عبدالرقيب اليعيسي-نسوان فويس
مع بداية الشهر الثالث من حملها بطفلها الثالث، بدأت افتكار الربيعي تشتهي التراب، تقول لـ”نسوان فويس” إن الرغبة ظهرت في وقت كانت تنفر فيه من الطعام وتشعر بالغثيان، وإن تناول كمية قليلة من التراب كان يمنحها شعورًا بالراحة، قبل أن تعود الرغبة في اليوم نفسه.
لم تمر افتكار بتجربة مماثلة في حمليها السابقين، ولم تعرف في البداية سبب انجذابها إلى التراب، ومع الوقت، تحولت الرغبة إلى ممارسة متكررة، إلى جانب اشتهائها أشياء أخرى مثل بقايا الشاي والقهوة.
وتجربة افتكار ليست حالة منفردة، ففي دراسة يمنية نُشرت عام 2025، تناول باحثون من جامعة إب والجامعة اليمنية ممارسة تناول المواد غير الغذائية لدى 195 امرأة حاملًا في مركزي أرتل وعطان الصحيين بصنعاء، خلال الفترة من ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى فبراير/شباط 2024.
وأظهرت الدراسة أن 28.7% من المشاركات مارسن البيكا، وكان الثلج أكثر المواد شيوعًا بنسبة 12.8%، يليه الطين بنسبة 4.6%، إلى جانب مواد أخرى.
الوحام بين التراب والثلج
تُعرف هذه الممارسة طبيًا باسم «البيكا»، وهي تناول متكرر لمواد غير غذائية. وتقول د. أشواق حيدرة لـ«مواطن» إن البيكا قد ترتبط بنقص الحديد أو عناصر غذائية أخرى، لكنها قد تظهر أيضًا لدى نساء لا يعانين من نقص غذائي، وتتداخل فيها عوامل مثل التقليد والتأثر بالمحيط.
وفي تحليل تلوي نُشر عام 2016 في «المجلة الدولية لأمراض النساء والتوليد»، راجع الباحثون نتائج 70 دراسة تناولت البيكا خلال الحمل وفترة ما بعد الولادة. ووجد التحليل أن النساء المصابات بفقر الدم كن أكثر عرضة للإبلاغ عن البيكا بنحو 1.6 مرة، كما ارتبطت البيكا بانخفاض مستوى الهيموغلوبين في عدد من الدراسات.
وتأخذ البيكا أشكالًا مختلفة بين النساء اليمنيات. تقول ماجدة محمد لـ«مواطن» إن رائحة التراب كانت تهدئ أعصابها وتخفف عنها الضيق، لكنها كانت تتناول أيضًا تراب البطاط، وتصف طعمه بأنه يشبه الهريسة. كما كانت تشتهي شرب الماء المتجمع داخل «المداعة» بعد استخدامها، إلى جانب استنشاق رائحة البترول. وتقول إن هذه الرغبات كانت تمنحها شعورًا بالراحة مع ضعف شهيتها للطعام.
أما حمامة حسين، فتقول إنها اشتهت الثلج من الشهر الثالث وحتى السابع من حملها، رغم استمرارها في تناول الطعام بشكل جيد. وتذكر أن الرغبة كانت شديدة إلى حد أنها كانت تواصل أكله حتى ينزف فمها، مع استمرار شعورها بمذاقه الحلو ورغبتها في المزيد.
وتقول شفيقة إبراهيم لـ”مواطن” إن هذه الرغبات تظهر لدى بعض الحوامل اللاتي تتعامل معهن، وتشمل التراب والطين والثلج والفحم والرماد ومواد أخرى. وقد تكون عابرة، بينما تتحول لدى أخريات إلى ممارسة متكررة، تصل أحيانًا إلى تناول المادة يوميًا أو أكثر من مرة في اليوم.
وتوضح أن بعض الرغبات تظهر مع الوحام والغثيان وتغير الشهية، ولذلك تسأل الحامل عن المادة التي تشتهيها، ومتى بدأت الرغبة، وكم مرة تتكرر، وما إذا كانت تتناول المادة أو تكتفي بشمها أو تذوقها.
البيكا ونقص العناصر الغذائية
ومع اختلاف التجارب، يبرز جانب آخر في البيكا يتعلق بتغذية الحامل. فافتكار كانت عند بدء الرغبة تعاني من تراجع في تغذيتها مقارنة بحمليها السابقين.
وتوضح أخصائية التغذية دعاء المغلس أن البيكا قد ترتبط بنقص بعض العناصر الغذائية، ويظهر ارتباطها بصورة أوضح مع الحديد، مع إمكانية ارتباطها بالزنك والكالسيوم والمغنيسيوم. لكنها تؤكد أن ممارسة البيكا لا تعني بالضرورة وجود نقص غذائي، إذ قد تتداخل معها عوامل ثقافية وسلوكية وتجارب شخصية.
وتكتسب المسألة أهمية في اليمن، حيث يقدّر تقرير لليونيسف أن نحو 60% من النساء في سن الإنجاب يعانين من فقر الدم، ويربط ذلك بعوامل غذائية من بينها انخفاض تناول الخضروات والفواكه واللحوم والأسماك والدجاج.
وتشير المغلس إلى أن تناول الشاي والقهوة مع الطعام قد يقلل امتصاص الحديد، كما قد يتداخل تناول الطين مع امتصاصه.
وترى أن التعامل مع البيكا يبدأ بتقييم الحالة الغذائية بدل افتراض وجود نقص لدى كل امرأة تمارسها. وعند الاشتباه بفقر الدم أو نقص الحديد، يمكن إجراء الفحوص المناسبة، ومنها صورة الدم الكاملة والفريتين، وفق تقييم الطبيب. كما ترى أهمية أن يسأل الطبيب أو القابلة الحامل مباشرة عن تناول المواد غير الغذائية، لأن بعض النساء قد لا يفصحن عنها من تلقاء أنفسهن.
مخاطر تختلف باختلاف المادة
تختلف مخاطر البيكا بحسب نوع المادة ومصدرها وكمية تناولها وتكراره. وتوضح الدكتورة حيدرة أن تناول بعض المواد قد يسبب الإمساك ومشكلات في الجهاز الهضمي، إلى جانب احتمال التعرض لمواد ملوثة.
وتشير شفيقة إلى أن التراب أو الطين المأخوذ من مصادر غير معروفة قد يحمل ملوثات أو طفيليات.
وتروي من تجاربها حالة امرأة حامل تبلغ من العمر 26 عامًا، وصلت إلى المستشفى في الأسبوع الثاني والثلاثين من الحمل، وهي تعاني من إمساك شديد وتقلصات مؤلمة في البطن. وبعد الاستفسار عن عاداتها الغذائية، تبيّن أنها تتناول كميات كبيرة من الطين والفحم يوميًا.
وأُجريت للمرأة فحوصات شملت تعداد الدم الكامل (CBC)، وقياس مستوى السكر ووظائف الكلى وتحليل البول، فيما أظهر فحص السونار أن نمو الجنين كان أقل من المعدل المتوقع لعمر الحمل.
وتضيف شفيفة أن الفريق الطبي وضع خطة للرعاية شملت المحاليل الوريدية لتعويض نقص السوائل، وإعطاء الحديد والفيتامينات عن طريق الوريد، إلى جانب الدعم النفسي وتوعية المرأة بالمخاطر المحتملة لهذه الممارسة. كما تابع الفريق حالتها الصحية وحركة الأمعاء ونمو الجنين. وبحسب إبراهيم، تحسنت حالة الأم والجنين بعد تلقي الرعاية.
وفي مراجعة علمية منشورة عام 2025 في دورية «الصحة والكيمياء الجيولوجية البيئية» أشارت إلى أن بعض المواد الأرضية المتناولة قد تحتوي على معادن ثقيلة مثل الرصاص والكادميوم والزرنيخ والزئبق، إلى جانب كائنات ممرضة، مع اختلاف مستويات التلوث بحسب المادة ومصدرها. وقد يرتبط التعرض لهذه الملوثات بمخاطر على صحة الأم والجنين.
وتؤكد شفيقة أن التعامل مع البيكا لا يقتصر على مطالبة الحامل بالتوقف، بل يشمل معرفة المادة التي تتناولها وأعراضها وتقييم حالتها، مع تجنب المواد مجهولة المصدر.
معتقدات تدفع إلى تلبية الرغبة
بعض المعتقدات والعادات المتوارثة قد تؤثر في طريقة فهم الرغبة والاستجابة لها.
تقول شفيقة إن بعض النساء يعتقدن أن عدم تلبية رغبة الحامل في مادة معينة قد يؤدي إلى ظهور علامة على جسم الجنين تشبه الشيء الذي اشتهته، فيما ترى أخريات أن الرغبة تعبر عن حاجة الجنين نفسه، ولذلك ينبغي تلبيتها.
وترى حيدرة أن العادات والتقاليد والتأثير الأسري تتداخل في استمرار هذه الممارسة، إذ قد تتأثر بعض النساء بما اعتادت عليه الأم أو الجدة، مثل تناول أنواع من الحجارة والطين أو قطع من الإسمنت الأبيض.
ولا تقتصر هذه التصورات على اليمن. ففي دراسة نوعية أجريت على 76 امرأة مولودة في المكسيك، كن حوامل أو سبق لهن الولادة خلال السنتين السابقتين، ذكرت بعض المشاركات أن عدم إشباع رغبة الحامل قد يؤدي إلى ظهور علامة على الطفل، بينما ربطت أخريات عدم تلبية الرغبة باحتمال فقدان الجنين. وتناولت الدراسة هذه التصورات بوصفها معتقدات لدى المشاركات، لا حقائق طبية.
وفي دراسة أخرى نشرت عام 2000 في «المجلة الطبية البريطانية»، شملت 225 امرأة مولودة في المكسيك، أبلغت 62% من النساء اللاتي مارسن البيكا عن وجود قريبة تمارس السلوك نفسه، مقابل 32% بين النساء اللاتي لم يمارسنها، بما يشير إلى وجود جانب أسري واجتماعي للممارسة، دون أن يثبت أن انتقالها سببه المعتقدات وحدها.
وترى شفيقة أن التعامل مع هذه المعتقدات يبدأ بالاستماع إلى الحامل دون لوم، وتصحيح المعلومات المرتبطة بالرغبة وتأثيرها في الجنين، حتى لا يدفع الخوف من عدم تلبيتها إلى تناول مواد غير آمنة.
“أُنتجت هذه المادة بدعم وإشراف من مؤسسة عوافي للإعلام الصحي، ضمن مشروع «أول هدية»، وتنشر بالتعاون مع نسوان فويس”

