حاشد مزقر-نسوان فويس
تعاني زينب شايف أم لثلاثة أطفال أنجبت أصغرهم قبل شهرين من سوء التغذية، مع صعوبة توفير الاحتياجات المعيشية وانقطاع راتب زوجها منذ سنوات ونزوحها من جبل حبشي إلى مدينة تعز إثر تصاعد حدة القتال في سبتمبر الماضي .
وتختصر زينب وجع الأمومة المنكسرة في بلد طحنته الحرب بصوتٍ مخنوقٍ بالمرارة والحزن : “أريد أن أرضع طفلي.. لكن جسدي لم يعد يساعدني”.
لم يعد الجوع بالنسبة للعشرينية زينب نقص الطعام فقط، بل أصبح مرتبطاً بقدرتها على إرضاع طفلها، في وقت تحتاج فيه هي نفسها إلى الغذاء والرعاية بعد الولادة.
قصة زينب تكشف جانباً أقل ظهوراً من أزمة سوء التغذية في اليمن: عندما تتأثر الأم بالفقر والنزوح ونقص الغذاء، قد تمتد آثار الأزمة إلى طفلها، خصوصاً خلال الأشهر الأولى من حياته.
لم أستطع إرضاع طفلي الأول
إذا كانت قصة زينب تظهر المشكلة في لحظتها، فإن تجربة أميمة مسعد، 23 عاماً، تكشف كيف يمكن أن تمتد آثار الأزمة عبر سنوات.
نزحت أميمة من الحديدة إلى محافظة مأرب قبل سبع سنوات. تقول إن سوء التغذية حرمها من إرضاع طفلها الأول قبل أربع سنوات، واضطرت إلى الاعتماد على الحليب الصناعي الذي كانت توفره المنظمات.
ومع ولادة طفلتها الثانية قبل ستة أشهر، عادت المشكلة. وتقول : إنها لم تعد قادرة على توفير ما يكفي من الحليب، في الوقت الذي توقفت فيه المساعدات الغذائية التي كانت تحصل عليها أسرتها.
وفي بعض الأوقات لم تجد أمامها سوى الاستعانة بامرأة من قرية مجاورة لإرضاع طفلتها.
ولم تعد بالنسبة لها الرضاعة قراراً يتعلق بطريقة تغذية الطفل، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بقدرة الأسرة على توفير الطعام والدعم للأم.
أم تجوع وطفل ينتظر الرضاعة
تقول الدكتورة مرام عقيل، مديرة برنامج تغذية الأمهات والمراهقات والرضع وصغار الأطفال بإدارة التغذية في وزارة الصحة العامة والسكان بمحافظة عدن، إن الأمهات، خصوصاً النازحات، يواجهن مجموعة متداخلة من العوائق أمام الاستمرار في الرضاعة الطبيعية.
وتشمل هذه العوائق الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وضعف التنوع الغذائي، وعدم القدرة على شراء الطعام، وسوء ظروف السكن والمياه والصرف الصحي، ومحدودية الوصول إلى الخدمات الصحية والتغذوية، إضافة إلى الإجهاد النفسي والاجتماعي المصاحب للنزوح.
وتزداد هذه التحديات عندما تتراجع المساعدات الإنسانية، لأن الأسرة النازحة تكون في كثير من الأحيان أكثر اعتماداً على المساعدات والأسواق لتأمين احتياجاتها الأساسية.
لكن الدكتورة تؤكد أن العلاقة ليست بهذه البساطة فلا ينبغي اعتبار سوء تغذية الأم سبباً وحيداً لتوقف الرضاعة، إذ تتداخل عوامل المرض والإرهاق والدعم الصحي والاجتماعي وظروف المعيشة.
1.3 مليون امرأة وفتاة
تأتي قصتا زينب وأميمة في وقت تشير فيه البيانات التي حصل عليها معد التقرير إلى اتساع نطاق سوء التغذية في اليمن.
وبحسب أحدث تقديرات اليونيسف التي أوردتها واكد، يُقدّر عدد النساء والفتيات الحوامل والمرضعات اللاتي يعانين سوء التغذية الحاد بنحو 1.3 مليون امرأة وفتاة في اليمن.
وفي المقابل، يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد.
وتشير الدكتورة إلى أن هذه الأرقام لا تكفي وحدها لفهم ما يحدث داخل الأسرة النازحة. لذلك تشمل المؤشرات المهمة الحالة التغذوية للأم، وقياس محيط منتصف العضد، والأمن الغذائي للأسرة، والتنوع الغذائي للمرأة، وعدد الوجبات، وفقر الدم ونقص المغذيات الدقيقة، والوصول إلى خدمات الصحة والتغذية والمشورة بشأن الرضاعة.
وتضيف، كما تشمل مؤشرات الطفل: البدء المبكر بالرضاعة، والرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى، والتنوع الغذائي، وتواتر الوجبات، والنمو والهزال والتقزم.
الرضاعة ليست مجرد قرار
بحسب البيانات التي أوردتها واكد، فإن 20% فقط من الأطفال في اليمن يرضعون رضاعة طبيعية حصرية خلال الأشهر الستة الأولى، بينما يبلغ البدء المبكر بالرضاعة الطبيعية خلال الساعات الأولى من الولادة نحو 40%.
وتقول إن الوضع يستدعي توسيع خدمات تغذية الأمهات الحوامل والمرضعات، وعدم التركيز على الطفل وحده، إلى جانب دمج دعم الرضاعة في خدمات الصحة والتغذية والمجتمعات ومواقع النزوح.
كما تشمل الأولويات الكشف المبكر عن سوء تغذية الأمهات وعلاج الحالات المحتاجة، وتحسين الأمن الغذائي والتنوع الغذائي للأسر، وتوفير المياه الآمنة والصرف الصحي، وتحسين المشورة العملية بشأن الرضاعة وتغذية الطفل. فالتوعية وحدها لا تكفي إذا كانت الأسرة غير قادرة على الحصول على الطعام أو المياه أو الخدمات الصحية.
تأثير سوء التغذية على الرضاعة الطبيعية
تقول أخصائية التغذية الدكتورة عصماء السودي إن خلف كل أم تحاول توفير الغذاء لأطفالها قد تختبئ معاناة لا يراها أحد. ففي اليمن، قد تدخل الأم حملها وهي تعاني نقصًا غذائيًا، أو تؤجل احتياجاتها لتوفر لأطفالها ما تستطيع.
وتوضح السودي أن سوء التغذية لا يعني نقص الطعام فحسب، بل العناصر الضرورية لصحة الأم ونمو الجنين، وقد يزيد مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود، و يؤثر في نمو الطفل وتطوره. وتُعد الألف يوم الأولى، منذ الحمل حتى بلوغ الطفل عامه الثاني، مرحلة حاسمة لنمو جسده ودماغه.
ولا تتوقف الآثار عند الولادة، بل تمتد إلى معاناة بعض الأمهات خلال الرضاعة؛ إذ تكتفي إحداهن بوجبة واحدة يوميًا لتترك الباقي لأطفالها، فيما تواصل أخرى الرضاعة رغم الضعف والإرهاق.
وتشير السودي إلى أن سوء التغذية لا يعني بالضرورة انخفاض كمية لبن الأم، لكنه يستنزف صحة الأم، وقد يؤثر نقص بعض العناصر الغذائية في تركيب اللبن وفي ظل الفقر والنزوح، تجد أمهات أنفسهن مضطرات إلى إطعام أطفالهن على حساب احتياجاتهن، ما يستدعي دعمًا غذائيًا ورعاية صحية.
وتوضح أخصائية التغذية أن الغذاء الصحي لا يشترط أطعمة باهظة الثمن؛ إذ يمكن تنويع الوجبات بالبيض والعدس والفاصوليا والحليب والخضروات والفواكه الموسمية. كما يساعد تناول الليمون أو الجوافة مع البقوليات على تحسين امتصاص الحديد.
وتؤكد السودي أهمية متابعة الحامل صحيا وتناول الحديد وحمض الفوليك وفق التوصيات الطبية، والرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى، ثم إدخال أغذية تكميلية متنوعة مع استمرار الرضاعة حتى عمر السنتين أو أكثر، ومتابعة نمو الطفل بانتظام.
وتختتم بالتأكيد أن صحة الأم مسؤولية الأسرة والمجتمع والمؤسسات الصحية، وأن دعم تغذيتها استثمار في صحة طفلها ونموه ومستقبله.
من الحمل إلى الولادة ثم الرضاعة
لا تبدأ المشكلة بعد الولادة فقط. ففي بعض البيئات الهشة، تتزامن حالات سوء تغذية النساء مع تسارع الحمل والولادة وعدم تنظيم الأسرة، ما يترك وقتاً أقل أمام جسم المرأة للتعافي واستعادة مخزونه الغذائي.
وتقول رئيسة منظمة حياة جديدة الناشطة نادية الرشيدي التي تتنقل بين محافظات حضرموت وعدن ومأرب بحسب مكان عملها والمشاريع التي تنفذها منظمتها : إن زياراتها لبعض مخيمات النازحين في مأرب وعدن كشفت لها عن تحديات تتجاوز نقص الطعام، مشيرة إلى أن بعض الأسر لديها خمسة أو سبعة أطفال رغم عدم قدرتها على توفير الغذاء الكافي.
وأشارت الرشيدي كذلك إلى ارتفاع معدلات الولادة القيصرية باعتباره تحدياً أمام بدء الرضاعة والتلامس الجلدي المبكر في بعض الحالات، بسبب الألم أو التخدير أو فصل الأم عن طفلها أو الإجراءات الطبية بعد الولادة.
لكنها لا تربط ذلك بسبب واحد، إذ تقول: إن ارتفاع القيصريات وسوء تغذية المرأة ظاهرتان تحتاجان إلى قراءة طبية دقيقة.
وتوضح الرشيدي أيضاً إلى معاناة بعض الأمهات من الجفاف والإرهاق، في ظل توقف المساعدات في بعض المناطق، ما يزيد الصعوبات التي تواجهها المرأة أثناء الرضاعة.
عندما لا يكون الطعام كافياً
بالنسبة إلى الأم النازحة، لا تأتي مشكلة سوء التغذية منفصلة عن بقية حياتها. تقول الرشيدي، في المخيمات مئات النماذج لإمرأة تحمل طفلاً رضيعاً، وقد تكون حاملاً مرة أخرى، تعيش في خيمة أو مسكن مؤقت، وتواجه صعوبة في الحصول على مياه آمنة أو غذاء متنوع، فيما تعاني من الإرهاق وتراجع الدعم.
وفي هذه الظروف، تصبح الرضاعة الطبيعية جزءاً من منظومة أكبر: صحة الأم، غذاء الأسرة، الخدمات الصحية، المياه والصرف الصحي، الدعم النفسي والاجتماعي والاستقرار الاقتصادي.
في حالة أميمة، كان توقف المساعدة يعني فقدان مصدر غذائي كانت الأسرة تعتمد عليه، بينما تحاول هي إرضاع طفلتها. وفي حالة زينب، يأتي سوء التغذية في الوقت الذي تحتاج فيه إلى التعافي بعد الولادة لإرضاع طفلها البالغ شهرين.
أزمة غذاء تتسع
تحدث هذه المشكلات في بلد يعاني تدهوراً حاداً في الأمن الغذائي. وتشير البيانات الأممية الواردة في آخر تقرير أممي مؤخرا إلى أن 18.3 مليون شخص في اليمن يعانون انعداماً حاداً في الغذاء، بينما لا تستطيع 74% من الأسر في مناطق الرصد تأمين احتياجاتها الغذائية.
وتزداد الضغوط مع تراجع التمويل الإنساني. فقد طلبت خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 نحو 2.16 مليار دولار، بينما لم يتجاوز التمويل 20.6% حتى 17 سبتمبر، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).
في هذه البيئة، تصبح المساعدات التي تحصل عليها الأسرة النازحة جزءاً من قدرتها على توفير الطعام والرعاية للأم والطفل.
الاحتياجات تتزايد
يقول نجيب السعدي، رئيس الوحدة التنفيذية للنازحين المقيم في مأرب ، إن تراجع المساعدات الإنسانية أثر في ارتفاع الاحتياجات، مشيراً إلى أن المساعدات خلال الفترة السابقة كانت في معظمها طارئة، مع ضعف التدخلات المستدامة.
ويقول إن ذلك انعكس على احتياجات الغذاء والمأوى والخدمات الطبية والمياه والإصحاح البيئي.
وبحسب الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين ارتفع إجمالي أعداد النازحين المسجلين في اليمن إلى 197,906 أفراد، ينتمون إلى 29,519 أسرة، حتى 29 سبتمبر 2026 وتصدرت تعز المحافظات المستضيفة بـ97,529 نازحاً من 13,925 أسرة، تلتها لحج بـ50,253 نازحاً من 7,179 أسرة، ثم عدن بـ17,782 نازحاً من 3,741 أسرة، وأبين بـ14,679 نازحاً من 2,097 أسرة، فيما سجلت الحديدة 10,297 نازحاً من 1,471 أسرة. وتوزعت بقية الأسر على محافظات مأرب والضالع وحضرموت والمهرة وشبوة.
ويشير السعدي إلى أن موجة النزوح المفاجئة وتوزع الأسر على مناطق متباعدة، إلى جانب تراجع التدخلات الإنسانية، زادت صعوبة الاستجابة، وشكل تأثيرا مباشرا على النساء والأطفال على وجه الخصوص.
صورة الغلاف المصدر: يونسيف

