سامية علوي (اسم مستعار)
لم يشفع لـ صفاء محمد (أسم مستعار) العاملة في المجال الإنساني، إمتلاكها لرخصة شفاهية من والدها طاعن السن تسمح لها بالسفر، ولا حيازتها لكافة الوثائق الشخصية الرسمية، التي تؤهلها للتنقل عبر حافلات النقل الجماعي من محافظتها إلى صنعاء لزيارة عائلتها.
رحلة عذاب قابلتها منذ خروجها من بيتها وحتى وصولها إلى وجهتها. تقول صفاء :” أوقفتني نقطة تفتيش تابعة لـ سلطة صنعاء للتحقيق معي، إذ استمر التوقيف لأكثر من ساعة ، تنفيذاً_بحسب إفادة أفراد النقطة- لتعليمات أمنية صارمة تشترط وجود محرم يرافق المرأة في تنقلاتها بين المدن ” .
لم تتوقع صفاء أن غياب ورقة السماح لها بالسفر سيتسبب باحتجاز لا يعطلها فقط ، بل يعطل الحافلة بكل ركابها. تفتيش دقيق وصراخ وتعامل غير إنساني تعرضت له وكأنها فارة من وجه العدالة، لاحقاً طُلب منها التواصل بوالدها المسن والعاجز صحياً لتأكيد إذن المرور شفاهياً، بل أن رجال النقطة لم يكتفوا بذلك، بل اشترطوا إرسال صورة بطاقته الشخصية عبر الهاتف ورغم السماح لها بالعبور بعد تأخر وصول الصورة، تفاجأت بتعميم اسمها لدى النقاط التالية لتتكرر المعاناة ذاتها بدعوى عدم إثبات أن المتحدث عبر الهاتف هو والدها فعلياً.
حادثة صنعاء ليست الأخيرة، بل حلقة ضمن سلسلة من الممارسات التعسفية التي واجهتها في نقاط أخرى شمالاً وجنوباً.
ففي نقطة تفتيش برية بمحافظة شبوة، أثناء طريقها لزيارة شقيقتها في حضرموت ، اضطرت لتبرير زيارتها الأسرية، ومواراة طبيعة عملها الميداني، لتشاهد في لحظة الاحتجاز ذاتها زميلة أخرى على متن الحافلة تُجبر هي الأخرى على الاتصال بوالدها لنيل حريتها في العبور.
قصة صفاء تعكس واقعاً تحول من حالات إلى ظاهرة، تتكرر مع عشرات المواطنات اليمنيات بشكل يومي عند حاجتهن للتنقل والسفر، وتطرح سؤال جوهري كيف تحولت تقاليد السفر والمحرم من عرف اجتماعي إلى سياج أمني قسري يخالف القانون ويعطل حياة المرأة اليمنية.
تتغذى الممارسات الميدانية في النقاط الأمنية على بيئة تشريعية وثقافية مشحونة، تتجلى أبعادها بوضوح عندما تُثار القضية في فضاءات صناع القرار والنخب ، إذ يعكس النقاش عادةً حالة من تبني هذه النخب للقيود المفروضة على النساء، وهو ما حدث بالفعل عقب منشور السياسي”محمد مقبل الحميري” الداعي لإعادة النظر في سفر المرأة بدون محرم
من اجتهاد فردي إلى مأسسة القيد
تتغذى الممارسات الميدانية في النقاط الأمنية على بيئة تشريعية وثقافية مشحونة، تتجلى أبعادها بوضوح عندما تُثار القضية في فضاءات صناع القرار والنخب ، إذ يعكس النقاش عادةً حالة من تبني هذه النخب للقيود المفروضة على النساء، وهو ما حدث بالفعل عقب منشور السياسي”محمد مقبل الحميري” الداعي لإعادة النظرفي سفر المرأة بدون محرم حتى لو كان للعلاج أو العمرة، بداعي الصيانة والحماية، خطاب يبين كيف يتداخل الخطاب الاجتماعي والسياسي لشرعنة تقييد الحركة، محولاً الحق الأساسي في التنقل إلى مادة تحتل صدارة المشهد الجدلي، بالنظرللأزمات الاقتصادية والخدمية الطاحنة.
لكن خطورة هذه الرؤى تكمن في كيفية ترجمتها ميدانياً حيث تتفاوت آليات الفرض بين سلطات الأمر الواقع المختلفة، ففي مناطق سيطرة جماعة أنصار الله “الحوثيين” في الشمال أخذ القيد طابعاً مؤسسياً صارماً عبر تعاميم شبه رسمية لشركات النقل ومطار صنعاء تحت مبررات “حماية الهوية الإيمانية”، ما تحول إلى حظر إداري منظم يطال العاملات في المنظمات الإنسانية والمجال المدني والميداني، حيث تفرض جماعة أنصار الله في اليمن سلسلة من الإجراءات التي من شأنها التحكم بحركة تنقل النساء، والتي بدأت بقرار شفهي صدر عام 2019 ، اشترط على المرأة الحصول على موافقة خطية من ولي الأمر و وزارة الداخلية للسفر، قبل أن تفرض لاحقاً قيود إضافية تمنعها من السفر دون محرم سواء عبر مطار صنعاء أو التنقل بين المدن اليمنية.
أما في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي في الجنوب والشرق يكتسي المنع طابع الاجتهاد المزاجي، كما حدث مع صفاء محمد في محافظة شبوة، حيث يخضع مرور المرأة لتقلبات المزاج الفكري للرقيب الأمني المناوب، في ظل غياب نص إداري معلن عنه من قبل الجهات المختصة.
العرف يرتدي عباءة القانون
أمام هذا الواقع الميداني يؤكد المحامي مختار الجمرة لـ “نسوان فويس” أنه لا يوجد في القوانين اليمنية النافذة أي نص صريح يمنع المرأة من السفر لمجرد كونها امرأة، أو يشترط وجود محرم لتنقلها، فالقانون هو القاعدة الملزمة الصادرة عن السلطة التشريعية، بينما ما يجري في النقاط هو فرض قسري لأعراف وتقاليد لا تكتسب أي صفة إلزامية، وهو عبارة إجراء يخالف صراحة الدستور اليمني الذي كفل حرية التنقل. إذ تنص المادة (57) من الدستور على أن تقييد حرية التنقل لا يكون إلا بحكم قضائي أو في الحالات التي يبينها القانون حصراً.
وعن الوسائل القانونية المتاحة أمام المرأة في حال منعها من السفر، يوضح الجمرة أنها تتحدد بطبيعة الجهة المانعة والإجراء المتخذ، حيث يحق للمرأة المطالبة بتوضيح سبب المنع والجهة التي أصدرته، والتظلم من الإجراء أمام الجهة المختصة.
وبإمكانها أيضاً اللجوء للطعن القضائي أمام المحكمة المختصة متى كان المنع صادراً عن جهة إدارية أو مستنداً إلى قرار غير قانوني ، و طلب اتخاذ إجراء قضائي عاجل لوقف أثر القرار عند توافر حالة الاستعجال، مع التمسك بأن تقييد حرية التنقل لا يكون إلا في الحدود التي يقررها القانون.
نتائج استبيان قيود التنقل
تتبعت معدة التقرير هذه الظاهرة عبراستطلاع استهدف عينة عمدية مكونة من 8 نساء يمنيات من مختلف المحافظات يتطلب عملهن أو دراستهن التنقل المستمر، كشفت النتائج عن أضرار مباشرة مادية ومهنية ونفسية ملموسة جراء قيود المنع من السفر.
أفادت 5 نساء من أصل 8 أنهن منعن فعلياً من السفر بسبب عدم وجود محرم، وتكبدت 5 نساء خسائر مالية مباشرة تمثلت في إلغاء تذاكر وحجوزات سفر، وأوضحت امرأتان من أصل 8 أن القيود أثرت سلباً على مستقبلهن الأكاديمي، بينما فقدت امرأة واحدة وظيفة أو منحة تدريبية خارجية.
في المقابل لم تُسجل أي استجابة للسلطات إذ لم تتلقى أي من اللاتي قدمن بلاغات أو اعتراضات رسمية أي رد، وتراوحت الإجابات بين عدم وجود جهة معنية بالنظر للشكوى، أو تقديم بلاغات دون جدوى.
“القيود المفروضة على سفر النساء تمثل مزيجاً من الأعراف والإجراءات الرسمية، لكنها في الأصل أعراف اجتماعية استغلت مع الوقت لتُحول إلى أمر واقع رسمياً، إذ ترتبط بالعرف القبلي والديني المتعلق بمفاهيم “المحرم” و”الحشمة” و”حماية المرأة”وفي ظل غياب الدولة المركزية واندلاع الحرب، أصبحت بعض الجهات الرسمية والأمنية تطبق هذا العرف كإجراء احترازي، وإن لم يكن هناك قانون مكتوب”
الندوب النفسية والتفكك الاجتماعي
تترك هذه المواجهات الميدانية آثاراً تتجاوز التعطيل المؤقت للحافلات، الضرر الذي تكبدته صفاء كان في شقه الأكبر، مرتبط بـ”الحرب اللفظية والنفسية” داخل النقاط، وما تركته كلمات الجنود من ندوب غائرة في نفسها، كأنها مشبوهه ، وترتكب جرماً لا حقاً طبيعياً تفرضه طبيعة الحياة نفسها.
الأخصائية النفسية، حميدة إبراهيم تتحدث لـ “نسوان فويس” قائلة:” حرمان المرأة من السفر يولد ضغطاً مستمراً يُعرف بإجهاد الدور المزدوج ، ويقود إلى حالات انطواء وقلق مزمن، خصوصاً لدى النساء المعيلات لأسرهن، هذا الأثر يمتد ليطال الأطفال والأفراد المعيلين، نظرًا لأن الحالة النفسية للمرأة تنعكس مباشرة على أسرتها”
وتسرد إبراهيم أبرز تلك الآثار في مقدمتها؛ قلق الانفصال ، التعرض لضغط الصدمة أو التعاطف ، والخوف المستمر على الصحة وتعميق الشعور بالذنب.
من جانبه، يقول أستاذ علم الاجتماع بمركز الدراسات والبحوث اليمني، الدكتور عبدالكريم غانم، في حديث لـ “نسوان فويس” : “هذه القيود تمثل مزيجاً من الأعراف والإجراءات الرسمية، لكنها في الأصل أعراف اجتماعية استغلت مع الوقت لتُحول إلى أمر واقع رسمياً، إذ ترتبط بالعرف القبلي والديني المتعلق بمفاهيم “المحرم” و”الحشمة” و”حماية المرأة”، وفي ظل غياب الدولة المركزية واندلاع الحرب، أصبحت بعض الجهات الرسمية والأمنية تطبق هذا العرف كإجراء احترازي، وإن لم يكن هناك قانون مكتوب” .
ويحذر عبدالكريم من أن استمرار هذه الممارسات يعني التفريط بالرأس المال البشري، ويحرم القطاعات الخدمية والإنتاجية من عطاء المرأة، مما يزيد الأعباء على عائل الأسرة، كما يساهم المنع اجتماعيًا في تعميق العزلة عن شبكات التوظيف الخارجية ،علاوة على تأخير سن الزواج وزيادة نسب الطلاق ، بالإضافة إلى تكريس صورة المرأة كعالة على الذكور بدلاً من كونها شريكة في التنمية.
تواصلت منصة “نسوان فويس” مع المكاتب الإعلامية بوزارة الداخلية وهيئة تنظيم شؤون النقل للحصول على تعليق رسمي حول المرجعية القانونية لهكذا إجراءات ميدانية، ولكن لم نجد تجاوب من أياً منهم.
فرضت سلطات صنعاء قيوداً تشترط وجود “محرم” أو موافقة رسمية مسبقة من ولي الأمر لممارسة الأنشطة والتنقل ، وبناءاً عليه بدأت شركة الخطوط الجوية اليمنية بطلب موافقة ولي الأمر للحجز، واشتراط مرافقة أحد أقارب المرأة حتى جلوسها في المقعد على متن الطائرة ، و تقييد حرية النساء الشخصية والعامة تدريجياً عبر أحكام وقرارات خاصة بديلة عن قوانين الدولة ومؤسساتها
امتداد الظاهرة وخطورة المؤشرات
ولا تنفصل هذه الشهادات الميدانية عن التحذيرات الحقوقية الصادرة ، إذ يتقاطع الواقع الميداني مع ما وثقه التقريرالصادر عن منظمة “سام” للحقوق والحريات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في مارس 2023 ، والذي سلط الضوء على سياسة “المحرم” الإلزامية وقيود الحركة في اليمن .
فرضت سلطات صنعاء قيوداً تشترط وجود «محرم» أو موافقة رسمية مسبقة من ولي الأمر للتنقل. وامتثالاً لهذه التوجيهات، بدأت شركة الخطوط الجوية اليمنية وشركات النقل بطلب موافقة ولي الأمر لإتمام إجراءات السفر، وتقييد حرية النساء الشخصية والعامة تدريجياً عبر أحكام وقرارات خاصة بديلة عن قوانين الدولة ومؤسساتها.
في هذا الصدد رصد التقرير أكثر من 5,000 حالة انتهاك بحق النساء حتى نهاية عام 2022، تصدرت فيها سلطات صنعاء قائمة الجهات المنتهكة بنسبة 70%، تلتها القوات الموالية للشرعية بنسبة 18%، ثم المجلس الانتقالي بنسبة 5%، وجيوب وأطراف أخرى بنسبة 7%.
تنجح صفاء أحياناً في عبور نقاط التفتيش والوصول إلى وجهتها، لكن المعاناة لا تنتهي هنا، إذ تقول بمرارة” حتى عندما أصل إلى المحافظة التي أقصدها، أظل مسجونة داخل قلق مستمر، وهواجس تفكير في طريق العودة وما سأواجهه مجدداً” .
قصة صفاء محمد ليست مجرد شهادة على مشقة طريق، بل تجسيد لحجم المعاناة التي تكابدها المرأة اليمنية يومياً في ظل واقع أمني متسلط، وقانون معطل، وعرف صارم يكبل حركتها ويصادر حقها الأصيل في الحياة والعمل والتنقل بكرامة.

