هي “الدينامو” الاقتصادي والمعيل للأسرة في ظل بطالة الرجال، فالجدة هنا هي “القاضي والبنك”.
وتختتم سعيدة حديثها: “احترام المرأة هنا ليس مجاملة بل قانون حياة؛ لأننا لو توقفنا، ينهار المحوى كله، والرجال يحسبون لذلك ألف حساب”.
رغم أن فئة المهمشين يشكلون نسيجاً بشرياً كبيرا يتجاوز 3 ملايين نسمة، إلا أنهم يظلون الرقم الأصعب في المعادلة السكانية اليمنية. وتتجلى المظلومية بأقصى صورها لدى الإناث، حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 750 ألف إلى 1.7 مليون امرأة وفتاة، الغالبية العظمى منهن مجرد أرقام تقديرية تفتقر للتوثيق المدني؛ نساء موجودات في الواقع، ومشطوبات من الدفاتر الرسمية.

