نساء يُغيّرن المشهد: مبادرات نسائية تواجه الفقر بأعمال الخير..

شارك المقال

بشرى الغيلي ـ نسوان فويس

تستيقظ “أم سمير” باكرًا لتُعدّ وجبات دافئة تخصّصها للمحتاجين، فيما تجتمع “سارة وصديقاتها” في منزلها لتغليف الوجبات الغذائية بعناية تحفظ كرامة من يتلقّاها، وتخصص “أم ثامر” جزءاً من راتبها الشهري لدعم الأسر الفقيرة، ومع بداية الشتاء القارس بادرت مجموعة من الفتيات عبر قروب في الواتس آب بجمع ملابس شتوية ثقيلة وغسلها في مغسلة الحي وأعدن ترتيبها ليوزعن الدفء على من لا يملك وسيلة إليه…هكذا اجتمعت جهود نساء قدّمن من رواتبهن ووقتهن وقلوبهن ما يجعل العطاء أكثر إنسانية ونبلا.

 

يقتسمن رواتبهن بصمت

رجاء، تربوية، تقول لمنصة “نسوان فويس”: “قطعت عهدا على نفسي أن أخصص جزءا من الراتب، حيث خصصت خمسة آلاف شهريًا لأسرة ما أعرفها، ولكن أعرف أنهم محتاجين، تعهدتهم حتى حين تضيق أحوالي المادية، لا أقطع نصيبهم من رزقي”.

وفي محافظة إب، تواصل سميرة، الممرضة العاملة بنظام النوبات، دعم أسر فقيرة بعد مشاهدات متكررة لمعاناة الأمهات في المستشفى: “شفت نساء ما معهن حتى حق مواصلات أو فحوصات لأطفالهن، من يومها خصصت جزء من راتبي كل شهر، أرسله عبر زميلة وأقول دائمًا: الله ما وسّع رزقي إلا عشان أوسّعه على غيري”.

فيما تشارك أم ثامر(42عاما) منذ فترة في مبادرة خيرية نظمتها نساء الحارة، تخصص جزءًا من راتبها لدعم الأسر الفقيرة والمحتاجة في الحي، دون تقديم المساعدات بشكل مباشر، بل عبر تجهيزها في أكياس وتوزيعها بطريقة تحفظ كرامة المستفيدين، (أم ثامر) تقول لمنصة “نسوان فويس” إن فريقها يتولى رعاية (32) أسرة يتم إيصال المساعدات إليها كل يوم (أحد)، بينما تتولى مجموعات نسائية أخرى العمل في بقية أيام الأسبوع ضمن نفس المبادرة التكافلية.

ابتسامتكِ غالية

أم سمير، ربة بيت، تقول لمنصة “نسوان فويس”: “كنت أقوم بتحضير الوجبات منذ الفجر، ومع الوجبات أفكر كيف أوصل محبتي لهم، لا أريد أن يأخذوا ما أقدمه كطبق، بل كنت أريد أن يصل لهم دفء كلمة تلمس القلب، لذلك بدأت أرفق مع الوجبات أوراقًا صغيرة بخط يدي مكتوب عليها عبارات مثل: “أنت مش وحدك، والله معك، الفرج قريب، وغيرها ” وأحيانًا كنت أرفق معها قطعة شوكولاتة للأطفال.

تتذكر أم سمير موقفا لم تنساه:” كتبت لإحدى السيدات عبارة ابتسامتكِ غالية، وبعد أيام عادت السيدة تبكي، وتقول: إن الرسالة كانت أحن من كل الكلام الذي سمعته”.

العواضي: العطاء يحفز هرمونات المكافأة والترابط في الدماغ، ما يمنح المرأة شعوراً فورياً بالرضا، كما يعزز إحساسها بالمعنى والقيمة لوجودها، ويقوّي روابطها العاطفية مع محيطها

هرمونات السعادة

شعور النساء بالسعادة أثناء العطاء “even” عبر التنازل عن بعض احتياجاتهن، يرتبط بعوامل نفسية وعصبية عميقة، بحسب تأكيد الدكتورة فاطمة العواضي، استشارية نفسية وتربوية.

العواضي قالت لمنصة “نسوان فويس”:”العطاء يحفز هرمونات المكافأة والترابط في الدماغ، ما يمنح المرأة شعوراً فورياً بالرضا، كما يعزز إحساسها بالمعنى والقيمة لوجودها، ويقوّي روابطها العاطفية مع محيطها”، فيما لم تغفل العواضي أهمية إعطاء الذات أهمية، إذ أن العطاء لا يتناقض مع الاهتمام بتلبية احتياجات الفرد “السعادة الحقيقية تقوم على توازن واعٍ بين العطاء والاهتمام بالنفس”.

راحتي في دعواتهن

تروي الجدة أم ياسر الصايدي (51 عاما) تجربتها مع مبادرة تطوعية نسائية في حيّها، تقول لمنصة “نسوان فويس”: ” الطبخ بالنسبة لنا، ليس مجرد إعداد طعام، بل فعل تضامني مع الجارات اللواتي أثقلتهن ظروف الحياة”.

وتضيف: “كل خميس أستيقظ باكراً لأجهّز ما تيسّر، ثم نجتمع نحن الجارات وكأنها حفلة صغيرة؛ إحدانا تجلب البصل وأخرى الطماطم، وأنا أتولى تنظيم العمل”.

تحرص أم ياسر على تكييف الوجبات حسب حاجة المسنّات: فـالجدة أم أحمد تتلقى الطعام الطري لعجزها عن مضغ القاسي، بينما تُعد وجبة خاصة للست فاطمة مراعاةً لمرض السكر، ورغم محاولات أبنائها إقناعها بالراحة، تؤكد: “راحتي الحقيقية هي في دعاء الكبيرات”.

 

أتخيل نفسي أم الأيتام

تحوّل مطبخ وداد الكبسي (36 عاماً) إلى ملاذ يومي لليتامى، تقول وداد لمنصة “نسوان فويس” إنها لا تفرّق بين ابنها وبين اليتيم في بيت الجيران، معتبرة أن النار في التنور لا تشتعل بالحطب وحده، بل بدعوات المحتاجين. كل يوم بعد صلاة الظهر تفوح رائحة الخبز الساخن و “السحاوق” رائحة الجنة – بتعبيرها- لأنها ترتبط لديها بمعنى أعمق متعلق بجبر الخواطر.

عندما سألتها إحدى الجارات عن سر نكهة طعامها المختلفة، أجابت بابتسامة: “السر مش في البهارات، السر أنني أطبخ للأيتام، وأتخيل نفسي أمّهم الغائبة”.

ترى وداد أن ما تقدّمه ليس صدقة عابرة، بل إرثها الحقيقي:” صحن دافئ يطرق باب محتاج في ليلة باردة، ورسالة ثابتة لليتامى بأنهم ليسوا وحدهم، فهناك أمٌ لهم هنا “.

الكرامة أغلى من الخبز

أصرّت مجموعة من النساء العمل في سرية تامة تحت إشراف الأستاذة، فاطمة الشميري، التي يصنفنها بـ”المرشدة”، كان هدف المجموعة مساعدة الأسر المتعففة دون المساس بكرامتها، حيث تختار المتطوعات بعناية الأسر الأكثر حاجة، ثم يجمعن يوميًا ما يفيض من بيوتهن، تُغسل الملابس وتُكوى وتُعطّر وتُرتّب في أكياس قماشية نظيفة، فيما يُعبّأ الطعام في علب جديدة ومحكمة الإغلاق، بعدها تتم عملية التوصيل نهارًا؛ بحيث تضع المتطوعات المساعدة أمام باب المنزل، تدقّ إحداهن الجرس ثم تغادر سريعًا، لتبقى الهوية مجهولة بالكامل.

تقول المشاركات لمنصة “نسوان فويس” :” إن سرّ استمرارهن هو إيمانهن بأن الكرامة أغلى من الخبز، وإن تقديم العون بصمت يحوّل المساعدة إلى رسالة محبة واحترام لا إلى شعور بالعوز والعجز”.

رُقي وذوق

يروي أبو صالح ، المسؤول عن رعاية أيتام شقيقه، تجربته مع مجموعة من النساء المبادرات في العمل الخيري، مؤكدًا أن ما قدمْنه لم يكن مجرد مساعدة، بل موقف إنساني راقٍ حفظ كرامته وملأ قلبه امتنانًا، يقول أبو صالح لمنصة “نسوان فويس” : إنه اعتاد الاعتماد على نفسه والعمل بجهدٍ لتوفير احتياجات الأطفال، وأنه لا يقبل أن يعيش عالة على أحد،  لكن المفاجأة كانت في الطريقة التي وصلت بها المساعدات: طعام مُعدّ بعناية ومغلف بطريقة محترمة، وملابس شتوية نظيفة ومكوية كأنها جديدة، تعكس حرص أولئك النساء على مشاعر الأيتام قبل احتياجاتهم: “حين ألبستُ صالح الصغير جاكته الدافئ ووجدت رائحته نظيفة، شعرت بأن من جهز هذه الملابس عامل أطفالي كأنهم أبناؤه، لا مجرد حالة تستحق الدعم”.

الشرعبي: المرأة التي تتقاسم فائض طعامها، أو ملابس أبنائها لا تقدم دعماً مادياً فحسب، بل تمنح المستفيد شعوراً بالاهتمام الشخصي، بوصفه إنساناً له اسم وحكاية، لا رقماً في قوائم المساعدات، بينما المساعدات المؤسسية، رغم عدالتها وقدرتها على الوصول إلى شرائح واسعة قد تفقد جزءاً من روحها الإنسانية نتيجة الطابع البيروقراطي الذي يحوّل المستفيد إلى “حالة” تخضع لإجراءات وإثباتات قد تمس شيئاً من كرامته

شعور بالاهتمام

“المبادرات النسائية الفردية تشكّل النموذج الأصدق في تجسيد “لمسة الكرامة”، إذ تصل مساعداتها إلى القلب قبل اليد” يقول لمنصة “نسوان فويس” وائل الشرعبي، أخصائي الخدمة الاجتماعية، ويتابع: “المرأة التي تتقاسم فائض طعامها، أو ملابس أبنائها لا تقدم دعماً مادياً فحسب، بل تمنح المستفيد شعوراً بالاهتمام الشخصي، بوصفه إنساناً له اسم وحكاية، لا رقماً في قوائم المساعدات”.

ويرى الشرعبي أن المساعدات المؤسسية، رغم عدالتها وقدرتها على الوصول إلى شرائح واسعة قد تفقد جزءاً من روحها الإنسانية نتيجة الطابع البيروقراطي الذي يحوّل المستفيد إلى “حالة” تخضع لإجراءات وإثباتات قد تمس شيئاً من كرامته. وأن القيمة الحقيقية لا تكمن في المفاضلة بين النموذجين، بل في تكاملهما؛ فالمؤسسات توفر البنية المنظمة، بينما تضيف المبادرات الفردية الحس الإنساني الدافئ.

تم التوزيع.. الحمد لله

حولت خمس صديقات مجموعة دردشة عادية على واتساب إلى مبادرة خيرية هادفة، حين اقترحت إحداهن جمع ملابس الشتاء من منازلهن وأقاربهن لتوزيعها على الأيتام والأسر المحتاجة.

الفكرة لاقت قبولاً فوريا، مع اتفاق واضح: لن تُسلَّم أي قطعة إلا بحالة ممتازة، تفحّصت الصديقات الملابس بعناية، ثم أوصلنها إلى مغسلة في الحي ليتولى صاحبها غسلها وكويها بالبخار وتغليفها كما تُجهَّز ملابس الزبائن الجدد، وبعد أن أصبحت نظيفة ومرتبة كأنها خارجة من متجر، حملنها إلى بيوت الأيتام والفقراء، يسلمنها ثم يغادرن دون تصوير أو نشر على شبكات التواصل.

داخل مجموعتهن الخاصة، لا يتبادلن المديح، بل رسالة قصيرة واحدة: “تم التوزيع، الحمد لله”، قبل أن يبدأن التحضير للدفعة التالية.

 

نجمات صنعاء الصامتات

أطلقت سبع فتيات من صنعاء على أنفسهن مسمى “نجمات صنعاء الصامتات”، حيث شكلن مبادرة “صندوق الكرامة” التي أعادت تعريف العمل الخيري، اعتمدت المجموعة على التبرع بالمهارات والوقت بدل المال، فتكفّلت بدفع فواتير الماء، والدواء للأسر الأكثر احتياجاً، وقدّمن أدوات تمكين اقتصادي للنساء، مثل مستلزمات صناعة الكيك والبخور، وماكينات الخياطة، بهدف مساعدتهن على اكتساب مصدر دخل ثابت بعيداً عن الاعتماد على المساعدات..

تقول المشاركات لمنصة “نسوان فويس”: إنهن يتوجهن إلى منازِل النساء الأشد ضعفاً لتسليم الأدوات وتعليمهن أساسيات العمل، بالتعاون أحياناً مع أزواجهن المغتربين، وتؤكد “نجمات صنعاء الصامتات” أنهن يواصلن مبادرتهن بصمت، دون بحث عن شكر أو ظهور، إيماناً بأن العطاء الحقيقي هو ستر المحتاج ومنحه فرصة للعيش بكرامة.

توسيع فرص للنساء

في سياق متصل بالتمكين، أظهرت دراسة للمعهد العربي للتدريب والبحوث الإحصائية أن مشاركة النساء في قطاع الأعمال ما تزال محدودة، إذ لا تتجاوز أصولهن المالية 11%، ما يستدعي تعزيز برامج التمويل والدعم لتمكينهن من امتلاك أصول مدرّة للدخل، وبيّنت الدراسة أن نساء الحضر أكثر تمكيناً من نساء الريف نتيجة توفر التعليم والخدمات الأساسية، فيما أوصت بتطوير البنية التعليمية والصحية في المناطق الريفية لسد الفجوة. وكشفت النتائج أن 44% من الأسر المشمولة تقع تحت خط الفقر، مشددة على ضرورة توسيع فرص العمل وبرامج التدريب للنساء.

وتؤكد الدراسة أهمية المبادرات النسائية الخيرية في تقديم الدعم المالي والتأهيل المهني، خصوصاً في المجتمعات الفقيرة، باعتبارها محركاً أساسياً لتعزيز مشاركة النساء وتحسين أوضاعهن الاقتصادية.

 

مقالات اخرى