سهير عبدالجبار-نسوان فويس
بسبب قلة الفرص المتاحة وارتفاع معدلات البطالة وتدني المستوى التعليمي والتزاماتهن المادية تجاه أسرهن بسبب الأوضاع الحالية وعدم وجود معيل سواهن، تجد الكثير من النساء أنفسهن مضطرات للبحث عن أي فرصة عمل متاحة، مهما كانت طبيعتها أو ظروفها. تمثل هذه العوامل ضغطًا متزايدًا عليهن، خاصة في ظل غياب البدائل التي تحقق لهن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مما يدفعهن إلى اقتناص الفرص المتوفرة سعيًا لتحقيق دخل يعينهن على مواجهة تحديات الحياة اليومية.
فاطمة إسماعيل تبلغ من العمر 36 عامًا، متزوجة وتعين زوجها، درست فاطمة للصف الخامس وتعمل في أحد مصانع المواد الغذائية. تعمل فاطمة في المصنع من الساعة 8 صباحًا حتى 5 مساءً. يتم احتساب الراتب شهريًا بقيمة 50 ألف ريال، دون توفير وجبات أو بدل مواصلات. كذلك لا يوجد تأمين اجتماعي أو صحي. المصنع متخصص في صناعة البفك وهو أحد المنتجات الاستهلاكية للأطفال ويباع بثمن زهيد. يصل عدد العاملات في المصنع إلى أكثر من خمسين عاملة في الإنتاج والتغليف، بينما يعمل الرجال في الصيانة والتوزيع. فاطمة تعتبر عملها جيدًا لأن حقوقها مضمونة وعقودهن واضحة، ولم تُنكر علينا أي حقوق. الإجازة محدودة إلى ثلاثة أيام في الشهر، حصل خصم مرة واحدة بسبب تأخري عن الدوام ولا توجد مخاطر كبيرة في العمل، ولم أتعرض أو أي من زميلاتي لإصابات تستدعي إسعافًا. وإذا واجهت أي عاملة ظرفًا، يجب أن تجد من يعمل بدلاً عنها. تعتبر فاطمة عملها مرهقًا وطويلًا لكنه جيد بالنسبة لها لأن لها راتبًا شهريًا يساعدها على توفير متطلباتها الضرورية.
بينما بشرى تجد عملها بالأجر اليومي في أحد معامل الخياطة مرهقًا وشاقًا ودون جدوى أحيانًا. بشرى تخيط أربع أو خمس قطع بشكل متكامل من حباكة وتنظيف، بينما تتقاضى مقابل كل قطعة 400 ريال فقط. اضطرت بشرى للعمل في مهنة الخياطة بعد تركها لعملها في المدرسة ولم تجد عملًا آخر يتناسب مع ما تحمله من مؤهلات. تروي بشرى عن المخاطر في العمل أن المشرفة قطعت إصبعها بالمقص الكهربائي، ولا يوجد حتى تأمين صحي لعلاجها.
كذلك أمة الرحمن، أرملة تبلغ من العمر 41 ولديها أطفال، تعمل بمعمل خياطة خاص بالأثواب الرجالية ومهمتها الحباكة. تتقاضى أمة على القطعة 100 ريال فقط. أمة الرحمن تعمل في معمل مكون من خمس عاملات، كل عاملة على آلة، ولا يتطلب المعمل الكثير من العاملات لقلة الآلات مما يزيد الضغط على العاملين في نفس الآلة.
يقول غالب سعيد، أحد مالكي المعامل، إن بيع القطع المحلية الصنع يواجه صعوبات بسبب التنافس مع البضائع الصينية المستوردة التي تحظى بإقبال أكبر من المستهلكين، مما يؤثر على حركة البيع. كما أن ارتفاع أسعار الأقمشة والضرائب المفروضة عليها يسهم في تراجع الأجور التي تتقاضاها العاملات. كذلك أن أغلب المعامل لا تملك سوى آلة أو آلتين لكل مهمة، الأمر الذي يسبب ضغطًا على العاملين في الوقت وكمية الإنتاج.
عمل بغير تأمين
أغلب العاملات أشرن إلى أنهن يعملن بغير تأمين صحي أو اجتماعي مما يجعل العمل خطرًا وليس له مستقبل. تبذل النساء أكثر من ثمان ساعات في العمل، بينما يحد قانون العمل دوامهن إلى خمس ساعات في اليوم كما جاء في الباب الرابع في تنظيم عمل النساء والأحداث في قانون العمل اليمني. أما عن الضغوطات النفسية أثناء ساعات العمل كونهن مطالبات بزيادة في الإنتاج ليتضاعف دخلهن وملتزمات بدورهن في المنزل وتربية الأطفال.
تؤكد فردوس الرباصي، أخصائية نفسية إكلينيكية، أن الضغوط التي تواجهها المرأة العاملة، خاصة في المصانع، تؤدي إلى تأثيرات سلبية تشمل الإجهاد النفسي مثل التوتر والإرهاق العاطفي، ومشاكل صحية كآلام الظهر واضطرابات النوم، إضافة إلى تأثيرات اجتماعية كصعوبة تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية. كما أشارت إلى أهمية الدعم الاجتماعي وتبني سياسات داعمة في مكان العمل لتخفيف هذه الضغوط.
في تصريح خاص لمنصة “نسوان فويس” حول عمل النساء وضغوطات العمل في اليمن، أكد يحيى الطيب، عضو اتحاد نقابات العمال، أن العاملات في معامل الخياطة والمصانع الغذائية يتعرضن لظروف عمل صعبة تشمل ساعات عمل طويلة وأجور زهيدة، مع غياب أي نوع من التأمين الصحي أو التقاعدي. وأوضح الطيب أن هناك استغلالًا لحاجة العاملات نتيجة الفقر والبطالة المتزايدة، حيث تُمنح الأجور بالقطعة، وتتراوح من 250 إلى 400 ريال، وهو ما وصفه بـ”الاستغلال البشع” و”العبودية”.
وأضاف الطيب أن النقابات العامة المتخصصة، كالنقابة العامة للغزل والنسيج والنقابة العامة للصناعات الغذائية، تتحمل المسؤولية المباشرة في متابعة ظروف العمال والعاملات. ومع ذلك، أشار إلى أن غياب دور الرقابة والتفتيش على مواقع العمل أدى إلى انتشار الاستهتار بالحقوق. وأكد أن الاتحاد العام لنقابات عمال اليمن ينسق مع وزارة العمل وقطاع تفتيش العمل لتنظيم زيارات ميدانية مفاجئة لهذه المواقع، بهدف التفتيش على ظروف العمل وضمان حصول العمال على حقوقهم.
المستشار القانوني مجدي الفقيه يوضح أن النساء العاملات في المصانع ومعامل الخياطة يتعرضن لانتقاص حقوقهن، حيث يتقاضين أجورًا أقل من نظرائهم الذكور ويُحرمن من التأمين الصحي والاجتماعي والإجازات المدفوعة، في مخالفة واضحة لقانون العمل. وينصحهن باللجوء إلى اتحاد نقابات العمال واتحاد نساء اليمن للضغط على أصحاب العمل لمنحهن حقوقهن. كما يحق لهن التوجه إلى المكاتب والمحاكم العمالية، أو المحاكم الابتدائية في المحافظات التي لا توجد فيها محاكم عمالية، لاسترداد حقوقهن ومواجهة أي إجراءات تعسفية.
يؤكد الفقيه أن هذه الخطوات تهدف إلى تحسين ظروفهن المعيشية وتقليص الفجوة الكبيرة بينهن وبين الرجال، الناتجة عن العادات والتقاليد المتوارثة التي لا تتماشى مع تعاليم الإسلام، حيث كرم الإسلام المرأة ومنحها حقوقها كاملة. ورغم أن حصتها في الميراث نصف حصة الرجل، فقد فرض الإسلام على الرجل الإنفاق عليها، سواء كانت عاملة أو غنية، وأكد على حقها في أموالها وراتبها، وكذلك في المهر والصداق عند الزواج.