إكرام فرج – نسوان فويس
لم تبدأ قصة نبيلة عبيد من مكتب أنيق أو مصنع حديث، بل من مطبخ بحري بسيط في مدينة بروم على ساحل حضرموت، هناك كبرت وهي ترى البحر ليس مجرد مصدر رزق للصيادين، بل هوية غذائية مهددة بالاندثار، وبيئة هشة تحتاج إلى حلول مبتكرة تحميها من التلوث والهدر.
من هذا الارتباط العميق بالبيئة الساحلية، وُلدت الشرارة الأولى لمشروعها الريادي “مذاق بروم”، وُلد المشروع ليحول الأسماك المحلية إلى منتجات غذائية صحية ومستدامة، ويصنع في الوقت ذاته قصة ريادة تقودها امرأة يمنية شابة جمعت بين العلم والهوية والابتكار البيئي.
جاءت فكرة “مذاق بروم” من ارتباطي الشخصي بساحل حضرموت وحياة الصيادين، ومن دافع إنساني للحفاظ على الموروث الغذائي البحري الذي ظل مهمشاً تجارياً، رغم غناه بالقيمة الغذائية واعتماده على موارد محلية متوفرة إذ يعتمد المشروع على تحويل وصفات بحرية تقليدية إلى منتجات حديثة وسهلة الاستخدام، تشكل بدائل صحية للمرق والبهارات الصناعية المنتشرة في الأسواق
ريادة نسوية من الساحل
تقف خلف المشروع نبيلة عبيد (30 عاماً)، خريجة علوم بيئية وأحياء بحرية من جامعة حضرموت (دفعة 2020)، أطلقت نبيلة مشروعها عام 2024، بعد حصولها على دعم من وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، لينطلق كمبادرة صغيرة مستوحاة من المطبخ البحري التراثي، قبل أن يتطور تدريجياً إلى مشروع ريادي غذائي-بيئي يحمل بُعداً صحياً ومجتمعياً واضحاً.
تتحدث نبيلة لمنصة “نسوان فويس” عن مشروعها، قائلة: “جاءت فكرة “مذاق بروم” من ارتباطي الشخصي بساحل حضرموت وحياة الصيادين، ومن دافع إنساني للحفاظ على الموروث الغذائي البحري الذي ظل مهمشاً تجارياً، رغم غناه بالقيمة الغذائية واعتماده على موارد محلية متوفرة، إذ يعتمد المشروع على تحويل وصفات بحرية تقليدية إلى منتجات حديثة وسهلة الاستخدام، تشكل بدائل صحية للمرق والبهارات الصناعية المنتشرة في الأسواق”.
ومن بين هذه المنتجات مسحوق الحنيذ، مرقة التونة الطبيعية، ومنتجات سمكية مجففة، جميعها طبيعية 100%، وخالية من المواد الحافظة والإضافات الصناعية.
وتتميز منتجات مشروع “مذاق بروم” بغناها بالبروتين، وأحماض الأوميغا 3، والكالسيوم، ما يجعلها خياراً أكثر أماناً وصحة مقارنة بالبدائل الصناعية.

ابتكار بوعي بيئي
لم يكن التطوير وليد الصدفة، إذ أسهمت تدريبات التفكير التصميمي عبر مؤسسة صِلة في مساعدة نبيلة على فهم احتياجات المستهلك، وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة غذائية واقتصادية، مع التركيز على معالجة مشكلتين أساسيتين هما الهدر البحري، وضعف الخيارات الصحية في السوق المحلي.
ولا يتوقف أثر المشروع عند الغذاء فقط بل يمتد إلى البيئة، حيث يعتمد على إعادة تدوير المخلفات البحرية كالعظام والأصداف، وتحويلها إلى مسحوق كالسيوم وسماد عضوي، في خطوة تسهم في تقليل التلوث البحري وتعزيز مفهوم الاقتصاد الدائري، مع تحقيق توازن بين الإنتاج الغذائي وحماية البيئة البحرية.
ويساهم “مذاق بروم” في تمكين النساء في مجال التصنيع الغذائي، وإشراك الشباب في عمليات التجفيف والتعبئة، إضافة إلى دعم الصيادين والموردين المحليين، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة داخل المجتمعات الساحلية.
تحديات واقعية وإنجازات
رغم التحديات التي واجهت المشروع، وعلى رأسها التمويل، التسويق، وتقبل المستهلك للمنتجات الجديدة، إلا أن الجودة العالية، والتجربة الميدانية، والدعم التدريبي أسهمت في تجاوز هذه العقبات.
وقد توجت هذه الجهود بالحصول على أربع جوائز، من بينها الفوز مرتين مع مؤسسة ريادة، والفوز في هاكاثون الابتكار الأخضر، إضافة إلى جوائز أخرى عبر مؤسسة صِلة وبرنامج مهنتي 8.
هاكاثون الابتكار الأخضر “منصة للريادة”
في هذا السياق تقول منى المشجري، الأمين العام لمبادرة صحصح، لمنصة”نسوان فويس” :” الهدف من تنظيم هاكاثون الابتكار الأخضر الجامعي هو خلق حلول مبتكرة ومستدامة للتحديات البيئية المتسارعة، موضحة أن الهاكاثونات لم تعد مجرد مسابقات تقنية، بل أدوات فعالة لتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق.
وتؤكد المشجري أن المشاريع الفائزة جرى اختيارها وفق معايير تشمل الإبداع، الاستدامة، قابلية التطبيق، والأثر الاجتماعي والبيئي، مع وجود نية لدعمها مالياً وربطها بجهات مانحة مثل بنك الأمل ومنظمة سمبس لتحويلها إلى شركات ناشئة.

إشادة ودعوة للدعم
من جانبه، يرى البروفيسور سالم بازار، عضو هيئة التدريس بكلية العلوم البيئية والأحياء البحرية بجامعة حضرموت، أن مشروع “مذاق بروم” يمثل نموذجاً وطنياً مبتكراً لمعالجة قضايا الغذاء الآمن والصحي، ويستحق اهتماماً وطنياً ودولياً لدوره في تعزيز الأمن الغذائي في اليمن عموماً وحضرموت خصوصاً.
ويؤكد بازار في حديثه لمنصة “نسوان فويس”: أن التركيز على الأغذية الطبيعية وتحويل المخلفات البحرية إلى منتجات مفيدة، سواء كمسحوق أسماك أو سماد عضوي، ينعكس إيجاباً على صحة الإنسان ويحافظ على البيئة البحرية، مشدداً على أهمية دعم المشاريع النسوية البيئية ودمج النساء والشباب في الاقتصاد الأخضر.
في بلد تتكاثف فيه التحديات، تذكرنا تجربة “مذاق بروم “بأن التغيير قد يبدأ من مساحة تبدو صغيرة مطبخ، فكرة، أو امرأة تؤمن بحقها في أن تكون جزءً من الحل.

طموح يتجاوز الجغرافيا
تحلم نبيلة بتوسيع خط إنتاج المشروع الخاص بها والدخول إلى أسواق جديدة محلياً وخارجياً، لبناء علامة تجارية تنافسية تنطلق من ساحل حضرموت إلى العالم، كنموذج لمشروع غذائي–بيئي تقوده امرأة يمنية، ويؤكد أن الريادة النسوية قادرة على صناعة حلول مستدامة حتى في أكثر البيئات تحدياً.
في بلد تتكاثف فيه التحديات، تذكرنا تجربة “مذاق بروم “بأن التغيير قد يبدأ من مساحة تبدو صغيرة مطبخ، فكرة، أو امرأة تؤمن بحقها في أن تكون جزءً من الحل.
ولم يكن مشروع نبيلة عبيد مجرد مبادرة غذائية، بل فعل مقاومة هادئة ضد الهدر، والتهميش، وتآكل الهوية المحلية، وذلك من خلال وصل البحر بالمعرفة، والتراث بالابتكار، أعادت صياغة معنى الريادة النسوية كقوة تصنع الأثر، لا كاستثناء عابر.
هذه القصة ليست عن نجاح فردي فقط، بل عن إمكانات النساء حين تتوفر لهن المساحة والثقة، ومن ساحل حضرموت، يخرج “مذاق بروم” كشهادة حية على أن الاستثمار في النساء، وفي المعرفة المحلية، هو استثمار في الحياة نفسها، وفي مستقبل أكثر عدالة واستدامة.
تم إنشاء الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

