هدى حربي- نسوان فويس
لم يبدأ مشروع (BasmaArt) كبيراً ، جاهزاً ، بل انطلق من ورقة صغيرة كتبت عليها بسمة جازم أفكارها الأولى: ماذا تريد أن تفعل، وما الأدوات التي تحتاج إليها، وإلى أين تريد أن تصل؟.
مع زحمة الحياة ربما ضاعت تلك الورقة من بسمة، لكنها تتذكرها باعتبارها أول خطوة حقيقية في تحويل الفكرة من مجرد رغبة أو خيال يعبر خاطرها إلى مشروع تحاول بناءه يومًا بعد آخر.
كانت البداية أكثر بساطة مما قد توحي به تجربة المشروع اليوم. رسمت بسمة كوبًا زجاجيًا يدويًا وأهدته لأستاذتها، ثم نشرت صورته على حسابها الشخصي، دون أن تفكر في البيع أو الترويج لمشروع فني.
تفاعل غيّر مسار التجربة
بدأ المتابعون يسألونها عن الكوب ويطلبون منها تنفيذ أعمال مشابهة، لتكتشف أن الهواية التي تمارسها بدافع الشغف يمكن أن تتحول إلى مشروع حقيقي. تدريجيًا، تحول حسابها الشخصي إلى مساحة لعرض أعمالها، وبدأت توثق مراحل التنفيذ من داخل ورشتها.
جاء أول اختبار كبير لـ مشروع (BasmaArt) في بداياته، عندما تلقت بسمة طلبًا لرسم 100 كوب بتصميم مستوحى من جزيرة سقطرى، كان الرقم صادم، لكنها قررت التعامل مع الطلب باعتباره تحديًا، وبدأت العمل خطوة بخطوة، إذ كانت تنجز نحو 12 كوبًا يوميًا
100 كوب ..أول اختبار
جاء أول اختبار كبير لـ(BasmaArt) عندما تلقت بسمة طلبًا لرسم 100 كوب بتصميم مستوحى من جزيرة سقطرى.
تقول إن الرقم أصابها بالصدمة في البداية، وبدأت تتساءل كيف ستتمكن من إنجاز هذه الكمية وفي الوقت المحدد؟ لكنها قررت التعامل مع الطلب باعتباره تحديًا، وبدأت العمل خطوة بخطوة، إذ كانت تنجز نحو 12 كوبًا يوميًا.
وخلال تنفيذ الطلب، بدأت توثق تفاصيل العمل وما يحدث خلف الكواليس، لتصبح هذه الأكواب لاحقًا من أكثر الأعمال التي يطلبها الجمهور منها.
بالنسبة لـ بسمة، لم يكن الطلب مهمًا بسبب حجمه فقط، بل لأنه منحها شعورًا بأن الفكرة الصغيرة التي بدأت بها يمكن أن تصل إلى الناس وتتحول إلى عمل حقيقي.
حين لا تكفي الإمكانيات
لم تكن رحلة مشروع خالية من العوائق، ولعل من أكثر التجارب التي واجهت فيها بسمة تحديًا تجربتها مع الفخار.
مع محدودية فرص التدريب المتخصص، لجأت إلى التعلم الذاتي والبحث عبر الإنترنت، ثم بدأت في توفير الأدوات وتطوير مهاراتها في هذا المجال. لكنها اصطدمت لاحقًا بعائق أكبر عند وصولها إلى مرحلة حرق القطع، إذ لم يكن من السهل توفير فرن مناسب بتكلفة تستطيع تحملها، فضلًا عن صعوبة توفره في اليمن.
كانت التجربة محبطة، خصوصًا بعد الوقت والجهد اللذين بذلتهما في التعلم والاستعداد، لكنها قررت ألا تجعل تعثر هذا المسار سببًا لتوقف المشروع كله.
وتقول إن هذه التجربة علمتها أن بناء المشروع لا يعني بالضرورة الاستمرار في الطريق نفسه، وأن تغيير المسار أحيانًا يكون جزءًا من الاستمرار.
لوحة تختزن المشاعر
إلى جانب الأعمال التي تحولت إلى منتجات، تحتفظ بسمة بأعمال فنية تحمل بالنسبة إليها قيمة شخصية ووجدانية.
من بينها لوحة لفتاة يظهر وجهها مقسومًا إلى جانب أزرق وجانب بألوان مختلفة، بدأت العمل عليها عام 2022 واستمرت في تطويرها حتى 2024.
خلال تلك الفترة، كانت تمر بحالة من التشتت والمشاعر المتباينة، فوجدت في الرسم وسيلة للتعبير عن أشياء لم تكن تعرف كيف تقولها بالكلمات.
لم ترسم اللوحة دفعة واحدة؛ كانت تعود إليها من وقت لآخر، وتضيف إليها جزءًا جديدًا بحسب حالتها في ذلك اليوم. لذلك أصبحت اللوحة بالنسبة إليها أشبه بسجل بصري لمرحلة كاملة من حياتها.
عندما تنظر إليها اليوم، لا ترى مجرد عمل فني مكتمل، بل تتذكر الأيام والمشاعر التي رافقت كل مرحلة من مراحل رسمها.
سوق يفرض تحدياته
ماتزال بسمة تواجه صعوبات في الحصول على بعض الخامات والأدوات التي تحتاجها، خصوصًا ألوان الزجاج الأصلية التي لا تتوفر بسهولة في اليمن.
كما تشكل تكلفة الأدوات والخامات المتخصصة تحديًا لمشروع بدأ بإمكانيات محدودة، ما يدفعها أحيانًا إلى التخطيط لأعمالها وفقًا لما تستطيع توفيره في الوقت المتاح.
أما التسويق، فقد تعلمته تدريجيًا مع تطور المشروع. فحسابها في البداية كان شخصيًا، ولم تكن تتعامل معه باعتباره منصة تجارية. ومع زيادة الطلب، بدأت تتعلم كيفية عرض الأعمال، وتوثيق مراحل تنفيذها، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى الجمهور.
وترى أن بناء الجمهور والثقة يحتاج إلى وقت، بالتوازي مع تطوير مهاراتها الفنية نفسها.
اليمن في تفاصيل BasmaArt
تحضر الهوية اليمنية في جزء كبير من أعمال بسمة، سواء من خلال الأماكن أو العمارة أو الزخارف أو تفاصيل البيئة المحلية.
من أبرز الأمثلة أعمالها المستوحاة من جزيرة سقطرى، ومنها طلب الـ100 كوب الذي شكّل إحدى المحطات المهمة في بدايات المشروع.
كما استلهمت أعمالًا من صنعاء القديمة، بينها تصميم نفذته في أجواء رمضان، مستفيدة من تفاصيل المدينة ليلًا، وما تتميز به من عمارة وزخارف وإضاءة.
لكن بسمة لا تتعامل مع التراث باعتباره شيئًا تنقله كما هو، بل تحاول إعادة تقديمه بأسلوب معاصر يحمل رؤيتها الخاصة.
بالنسبة إليها، التراث اليمني ليس مجرد موضوع للرسم، وإنما مصدر إلهام يمكن من خلاله تقديم أعمال حديثة تحتفظ بروح المكان والهوية.
تحلم بسمة بأن يكبر مشروع (BasmaArt) ويتحول إلى تجربة فنية أكثر اتساعًا، من خلال امتلاك مساحة فنية مجهزة تتيح لها العمل بحرية وتجربة تقنيات وأفكار جديدة، كما تتطلع إلى المشاركة في المعارض والفعاليات الفنية الدولية
الحضور خارج اليمن
تحلم بسمة بأن يكبر مشروع (BasmaArt) ويتحول إلى تجربة فنية أكثر اتساعًا، من خلال امتلاك مساحة فنية مجهزة تتيح لها العمل بحرية وتجربة تقنيات وأفكار جديدة.
كما تتطلع إلى المشاركة في المعارض والفعاليات الفنية وتنظيم ورش تشارك خلالها ما تعلمته مع أخريات، إلى جانب الوصول بأعمالها إلى خارج اليمن.
وتأمل في ذات الوقت أن يكون الفن وسيلة لتقديم جانب من الهوية والثقافة اليمنية بصورة معاصرة تحمل بصمتها الخاصة.
لكنها، رغم هذه الطموحات، ترى نفسها ما تزال في مرحلة البناء والتجربة، وتؤكد أن الأهم بالنسبة إليها هو أن يستمر المشروع ويتطور معها.
لا تنتظري اكتمال الإمكانيات
من تجربتها، توجه بسمة رسالة إلى النساء والفتيات اليمنيات اللواتي يمتلكن موهبة أو فكرة، لكنهن يترددن بسبب محدودية الإمكانيات.
تقول إن البداية لا تحتاج إلى أن تكون مثالية، وإن عليها أن تبدأ بما هو متاح، وتتعلّم خطوة بخطوة، وألا تقلل من قيمة البداية الصغيرة.
فمشروعها الذي بدأ بفكرة مكتوبة على ورقة، ثم بكوب زجاجي أهدته لأستاذتها، تحول تدريجيًا إلى مساحة فنية تحمل اسمًا وهوية وأعمالًا تصل إلى جمهورها.
وترى أن الإمكانيات يمكن بناؤها مع الوقت، وأن على المرأة أن تكون طموحة وقوية، وأن تحاول صناعة الفرصة والطريق الذي تتمنى الوصول إليه.








