دولة الحصباني – نسوان فويس
قرابة 3000 أسير ومحتجز من مختلف أطراف الصراع في البلاد، تم الاتفاق نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، على إطلاق سراحهم على مراحل عقب محادثات طويلة ترعاها الأمم المتحدة، هذا العدد يبدو مجرد أرقام في أجندات المحاربين، لكن على الجانب الإنساني خلف كل فرد منهم مئات المكلومين، وعشرات البيوت التي انقلب كل شيء فيها رأسا على عقب.
اعتقل الوالد بينما كان عمر أخي الصغير سنة ونصف، الآن أخي في الصف السادس، وهو لا يعرف والده!! لقد قطع كل هذه السنوات دون أن يشاركه أبي أبسط لحظاته وخطواته، تفاصيل كثيرة قد لا تبدو مهمة ومرئية أمام القضايا السياسية التي تدير لها وسائل الإعلام والجهات الحقوقية الدولية وجه الاهتمام، لكنها بالنسبة لنا ذاكرتنا الجمعية التي تتشكل وفقها شخصياتنا، وعلاقاتنا بالتاريخ، والناس والوطن وكل من حولنا
نهاية ألم.. عتبة أمل
أسرة الدكتور يوسف البواب، واحدة من هذه الأسر اليمنية التي طال أمد انتظارها وهي تنتظر عودة غائبها المعتقل منذ 20 أكتوبر/تشرين أول من العام 2016. البواب الأكاديمي البارز، وأستاذ اللسانيات المعروف بجامعة صنعاء، الذي أنجز أكثر من 30 بحثا علميا، وبحدود 11 كتابا في مجال تخصصه، لم يخطر بباله حين خرج يومها لأداء صلاة العشاء، ما ينتظره عقب خروجه من المسجد، إذ تم اقتياده من أمام المسجد وإخفائه قسرياً لمدة ثلاثة أشهر متوالية بدون أسباب واضحة، إلى أن تمكن أفراد أسرته العثور عليه لاحقا في مقر الجهاز السياسي بصنعاء.
لم يكن اعتقاله البواب هو الحدث المحوري بالنظر للحالة العامة التي تعيشها اليمن، بفعل الحرب والصراع الدائر، لكن تبعات الاعتقال هي المأساة التي عرت الوجه اللاإنساني واللاأخلاقي لكل ما حدث ويحدث.
“يحدونا الأمل؛ هذا الحدث ليس خبراً وحسب، بل إعادة نفخ الروح في حياة أسرة مكلومة عانت الويلات في سبيل انتظار هذه اللحظة ” تقول نسيبة – إحدى بنات الدكتور البواب – ل “نسوان فويس”.
“عشنا الحرب بثقل مضاعف، كأنه لم يكن ينقصنا وقعها علينا أسوة ببقية اليمنيين، ليضاف لنا عبء تغييب رب البيت ومعيله” تردف قائلة.
يمر الوقت بمنطق المشاعر، والمكابدة لدى أسرة البواب، إذ لم تكن السنوات كفيلة بتهوين مرارة الإخفاء القسري للأب والزوج المسئول عن توفير وإدارة الشحيح من فرص الاستمرار، كون أثر الغياب ممتد في حاضر كل فرد من أفراد أسرته:” اعتقل الوالد بينما كان عمر أخي الصغير سنة ونصف، الآن أخي في الصف السادس، وهو لا يعرف والده، لقد قطع كل هذه السنوات دون أن يشاركه أبي أبسط لحظاته وخطواته”!
وتتابع :” تبعات نفسية تركت ندوبا غائرة في دواخلنا، تفاوت وقعها، لكنها بلا شك كانت ماثلة؛ أختي، من شدة تعلقها بالوالد، ومحاولتها المكابرة أصيبت بحالة نفسية تسمى( ثنائية القطب)، فيما أعاني أنا بسبب ارتخاء عضلة القلب من ضيق في التنفس، وهي أعراض لم تظهر علي إلا بعد اعتقال الوالد، تفاصيل كثيرة قد لا تبدو مهمة ومرئية أمام القضايا السياسية التي تدير لها وسائل الإعلام والجهات الحقوقية الدولية وجه الاهتمام، لكنها بالنسبة لنا ذاكرتنا الجمعية التي تتشكل وفقها شخصياتنا، وعلاقاتنا بالتاريخ، والناس والوطن وكل من حولنا” تستطرد نسيبة حديثها.
طال وجع الاعتقال كثير بيوت يمنية، في مختلف المناطق، الواقعة تحت سيطرة مختلف أطراف الصراع، توقف قلب الدكتورة إلهام المتوكل، وهي تنتظر عودة زوجها أستاذ الاقتصاد بجامعة صنعاء، مصطفى المتوكل، الذي احتجز في 27 أبريل/نيسان 2017 بنقطة تفتيش الفلج بمحافظة مأرب. المتوكل وأسرتها طرقت كل الأبواب، وناشدت مختلف المنظمات والجهات الدولية في سبيل التدخل لإطلاق سراح زوجها المدني، بدون فائدة :” حين سمعت بالاتفاق الأخير على صفقة تبادل الأسرى ، خفق قلبي المريض فرحاً وأملاً أني أخيراً قد أرى زوجي الأسير لدى السعودية منذ 6 سنوات، رجوت قلبي أن يصمد ثلاثة أسابيع أخرى حتى يتم ذلك اللقاء واطمئن اني تركت أولادي في كنف والدهم” نشرت المتوكل على صفحتها على منصة فيسبوك .
وتابعت المتوكل في منشورها:” لكن الخبر وقع عليّ وعلى أسرتي كالصاعقة حين سمعنا أن الصفقة لا تشمل الدكتور مصطفى المتوكل،
منذ اعتقال زوجي وأنا أوجه اللوم لخاطفيه في مأرب والسعودية، واطالبهم بالإفراج عنه دون قيد أو شرط لأنه إنسان مدني لم يؤذ أحداً ولم يرتكب أي جريمة، وكانت كل جريمته هي لقبه”.
ثلاث سنوات منذ وفاه الدكتورة إلهام، ولا جديد حول الإفراج عن زوجها. لكن الاتفاق الأخير فتح باباً للأمل أمام عائلته، لعل اسمه يكون ضمن الأسماء المفرج عنها، ولعل هذه السنة هي نهاية مأساة تشتت ومعاناة أسرة منذ تسع سنوات. بالرغم أن لا تأكيدات حول ذلك.
سنوات مرت، تغيرت خلالها العديد من الأحداث، وتبدلت فيها الكثير من الأحوال والوجوه، قامت انتهت حروب، واشتعلت أخرى، فيما ظل وضع الوالد كما هو، الحالة الأشد مرارة، غموضًا، وسرية.!
إنسان قبل أن يكون طرف
من بين الأسماء المطروحة ضمن صفقة التبادل اسم السياسي اليمني المعروف محمد قحطان، الذي اعتقل بصنعاء في 4 أبريل/ نيسان 2015؛ قحطان المنتمي لحزب الإصلاح اليمني، كان ما يزال في صنعاء لحظة فرض الإقامة الجبرية عليه، ثم اعتقاله لاحقا. قحطان السياسي المؤمن بالحوار، انقطعت اخباره تماما منذ إحدى عشر سنة، أحاديث وتكهنات كثيرة تم تداولها حول مصيره، بالنظر للتبعات الصحية التي يعاني منها إنسان ستيني، يشكو السكر وعدد أمراض أخرى.
” لا نعرف أكثر مما تعرفون” تقول ابنته فاطمة في حديث لمنصة “نسوان فويس” في معرض سؤالها عن المعلومات المتوافرة لدى العائلة بخصوص إطلاق سراح والدها.
” سنوات مرت، تغيرت خلالها العديد من الأحداث، وتبدلت فيها الكثير من الأحوال والوجوه، قامت حروب، واشتعلت أخرى، فيما ظل وضع الوالد، كما هو، الحالة الأشد مرارة، غموضا وسرية “.
اسم قحطان أحد أبرز الأسماء المطروحة في سجلات التفاوض، لكن لا أحد على يقين ما إذا كانت جهود المفاوضات ستنجح في إخراجه من اعتقاله المجهول، ولا أحد يعرف ما إذا كان سيظهر حياً أم ميتاً.
ما بعد الزنزانة.. جراح لا تُغلق
يوم الجمعة 14 أبريل/نيسان 2023، تم إطلاق سراح قائمة من الأسرى والمحتجزين لدى الأطراف المختلفة، بينهم (أ.ع. ش)، وهو أحد الأسماء المفرج عنها، سنتين مرت منذ لحظة الإطلاق، بدلاً من أن تكون بداية لاستنشاق وجه الحرية، وتعويض الأهل والأبناء سنوات الغياب، اختار( أ. ع. ش) العزلة، والابتعاد عن الناس، نزول يبدو كمن يعاني من اضطراب نفسي، يزداد سوء بمرور الأيام : ” منذ خروج أخي في رمضان قبل عامين، وهو على غير طبيعته، في البداية ظننا أنها تبعات الاعتقال، و ستزول مع مرور الوقت، لكن الأمر أخذ منحى آخر، وتطورت الحالة، لحد أنه توقف تماما عن الحديث” تقول أخته (ر. ع. ش) لمنصة “نسوان فويس”.
وتضيف:” أمي كعادة كل أم يمنية، ذهبت به إلى القراء، وحتى إلى المشعوذين ظنا منها أن عيناً أصابته، وحين فشلت محاولاته، قررت اخيراً، رغم رفضها المطلق، الذهاب به إلى طبيب نفسي، الدكتور صنف حالته بأنه اكتئاب نفسي حاد (MDD)، كتب له خطة علاجية متكاملة، لكنه مؤخرا رفض التعامل مع الطبيب، واختفى في جهة لا نعلمها لشهور، حتى أعاده صديق له شبه جثة، فاقد الشغف بالحياة تماما”.
كثير من المفرج عنهم يواجهون صعوبة في الاندماج مجددًا في حياتهم السابقة، ويعانون من الصدمات النفسية، والخوف الدائم من الاعتقال مجددًا، في ظل غياب شبه تام لخدمات الدعم النفسي، والاعتراف المجتمعي بالمعاناة ووجوب الوقوف مساندة هؤلاء، في بلد لا يملك رفاهية الالتفات للجروح غير المرئية.
كما أن التطرق لمعاناة من هم خارج القضبان من زوجات وأبناء وأمهات هي القضية الأشد مأساوية التي تدعونا لتناول هذا الملف ليس فقط من منطلق التغطية الإعلامية، بل لاستعادة معنى الإنسان في بلد اعتاد أن يراه وقودًا للحرب لا حاملا لبذرة الحياة.
تم توليد الصورة بواسطة أداة الذكاء الاصطناعي جمناي

