الهوس بالبياض: جمال مُصنَّع يهدد صحة اليمنيات

شارك المقال

نسوان فويس ـ علياء محمد

يدفع هوس ملاحقة صورة الجمال المثالية، كثيرا من الفتيات إلى الاندفاع نحو استخدام خلطات تبييض البشرة، دون تفكير كافٍ في الأضرار المحتملة الناتجة عن وصفات تُحضَّر بطرق مجهولة المصدر، وأحيانا بوسائل غير صحية، في سعيٍ محموم لبلوغ شكل يفرضه المجتمع، بمنأى عن الاختلافات الجينية، التي وضعها الخالق في مخلوقاته، وهو ما يدفع الفتيات للتسابق نحو وصفات وأدوية لا تراعي سلامة الجسد أو صحته.

وتسهم التصورات الاجتماعية غير العادلة، التي تختزل الجمال في لون البشرة الأبيض، إلى دفع الفتيات نحو تجربة أي وصفة متاحة، سواء كانت معدّة منزليًا بطرق غير آمنة، أو مشتراه من الصيدليات ومنافذ البيع، دون وعيٍ حقيقي بتأثيراتها ومناسبتها للبشرة من عدمه .

تبدو الفتيات وكأنهن في سباق محموم تحت شعار (البياض بأي ثمن)، حيث يُخيَّل لهن أن تلك الكريمات تمثل الحل السحري لتغيير لون البشرة، في حين أنها في الواقع قنابل كيميائية تحمل سلسلة من المخاطر الصحية، وتهدد شريحة واسعة من الفتيات، مخلفة آثارا صحية قد تمتد لسنوات طويلة.

تجربة سميرة عبد الله (25 عامًا) واحدة من تجارب الفتيات هذه، حيث دفعتها ضغوط المجتمع ومعاييره الجمالية إلى ملاحقة لون بشرة أفتح.

تقول سميرة لمنصة “نسوان فويس”: “الناس تحب البياض وتتفاخر به، وهذا ما دفعني لاستخدام عدد من خلطات التبييض، وكل خلطة تناسبني أستمر عليها”.

وتروي سميرة أنها استخدمت خلال سنتين عدة أنواع من الخلطات، بعضها تسبب لها بحساسية وتهيج في البشرة، إلا أنها لم تتوقف، بل كانت تستبدل الخلطة بأخرى سعيًا للوصول إلى البياض الذي يراه المجتمع معيارًا للجمال.

وتضيف: “بعض الخلطات سببت لي التهابات، وزادت حالتي سوءًا، لكني كنت أبحث عن بدائل أخرى”.

حالة سميرة ليست حالة واحدة، بل تعبّر عن توجه متزايد للفتيات اللواتي يخضعن لضغوط اجتماعية ومعايير جمالية تدفعهن للبحث عن بشرة بيضاء.

وهذا ما تعكسه حالة أروى سامي (20 عامًا) التي وصل بها الهوس إلى استخدام خلطات التبييض بشكل مفرط، في محاولة للتخلص من التنمّر الذي تتعرّض له بسبب بشرتها السمراء، بحثًا عن مظهر “يرضي توقعات الجميع”.

الفضلي: كثير من الفتيات يعانين مما يشبه (المنطقة العمياء) تجاه جمالهن الحقيقي، ما يجعلهن أكثر عرضة للتأثر بمعايير جمال خارجية متغيرة، وهو سلوك لا يرتبط بالجمال الحقيقي بقدر ما يرتبط بعوامل نفسية وضغوط اجتماعية، أهمها عدم الثقة بالنفس وتدنّي تقدير الذات والخوف من النقد والشعور الدائم بالمقارنة مع الآخرين، وهي عوامل تسهم في تبنّي سلوكيات تجميلية غير صحية

ضغوط ورغبة في القبول

تتداخل عوامل اجتماعية ونفسية متعددة في دفع الفتيات إلى السعي للحصول على بشرة أكثر بياضا، إذ يرتبط هذا السلوك الجمالي، وفق مختصين في علم الاجتماع، بثقافة المجتمع والبيئة التي تفرض تصورات محددة حول الجمال المقبول.

وفي هذا السياق، توضح، خبيرة علم الاجتماع، الدكتورة سهير عاطف، أن تزايد لجوء بعض الفتيات إلى خلطات التبييض الكيميائية، وتراجع تقدير الجمال الطبيعي والتنوع اللوني، يعود بالأساس إلى الضغوط الاجتماعية والمعايير الجمالية الضيقة التي تُقدّم البشرة البيضاء بوصفها النموذج المثالي، وهو تصور غير واقعي ولا يعكس التعدد الطبيعي للجمال داخل المجتمع.

وتشير عاطف إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تعميق هذه الظاهرة، من خلال الترويج لصور مثالية ومفلترة تدفع الفتيات إلى المقارنة المستمرة، وتغذي الشعور بالحاجة إلى التغيير السريع، إلى جانب ضعف الوعي بمخاطر المواد الكيميائية، والاعتقاد الخاطئ بأنها حلول آمنة وسريعة، فضلًا عن الفضول وحب التجربة، خصوصًا لدى المراهقات.

وتلفت إلى أن الإشكالية لا تتعلق فقط بالأضرار الصحية لهذه المنتجات، بل بالرسالة الضمنية التي تُكرّس فكرة أن قيمة الإنسان مرتبطة بلون بشرته، ما يعمّق الإحساس بعدم الرضا عن الذات ويؤثر سلبا على الصحة النفسية.

من جهتها، ترى أخصائية علم النفس، أشجان الفضلي، أن اندفاع الفتيات نحو قرارات تجميلية غير مدروسة يرتبط بعوامل نفسية معقدة، مؤكدة أن اهتمام النساء بجمالهن ليس أمرا جديدا، إذ اعتمدت النساء قديما على وسائل طبيعية للحفاظ على نضارة البشرة، مثل استخدام الغَسل والهَرد.

وتضيف الفضلي لمنصة “نسوان فويس”:” المشكلة بدأت مع ترسيخ تصورات اجتماعية تربط الجمال بلون البشرة البيضاء، رغم أن الجمال بطبيعته متنوع ولا ينحصر في قالب واحد” .

وتضيف “: مع مرور الوقت بدأت تظهر معايير اجتماعية تربط لون البشرة البيضاء بالجمال، رغم أنّ الجمال في الأصل متنوع ولا يقتصر على لون معيّن”.

وتؤكد: “كثير من الفتيات يعانين مما يشبه (المنطقة العمياء) تجاه جمالهن الحقيقي، ما يجعلهن أكثر عرضة للتأثر بمعايير جمال خارجية متغيرة، وهو سلوك لا يرتبط بالجمال الحقيقي بقدر ما يرتبط بعوامل نفسية وضغوط اجتماعية، أهمها عدم الثقة بالنفس وتدنّي تقدير الذات والخوف من النقد والشعور الدائم بالمقارنة مع الآخرين، وهي عوامل تسهم في تبنّي سلوكيات تجميلية غير صحية.

وترى الفضلي أن محاولة إرضاء توقعات المجتمع المتباينة تدفع العديد من الفتيات إلى تغيير مظهرهن طلبا للقبول الاجتماعي، حتى مع إدراكهن للمخاطر الصحية الجسيمة التي قد تترتب على الإفراط في استخدام خلطات التبييض.

خلطات الموت الصامتة

خلال جولة ميدانية قامت بها معدة التقرير، بين مراكز التجميل والصيدليات، لوحظ انتشار واسع لخلطات التبييض التي تحمل أسماء جذابة تجذب النساء لشرائها، رغم عدم معرفة مكوناتها أو آثارها، وغالبا ما تُصنع هذه الخلطات بطريقة عشوائية، تتضمن مواد خطيرة مثل الزئبق، الهيدروكينون، أو الكورتيزون.

تقول الصيدلانية رهام ناصر لمنصة “نسوان فويس”: “هناك مواد تُستخدم في المستحضرات الطبية بجرعات دقيقة وتحت إشراف طبي، لكن خلطها عشوائيا قد يؤدي إلى تسمم جلدي وتلف دائم في الخلايا”.

وتضيف: “بعض الفتيات والمحلات تخلط كريمات علاجية مع مواد مبيضة دون معرفة نسبها أو آثارها، مما يسبب التهابات مزمنة وتغيرات دائمة في لون الجلد”.

تروي ماجدة نبيل ( 43 عامًا) وهي إحدى ضحايا هذه الخلطات، تجربتها بمرارة لمنصة “نسوان فويس”، قائلة : “استخدمت خلطة من صديقة لي، بعد مدحها لها، وبعد أسبوعين من الاستخدام ظهرت بقع داكنة واحمرار في البشرة، وشخصت حالتي بأن الطبقة السطحية من الجلد تلفت”.

الجدير بالذكر أن كثير من أطباء الجلدية يؤكدون أن أضرار خلطات التبييض لا تقتصر على الطبقة السطحية من الجلد، بل تمتد إلى الخلايا العميقة، متسببة في تهيج البشرة والتهابات في طبقات الجلد وتصبغات يصعب علاجها، بالإضافة إلى ذلك، يستخدم صانعو خلطات التبييض مواد خطيرة على البشرة، وفي حال امتصاص الجلد لهذه المواد تسبب أضرارًا صحية خطيرة تظهر مع الوقت.

غياب التوعية والرقابة

شهدت أسواق اليمن انتشارًا واسعًا لخلطات التبييض بمختلف أنواعها، سواء المصنعة تجاريًا أو المعدّة منزليًا، والتي عادة ما تُباع هذه الخلطات دون أي رقابة صحية أو إشراف من الجهات المختصة.

ويستغل الكثير من الباعة والمحلات الإقبال المتزايد من الفتيات لشراء هذه الخلطات للترويج لها وبيعها، بالرغم من خطورتها وتأثيرات التفاعلات الكيميائية لهذه الخلطات على البشرة.

في هذا الصدد تلقي أفنان العفيف، وهي مثقفة صحية، باللائمة في انتشار هذه التجارة على غياب الرقابة والتثقيف الصحي وحملات التوعية.

وتتابع العفيف حديثها لمنصة “نسوان فويس”، قائلة: “تجهل الكثير من الفتيات مكونات خلطات التبييض التي تستخدمها، ويعتمد الكثير منهن على تجارب الآخرين أو الإعلانات المضللة بدل استشارة مختصين في البشرة، الأمر الذي يساعد على تداول خلطات التبييض الخطرة دون رادع أو وعي كافٍ”.

وبرأيها، لا يُقاس الجمال الحقيقي بدرجة البياض، بل بالعناية الصحية للبشرة من خلال التغذية السليمة، واتباع روتين يومي مناسب لنوع البشرة، وشرب كميات كافية من الماء، إضافة إلى تجنّب الخلطات المجهولة التي قد تضرّ بصحة الجلد أكثر مما تنفعه.

 

عاطف: حماية الفتيات من مخاطر الممارسات غير الآمنة لا تتحقق فقط عبر التحذير من خلطات التبييض الضارة، بل من خلال تعزيز ثقافة التقبّل والوعي الصحي والمجتمعي باحترام الاختلاف والتمايز، وترسيخ القناعة بأن الجمال ليس لونًا واحدًا. وتشدد على أن دعم الفتيات نفسيًا، وبناء صورة إيجابية وصحية عن الجسد، تمثل الأساس الحقيقي للحد من هذه السلوكيات

تعزيز ثقافة التقبّل

تخلص خبيرة علم الاجتماع سهير عاطف، في حديثها لمنصة “نسوان فويس” إلى أن مواجهة هذه الظاهرة وحماية الفتيات من مخاطر الممارسات غير الآمنة لا تتحقق فقط عبر التحذير من خلطات التبييض الضارة، بل من خلال تعزيز ثقافة التقبّل والوعي الصحي والمجتمعي باحترام الاختلاف والتمايز، وترسيخ القناعة بأن الجمال ليس لونًا واحدًا. وتشدد على أن دعم الفتيات نفسيًا، وبناء صورة إيجابية وصحية عن الجسد، تمثل الأساس الحقيقي للحد من هذه السلوكيات وحماية المرأة من الانسياق وراء معايير جمالية زائفة.

في المحصلة، يظلّ الجمال قيمة إنسانية لا تُختزل في لون البشرة، ولا يمكن اختصاره في وعود تفتيح سريع وآمن لا وجود لها في الواقع. فخلطات التبييض، مهما بدت مغرية بنتائجها السريعة، قد تُخفي خلفها أضرارًا صحية عميقة تسرق نضارة الجلد وتشوّه الجمال الطبيعي على المدى البعيد.

مقالات اخرى