كيف صوّرت وسائل الإعلام اليمنية المرأة؟

شارك المقال

كيف نغطي وضع النساء في الحرب دون استهلاك الألم أو تعريض الناجيات للخطر؟

تناقش هذه الورقة سؤالًا مركزيًا: كيف ننتقل من تغطية النساء بوصفهن “موضوعًا” إلى تغطية تُنتج معرفة ومسؤولية ومسارات حماية؟

في اليمن كمنطقة نزاع، لا يمكن التعامل مع “قضايا النساء” كملف اجتماعي منفصل، لأنها تقع في تقاطع الحرب والسلطة والاقتصاد والأمن والوصاية الاجتماعية. وفي هذا التقاطع، تُسحب القصة النسوية غالبًا إلى أربع اتجاهات متعارضة:

سلطة تريدها تهدئة أو تأديبًا، أطراف صراع تريدها ذخيرة، منصات رقمية تريدها تفاعلًا، ونساء يدفعن ثمن هذه المعركة عبر الوصم أو الانتقام أو الابتزاز أو إعادة الإيذاء.

أولًا: كيف تتناول الوسائل الإعلامية اليمنية قضايا النساء؟ خريطة أنماط لا أحكام أخلاقية لفهم صورة المرأة في الإعلام اليمني، من المفيد التفكير بمنطق “أنماط إنتاج” لا بمنطق اتهام النوايا. يمكن تلخيص أبرز الأنماط الشائعة في ستة مسارات متداخلة:

1.حضور موسمي بدل إدماج بنيوي تظهر قضايا النساء في مناسبات أو عند حوادث صادمة، ثم تغيب عن تغطية الاقتصاد والخدمات والعدالة والحكم المحلي والسياسات العامة. هذا يعزل النساء عن “الخبر اليومي”، ويجعل حضورهن مشروطًا بالاستثناء لا بالحق.

2.هيمنة إطار “الضحية” على إطار “المساءلة” تُروى المعاناة بتفاصيل مؤثرة، لكن دون تتبع جاد لأسئلة المسؤولية: من الجاني؟ أين تعطلت الاستجابة؟ ما ثغرات الحماية؟ كيف يعمل الإفلات من العقاب؟ عندما تغيب هذه الأسئلة تصبح الصحافة “سردًا” لا “مساءلة”، وتتحول القضية إلى عاطفة بلا أثر سياسي أو حقوقي.

3.التسييس والانتقائية في بيئة استقطاب، تُستخدم انتهاكات النساء لإدانة الخصوم وتُهمَّش حين تُحرج الحلفاء. هذا ينسف الاتساق الحقوقي، ويحوّل المرأة من صاحبة حق إلى أداة في الصراع الرمزي.

4 . ضغط السوشيال ميديا نحو الصدمة على حساب السلامة المنصات تكافئ الصورة والاسم والتفصيل والعنوان الصادم. في اليمن، هذه العناصر قد تصبح أدوات أذى: وصم، انتقام، ابتزاز، تحريض، عنف أسري، أو مطاردة رقمية. المشكلة لا تتعلق بالمنصات فقط، بل بغياب سياسات حماية داخل غرف الأخبار، فتُدار التغطية بمنطق التفاعل لا بمنطق المصلحة العامة.

5. تغييب النساء كمصادر معرفة وخبرة تتكرر صورة النساء بوصفهن “قصصًا إنسانية” ، بينما يُندر حضورهن كمصادر في الاقتصاد والخدمات والعدالة والسلام وإدارة الأزمات. هذا ينتج “احتكارًا ذكوريًا للمعنى” ويمنع الجمهور من رؤية النساء كفاعلات وشريكات في إنتاج الحلول والمعرفة.

6.غياب البرامج والمنصات المتخصصة بقضايا النساء كثير من المؤسسات تفتقر إلى برامج دورية، ووحدات متابعة قانونية/تحقيقية، ومساحات تراكم معرفي. النتيجة تغطية موسمية بلا متابعة، وقضايا تظهر ثم تختفي دون أثر، ودون بناء خبرة تحريرية قادرة على التعامل مع ملفات حساسة مثل الاختطاف والابتزاز أو العنف الرقمي.

خلاصة هذا المحور:

القضية ليست “تعاطفًا” أو “نوايا”. القضية هي تصميم التغطية: هل تخرج المرأة من الوصم إلى الحق، ومن الشفقة إلى المساءلة؟

ثانيًا: النساء في الحرب وعدم الاستقرار: لماذا يجب أن يتغير سردنا؟ في النزاع، وضع النساء لا يتغير فقط لأنهن “ضحايا”، بل لأن الحرب تعيد تشكيل شروط الحياة اليومية. ولذلك يجب أن يتحول السرد من “قصة ألم” إلى “قراءة بنيوية” تشرح كيف تعمل منظومة العنف والسلطة والخدمات؟

  1.  الأمن الشخصي وقيود الحركة الخوف يصبح نظام حياة. أي تفصيل صحفي قد يتحول إلى خطر: الاسم، الحي، صلة القرابة، المدرسة، مكان العمل، الصوت، الصورة، خلفية المكان. في هذه البيئة، الانكشاف ليس اجتماعيًا فقط؛ قد يكون أمنيًا.
  2. اقتصاد البقاء داخل الأسر كثير من النساء أصبحن معيلات أو شريكات أساسيات في إعالة الأسرة عبر أعمال غير منظمة، مع عبء رعاية مضاعف وانهيار خدمات. هذا ليس مجرد جانب إنساني؛ إنه ملف اقتصادي وسياسي يوضح كيف يصمد المجتمع، وكيف تتوزع المخاطر والاستغلال، وكيف يتحول الانهيار الخدمي إلى عنف أو استغلال أو تمييز مضاعف.
  3. العنف القائم على النوع والعنف الرقمي والابتزاز العنف الرقمي ليس هامشًا؛ هو أداة ضبط وإقصاء من المجال العام: إسكات ناشطات وصحافيات، تشويه سمعة، تهديد بالصور، فرض صمت. التغطية المهنية تفكك المنظومة: كيف يعمل الابتزاز؟ من يحميه؟ أين تتعطل الاستجابة؟ ولماذا يُحمَّل اللوم للمرأة بدل الجاني؟
  4. تدهور العدالة والخدمات وتسييس مسارات الإنصاف ضعف الوصول إلى شرطة/نيابة/قضاء فعّال، وتعدد السلطات، والتسويات الاجتماعية، وغياب خدمات الحماية والدعم النفسي—كلها عوامل تجعل القصة النسوية “سياسية” بامتياز. من دون إبراز هذه البنية يتحول النشر إلى حكاية منفصلة لا تنتج حماية ولا مساءلة.

خلاصة هذا المحور:

بدل “قصة ألم”، نحتاج “قراءة بنيوية” للعنف: كيف يُنتج؟ من يحميه؟ كيف يُستثمر سياسيًا؟ وكيف يُقاوَم؟

 ثالثًا: النساء في السجون وتحت طائلة الاختطاف والابتزاز… ورفض الأهالي الحديث

هذا الملف هو الأكثر حساسية، لأن المخاطر هنا ثلاثية: على الضحية، على الأسرة، وعلى الصحفي/ة. وهو أيضًا الملف الذي يختبر جوهر أخلاقيات المهنة: هل نكسر الصمت بطريقة تحمي أم بطريقة تفضح؟

لماذا ترفض الأسر غالبًا الحديث؟ رفض الأسرة غالبًا ليس إنكارًا للواقعة، بل قرار سلامة في بيئة لا تحميهم. من دوافع الرفض المتكررة:

  • الخوف من انتقام الجهة المسيطرة أو شبكات الجريمة أو الوسطاء المرتبطين بها.
  • الخوف من أن يؤدي أي نشر إلى تفاقم وضع المرأة داخل الاحتجاز أو خلال التفاوض على إطلاقها.
  • الخوف من الوصم وتحويل الجريمة إلى “فضيحة” تطال المرأة والأسرة.
  • الخوف من الابتزاز: أن يُستخدم النشر لتوسيع التشهير أو لفرض مطالب مالية أو تنازلات.
  • الخوف من عقاب أسري لاحق في بعض البيئات حيث يُترجم الوصم إلى عنف داخل الأسرة.

المأزق التحريري: صمت كامل قد يطيل الانتهاك، ونشر كاشف قد يوسع الأذى.

المطلوب: تغطية تُنتج ضغطًا عامًا دون كشف. بروتوكول مهني للتغطية عندما ترفض الأسرة الحديث (تفصيلي)

  1. حوّل القصة من فرد إلى نمط بدل تقديم القضية كـ“حكاية امرأة”، قدّمها كـ“آلية” تتكرر: كيف يتم الاستهداف؟ كيف يبدأ الابتزاز؟ ما أدوار الوسطاء؟ ما أنماط الاحتجاز؟ أين تتعطل الاستجابة؟ هذا يكسر الصمت من دون تسليم الضحية للفضاء العام.
  2.  إخفاء هوية متعدد الطبقات لا يكفي حذف الاسم. يجب حذف أو تغيير كل ما يسمح بالتخمين المحلي: المكان الدقيق، التوقيت الكاشف، المدرسة/العمل، القرابة الفريدة، أي تفاصيل منزلية أو اجتماعية تميز الأسرة. القاعدة: إذا استطاع شخص من البيئة نفسها أن يخمّن الهوية بثقة، فهذا كشف.
  3.  افصل التحقق عن النشر: الصور، الرسائل، التسجيلات، والوثائق الحساسة تُستخدم للتحقق داخليًا، لا للنشر. نشرها قد يكون امتدادًا للجريمة نفسها (تشهير/ابتزاز)، وقد يضاعف الأذى.
  4.  عامل الأسرة كشريك سلامة بدل الضغط لاستنطاق الأسرة، اعرض خيارات آمنة: حديث دون تصوير، دون تسجيل، عبر وسيط موثوق، أسئلة مكتوبة، أو تأكيد عام دون اقتباس مباشر. وضّح حقهم في إيقاف المقابلة ورفض الأسئلة. هذه ليست “تسليمًا للتحرير”، بل إدارة للمخاطر.
  5.  ادمج مسار حماية داخل المادة لا تنشر “قصة” فقط. انشر ما يفيد: ما الخيارات المتاحة للأسرة؟ ما الجهات الممكن مخاطبتها؟ ما الاحتياطات الرقمية؟ ما الذي ينبغي أن تقوم به السلطات بحكم الأمر الواقع؟ ما الذي يمكن للمنظمات الحقوقية فعله؟ هذا يحول التغطية إلى خدمة عامة.
  6.  اضبط اللغة: لا تُعيد إنتاج خطاب الضيحة تجنب التلميحات الأخلاقية، لغة الشك، أو مفردات “العار”. سمِّ الجريمة: اختطاف، احتجاز تعسفي، تهديد، ابتزاز، تشهير، عنف رقمي. اللغة قد تكون عنفًا إضافيًا إن أعادت إنتاج الوصم.
  7.  انتبه للوساطة الوساطة قد تكون إنقاذًا أو ابتزازًا ثانيًا أو تسوية لإسكات الضحية. لا تتحول إلى منصة لتثبيت رواية الوسيط أو تبرئة الجاني. حافظ على مسافة مهنية، وعلى معيار: حماية الضحية أولًا.
  •  كيف نضغط دون كشف؟ بالتركيز على النمط، المسؤوليات، فجوات الحماية، التكرار، ومسارات الإنصاف—لا على هوية الضحية.

رابعًا: ما المطلوب مؤسسيًا وسياسيًا وإعلاميًا؟

تحسين التناول لا يتحقق بمناشدة الأخلاق فقط، لأن الخلل بنيوي. هناك ثلاثة شروط مؤثرة:
1. برامج ومنصات متخصصة بقضايا النساء لا يكفي نشر قصص متفرقة. المطلوب برامج دورية ووحدات متابعة تتعامل مع قضايا النساء كملفات عامة: عدالة، حماية، اقتصاد حرب، عنف رقمي، احتجاز واختطاف، خدمات. التخصص يصنع تراكمًا معرفيًا ويمنع الموسمية.

2. حضور النساء في صنع القرار السياسي ضعف تمثيل النساء في الحكومة والبرلمان واللجان والوفود والإدارات العليا يقلل فرص التشريع والإصلاح وسياسات الحماية، ويجعل قضايا النساء ثانوية في ترتيب الأولويات، ويقلل حضور النساء كمصادر رسمية وخبيرات في السياسات العامة.

3. حضور النساء في صنع القرار الإعلامي وجود صحافيات لا يكفي إذا لم تكن النساء في مواقع القرار التحريري: رئاسة التحرير، إدارة الأخبار، إدارة التحقيقات، السياسات التحريرية. من دون ذلك ستظل القصص تُنتج بعين لا ترى النساء كفاعلات، وستظل الحماية مرهونة بمزاج شخص لا بسياسة مؤسسة.

إطار عملي لغرف الأخبار المحاضرة تقترح معيارًا تشغيليًا واضحًا للنشر: الضرورة – التناسب – السلامة بعد النشر، مع سياسة تحريرية مكتوبة تشمل: الحد الأدنى التعريفي، موافقة مستنيرة، فصل التحقق عن النشر، وتبنّي “فيتو أخلاقي” يوقف المادة حين يتعارض السبق أو التفاعل مع حماية الناجيات

الخلاصة:

كسر الصمت لا يعني كشف الضحية. كسر الصمت يعني كشف البنية التي تسمح بالعنف، مع حماية من تُدفع لتتكلم. المطلوب من الإعلام اليمني هو الانتقال من الاستهلاك إلى المساءلة، ومن القصة المنفصلة إلى المعرفة المتراكمة، ومن الإثارة إلى سياسات حماية قابلة للتطبيق.

 

*ورقة عمل أعدها الكاتب الصحفي الأستاذ/ أحمد الزرقة لجلسة نقاش أقامتها منصة نسوان فويس حول: كيف يروي الإعلام وجع النساء.. تبني قضايا أم استهلاك؟

مقالات اخرى