جسد محجوز حتى إشعار آخر: حين تصبح النساء ساحة للموروثات

شارك المقال

هناء عبدربه – نسوان فويس

في كثير من المجتمعات الريفية داخل اليمن، ما زلنّ النساء يصطدمنّ بالعادات والتقاليد المتوارثة حول الحيض، حيث يُعد موضوعاً هامشياً يتداول بصوت منخفض، كأمر وجب أن يختبأ تحت عباءة الاخفاء والخجل. ومع أنها عملية بيولوجية تعيشها النساء شهرياً وتعتبر أمر في غاية الطبيعة، إلا أن هناك كثير من المعتقدات المجتمعية المتعلقة بها. والتي اتخذت أشكال عديدة ومختلفة من مجتمع لآخر ومن عائلة لأخرى، لكن ما يجمعها في النهاية، هو جسد المرأة وتقييده بالأحكام وفرض السلطة عليه.

في بعض المناطق اليمنية يتم النظر إلى النساء بنظرة دونية خلال أيام دورتها الشهرية، باعتبارها “نجسة” أو “غير طاهرة” وهو تصور اجتماعي أتى من فهم مغلوط للدين، وينعكس بصورة سلبية على تفاصيل حساسة في حياة المرأة، جراء هذا التصور يتم التعامل معها بطريقة لا إنسانية في كثير من المجتمعات الصغيرة.

قد لا تعد بتلك الكثافة التي كانت عليها، إلا أنها موجودة بممارسات وطرق جديدة ومبتكرة. فمن خلال هذه الثقافة تمنع كثير من النساء من ممارسة حيواتهن بطرق طبيعية أثناء فترة الحيض، وهناك مناطق وتجمعات سكانية معينة لديها بعض المحرمات على النساء تتمثل في المنع من الجلوس مع أفراد العائلة والطبخ وعدم تقبيل الأطفال والاقتراب من المواشي ورعايتهن. خشية أن تسبب أضرار للآخرين باعتبارها غير طاهرة أو قد يتم تبرير هذه العادات بأنها موروثات قديمة لها حكمتها، حتى وإن كانت قد عفا عليها الزمن.

 الأثر النفسي والاجتماعي

تلفت ردود الفعل الانتباه إلى الفجوة الكبيرة التي يعيشها المجتمع في عدم فهم جسد المرأة، نتيجة الجهل وغياب الوعي، الذي يُترجم نحو النساء بقيود وممارسات لا صحة لها بيولوجياً، وبين انتشار المعرفة في عصرنا الرقمي. فإن مثل الأفكار هذه تلقى رواج كبير رغم توفر المعرفة على الفضاء الرقمي. وما يحدث هو العكس تماماً عن اكتساب الفهم الكافي، حيث تتحول مواقع التواصل الاجتماعي على سبيل المثال لمساحة يمارس فيها العنف النفسي والسخرية من طبيعة النساء، والتغيرات الهرمونية خلال رحلة الدورة الشهرية، من استخدام “الميمز” الساخر أو حتى معايرتهن بـ”الهرمونات” المتقلبة عندما تتعاكس آراء الجنسين أو يكونوا في موضع اختلاف، وحتى دون سبب. ولعل هذه التصرفات شائعة على مواقع التواصل الاجتماعي، هي امتداد للثقافة المجتمع ذاته الذي يعزز مثل هكذا تصرفات في أحيان كثيرة.

تقول الاخصائية النفسية، نورا خالد: “أن العديد من الآثار النفسية والمعتقدات السلبية المرتبطة بالحيض من شأنها أن تولد مشاعر العار والخجل. فعندما تعامل الدورة الشهرية كأمر قذر ومخجل، تتكون لديها استجابة عار مرتبطة بجسدها ووظائفه الطبيعية. مما يجعلها تشعر بأن شيئا خاطئاً فيها، وهو ما يؤثر في ثقتها بنفسها وعلى علاقتها بجسدها على المدى الطويل”.

نتيجة لهذه الممارسات المغلوطة، تعزل النساء أنفسهن بقصد أو دون قصد تحت تأثير هذه المغالطات وتأخذهن بعيدا عن فهم طبيعتهن وفهم التغيرات الجسدية والنفسية خلال مرورهن بها. إذ يبقى الحديث عن الحيض محاط بالتحفظ والعار، ويجعلهن يعيشن بحساسية وقلق في ظل محدودية التعلم وضعف التثقيف الصحي خاصة في الأرياف والتورط بالسماح لهذه الخرافات بترسيخ تصورات خاطئة أكثر.

أما أم محمد، وهي امرأة مطلقة عانت لفترة من هذا الاحتقار، تقول: “تزوجت مثل أي شابة في قريتي بسن مبكر، انتقلت للعيش مع عائلة زوجي فوراً. وإذ بي مع أول شهر، عندما حانت دورتي، عشت حالة عزل ومقاطعة من الجميع، والأمر لدى العائلة التي تزوجت فيها يعد عادياً جداً كون هذه عاداتهم، لكن لم أتقبل الأمر على مدار خمسة أعوام. كل شهر، أنا وأي امرأة داخل هذا البيت كان يتم احتجازنا بعيداً عنهم، لا آكل معهم، لا أطبخ لهم، لا أقبل الأطفال، لا ألمس المواعين التي يستخدمونها. لم أتحمل، إضافةً لأسباب أخرى فضلت أن ينتهي هذا الزواج المهين”.

وتقول: “لا أصوّر أن حياتي قبل وبعد الزواج مثالية، بل أنا مثل أي امرأة في عائلة محافظة تعاني من بعض القيود والتقاليد العجيبة، إلا أن ما عشته أثناء زواجي مع أسرة زوجي كان يتجاوز حدود صبري وكرامتي كإنسانة”.

تشير منظمة اليونيسف  في دراسة لها حول منطقة الشرق وشمال أفريقيا، أن ١٠% أبدين شعورهن بالخجل أثناء دورتها الشهرية، ما يعكس عمق الوصمة الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية ككل.

جذور ثقافية

تأتي الجذور الثقافية للوصمة المرتبطة بالدورة الشهرية من مزيج من الخلط بين التفسيرات الدينية والخرافات الشعبية التي لم تصحح إلى الآن لدى بعض المجتمعات اليمنية. فهي تعود لأجيال قديمة تعتقد أن الحيض دم نجس أو فاسد. وبحسب أستاذة علوم القرآن مريم أحمد، فأن: “الناس اعتمدت على تفسيرات سطحية للدين وعولمت على أساسها النساء معاملة سيئة وعنيفة لا تمت للاحترام الإنساني بأي صلة”.

وتضيف:” هذه التفسيرات جعلت من المجتمع يخلط خلط “مزعج” بين موروثاته الشعبية والفتاوى الدينية المتشددة، وحولتها رسمياً لمفهوم ديني، دون دراية أو وعي حقيقي” ثم تقول:” نحن بحاجه للقراءة الحثيثة والتوعية اللازمة لدرأ هذه الثقافة المغلوطة التي تمارس لليوم هذا بطرق مبتكرة، ولا تقتصر على المجتمعات المنغلقة فحسب”.

ورغم أن هذه المعتقدات قد تبدو قديمة ومجرد عادات مضى عليها الزمن، إلا أنها في حقيقتها بنية ذهنية مسعورة متوارثة تعيش في ذاكرة الناس الجمعية. وتحولت مفاهيم اقصاء النساء مثل الحياء والستر لأدوات تضبط النساء وتفرض عليهن قيود وحدود غير مرئية، ولكنها تستنزف كرامة المرأة، حتى أصبح جسدها جزء من النظام الأخلاقي السائد أكثر من كونه يمر بتغيرات بيولوجية عادية. وفي ظل هذا الإرث تجد النساء أنفسهن محاصرات بين تحذيرات وقيود الماضي وبين تغيرات الحاضر الذي يفرض نفسه بشكل أو آخر. وبين هذا وذاك يتشكل الوعي والإدراك رغم صعوبة تفكيك هذه المعتقدات.

تحول نظرة المجتمع

مع دخول جيل من النساء إلى فضاءات العمل والتعليم والمشاركة في الحياة العامة، حدث هناك تغيير ملحوظ في المجتمعات الأكثر انغلاقا مقارنة بقبل سنوات قليلة، وتراجعت كثير من الأفكار والمعتقدات المتعلقة بجسد المرأة ولا سيما بالحيض. وبدأت كثير من النساء والفتيات برفض الممارسات المزعجة، حتى أن كثير من الأسر بدأوا بإعادة النظر في “مسلمات” توارثوها دون قصد.

الشابة فاطمة (اسم مستعار)، تقول:” كبرت ولدي عائلة مكونة من سبع إناث وأربعة أخوة، وبيت عائلة يجمع الأعمام وأبنائهم جميعاً، كنت آخر العنقود من البنات التي وجدتهن يختبئن اثناء فترة الحيض، وهذه تصرفات كل النساء والفتيات في عائلتنا. لحسن حظي كبرت في مرحلة التطور الرقمي ووجود كثير من المحتوى التثقيفي في هذا الجانب، منذ أن فهمت وأنا لم أعد اخجل أو اختبأ وكذلك بنات أعمامي الذي من سني”.

تردف فاطمة:” عندما عرفت أن قبل سنوات قليلة كانت المرأة تعزل في بيتنا، اشعر بالخجل. ليس لأن هذا عيب فحسب ولكن لأنه ظلم غير مستوعب من قبل النساء، وأنا متأكدة أن هذه العادات في كثير من المنازل، ولكن بنات هذا الجيل يطمسنها بشجاعتهن”.

بلا شك أن هذه التحولات الاجتماعية تحدث، وتتغير معها عقليات ظلت تعيش بيننا منذ عشرات السنين، إلا أن التحول البسيط في وعي المجتمعات الريفية اليمنية في هذا الجانب، يعد خطوة جوهرية تفكك إرث طويل من الظلم.

تبقى مسؤولية تغيير المجتمع وتفكيك سرديته تجاه النساء وأجسادهن، مسؤولية النساء أنفسهن. فكل تغيير يحدث هو قادم من امرأة جسورة لديها المعرفة الكافية بطبيعتها. لذا يجب أن يتحد الجميع لتغيير هذه الوصمة، وأن تركز منظمات المجتمع المدني على تعريف النساء خاصة في البيئات الأشد صعوبة، بحقوقهن وكرامتهن.

 

مقالات اخرى