في ذكرى عيدِهن.. كيف يُدّمر الأبناء نفسية أمهاتهم؟

شارك المقال

نجيب علي العصار _ نسوان فويس

لم تكن سلوى محمد تتوقع أن تتعرض من أبنها الوحيد، لشقّ عصا طاعتها وأذيتها بمختلف أشكال الأذيّة، وإغلاظ القول والسبّ والشتم، والوصول إلى حدّ الضرب والتعنيف.
تقول سلوى (45عاما) التي تسكن في مدينة صنعاء: “تفاجأت ذات يوم أن ولدي الشاب رياض، الذي لم أنجب سواه ويعيش معي بعد أن انفصلت عن والده، صبّ جمّ غضبه في وجهي وسبني وشتمني، وكاد أن يعتدي عليّ بالضرب لولا تدخل الجيران، لأنني عجزت عن إعطائه مبلغا من المال حينها حالتي المادية لم تكن جيدة”.
وتضيف لـ”نسوان فويس”: “لا فائدة من تقديم شكوى عن عقوق ولدي، المجتمع سيحمّلني المسؤولية، بل اكتفيت بأن طالبت أحد أشقائي بأن يذهب بأبني ليعيش مع والده.

قلوب أثخنها الوجع
في يوم عيدهن الذي يحل في الـ21 من مارس/آذار من كل عام، كثيرات هنّ الأمهات اليمنيات اللاتي أثخنت قلوبهن الأوجاع، بفعل عقوق الأبناء ومقابلة عطائهن لهم بالجحود والنكران.

غياب الإستقرار الأسري
احترام الوالدين يجب أن ينشأ عليه الأبناء من الصغر حتى تكتمل مسيرة الحياة الاجتماعية، وعقوقهما يعد من أكبر الكبائر في إطار المجتمع الإسلامي – كما يقول أستاذ علم الإجتماع بجامعة تعز، الدكتور محمود البكاري- في حديثه لـ “نسوان فويس”.
ويضيف البكاري أنه يجب على الأبناء أن يتخلوا عن السلوكيات الخاطئة وعدم الإقتداء بالنماذج السيئة، وعدم خلق مبررات لعقوق الوالدين، ناهيك عن التأثر بثقافات غربية على المجتمع، فالأمر الإلهي صريح وواضح بقوله تعالى: “فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما..”.
ويلفت البكاري إلى أن أهم ظواهر العقوق يبدأ من المشاكل الأسرية بين الوالدين وغياب الإستقرار الأسري وضعف -وربما فساد- البيئة التربوية الحاضنة.
ويبيّن أن عصيان الأبناء لأمهاتهم سببه في أغلب الحالات حدوث مشاكل بين الأم وزوجة الأبن ومن ثم إنحياز الإبن لموقف زوجته ضد أمه فتكون النتيجة تدمير الجانب الإجتماعي، وخلق توتر في الحياة النفسية لدى أفراد الأسرة.

أضرار نفسية

من جهتها، تؤكد الأخصائية النفسية عبير درهم، أن الأذى النفسي الذي يسببه الأبناء في نفوس الأمهات لا يزول أثره، بل يورث أمراضاً نفسية، وقد يصيبهن بالإنهاك ويدخلن في صراع كبير مع النفس ويشعرن أنهّن فشلن في الحياة، وفي تربية أبنائهن وصنع أشخاص أسوياء.
وأشارت في حديثها لـ”نسوان فويس” إلى أن الأضرار النفسية التي قد تلحق بالأمهات هي: “الاكتئاب والقلق، وسوء التكيف، وفي بعض الأحيان قد يصبن بـ”السواس القهري”.
وتوضّح، إن طرق العلاج يمكن إجمالها في أسلوب: العلاج المعرفي السلوكي الذي يركز على تعديل الأفكار والمشاعر وتخفيف التراكمات التي قد تكون من الماضي.
وتضيف “أن فترة العلاج تستغرق شهراً كاملاً تقريباً، تتلقى فيها الأم المصابة بالضغوط النفسية عدة جلسات، من أجل التعافي”.

جحود ونكران
يقابل عدد من الأبناء عطاء أمهاتهم اللامتناهي بالجحود، مما يحزّ في أنفسهن ويؤثر على الطابع القدسي للعلاقة الأسرية.
يحكي مراد لـ “نسوان فويس”، وهو شاب في الأربعين من العمر كان يسيء معاملة والدته بالشتم والإهانة ويقطعها ولا ينفق عليها خاصة بعد وفاة والده، أنّه “يحزّ في نفسه كيف كانت والدته على الرغم من أذيّته لها، تقف إلى جانبه عندما وقع في قبضة الأمن بسبب شجار نشب على أرض في قريته التي تقع في ريف محافظة ذمار، وكيف كانت تحضر الطعام إلى السجن، واليوم، “بعدما أنّبني ضميري كثيراً، ابتعدت عن كل ما يغضب أمي وأنهيت القطيعة”.

أنّات أم
تقوى (اسم مستعار) أيضاً تصف معاناتها، تقول لـ”نسوان فويس”، أنها استطاعت رفع دعوى قضائية كانت قد أقامتها في العاصمة صنعاء ضد أبنها لإجباره وزوجته على الخروج من المنزل لتعيش بسلام، بعد تعرضها للضرب والإهانة لسنوات.
وتضيف: “تزايدت حدة المضايقات وسوء المعاملة من زوجة ابني، شكوت إليه فلم يستجب لاستغاثتي الممزوجة بالأنات، وعجز عن مدّ يد العون والمساعدة لإنقاذي من حياة الجحيم، فلجأت إلى القضاء الذي أنصفني من عقوق ولدي وسوء معاملة زوجته”.

قصور قانوني!
هل يعاقب القانون اليمني على عقوق الوالدين كجريمة، الدكتور لطف محمد حريش، أستاذ علم النفس الجنائي بكلية الآداب بجامعة ذمار، يقول في حديثه لـ”نسوان فويس” أن المشرع اليمني في موقفه من “عقوق الوالدين” لم يحدد نصا صريحا على تجريم فعل عقوق الوالدين، وتحديد عقوبة لها، كما هو في بعض قوانين الدول العربية التي تعتبرها جريمة تستحق العقاب.
وحسب ما رصده معدّ التقرير، شهدت محكمة جنوب شرق الأمانة في العاصمة صنعاء أكثر من 44 دعوى قضائية أقيمت من والدين عن عقوق أولادهم خلال عام 2023م.
فيما لم يتمكن معدّ التقرير من الحصول على إحصائية رسمية من وزارة العدل في صنعاء عن دعاوى قضايا العقوق.

من جهتها، توضح المحامية والاستشارية في مناهضة العنف الاجتماعي أروى الشميري، في حديثها لـ”نسوان فويس” أن قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة1994م، يجرّم بعض الأفعال والصور التي تندرج ضمن هذه الجريمة، لكن ليس باعتبارها جريمة عقوق والدين تحتاج إلى نص عقابي صريح وواضح، وإنما باعتبارها من الجرائم التقليدية التي تقع على أي شخص كان: “كالسب، أو الاعتداء الجسماني الخفيف أو الجسيم، أو السرقة، أو الابتزاز “.
وفضلاً عن ذلك، فإن المشرع لم ينص على اعتبار وقوع فعل العقوق على الوالدين، كظرف مشدد للعقاب في الجرائم المذكورة، بل باعتبارهما أشخاصاً عاديين!.

“تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا للإعلام والتنمية”

مقالات اخرى