بذور الخير” في أحور.. نساء يحوّلن نقص الفرص إلى مبادرات للتعليم والتمكين

شارك المقال

أبين-نسوان فويس 

في مديرية أحور بمحافظة أبين، حيث تتداخل صعوبة الظروف المعيشية مع محدودية الخدمات وبُعد القرى عن مراكز المدن، وجدت مجموعة من النساء أنفسهن أمام واقع لا يوفر كثيراً من الخيارات بعد التخرج.

خريجات جامعات وثانوية، وبعض النساء اللواتي لم يتمكنّ من إكمال تعليمهن، لكنهن جميعاً واجهن المشكلة ذاتها: غياب فرص العمل، وتعثر التعليم، وضعف الخدمات الصحية، وارتفاع معدلات البطالة.

في ظل هذا الواقع بدأت فكرة جمعية “بذور الخير” النسوية الاجتماعية التنموية، التي تقودها السيدة عيناء عبدالله ناصر، لتتحوّل الفكرة من محاولة لاستثمار طاقات النساء المعطلة إلى مبادرات في التوعية والتعليم والتدريب والتمكين الاقتصادي.

تقول ناصرلـ”نسوان فويس”: “البذرة كانت واقعاً نعيشه ونعانيه “، موضحة أن عدداً من عضوات الجمعية خريجات جامعات وثانوية عامة، لكنهن فوجئن بعد التخرج بعدم وجود فرص عمل حكومية أو خاصة في أحور وقراها.

مضيفةً أن طبيعة المجتمع في أحور، باعتباره مجتمعاً قبلياً ومنغلقاً نسبياً، زادت من صعوبة الواقع، ولذلك قررت النساء استثمار طاقاتهن وخبراتهن العلمية بصورة منظمة، “بدلاً من أن تظل طاقاتنا وخبراتنا العلمية معطلة”، بحسب تعبيرها، لذلك أسسن الجمعية التي أرادتُ لها أن تكون “البذرة التي تغرس التغيير بأيدينا”. 

استطاعت الجمعية كسب ثقة المجتمع المحلي لأنها جاءت من داخله؛ فعضواتها من بنات المنطقة، ويعرفنّ عاداتها ويحترمنّها، كما أن الجمعية نسائية بحتة وهدفها واضح في خدمة النساء والأطفال بدرجة رئيسية، علاوة على أن الأهالي أدركوا أن المبادرة تستهدف خدمة بناتهم وأخواتهم، لذلك فتحوا بيوتهم وقلوبهم للجمعية ولأنشطتها

احتياجات بلا استجابة

تصف رئيسة الجمعية واقع النساء والأطفال في أحور والقرى والمناطق النائية بأنه “صعب جداً”، مشيرة إلى تعثر التعليم بسبب نقص المعلمين، وشبه انعدام الخدمات الصحية، وارتفاع البطالة.

وترى أن التدخلات الأكثر إلحاحاً تبدأ من التوعية والتثقيف بأهمية الصحة والتعليم والنظافة الشخصية، إلى جانب برامج محو الأمية وتوفير المستلزمات المدرسية، وتمكين الأمهات اقتصادياً لتخفيف الضغوط الواقعة على الأسر.

وتتابع حديثها : ” استطاعت الجمعية كسب ثقة المجتمع المحلي لأنها جاءت من داخله؛ فعضواتها من بنات المنطقة، ويعرفنّ عاداتها ويحترمنّها، كما أن الجمعية نسائية بحتة وهدفها واضح في خدمة النساء والأطفال بدرجة رئيسية، علاوة على أن الأهالي أدركوا أن المبادرة تستهدف خدمة بناتهم وأخواتهم، لذلك فتحوا بيوتهم وقلوبهم للجمعية ولأنشطتها”.

حين تصنع المهارة فرقاً

من بين البرامج التي نفذتها الجمعية تدريب النساء على الإسعافات الأولية، في ظل غياب الكادر الصحي في كثير من القرى.

ناصر تشير إلى أن هذه التدريبات شملت التعامل مع حالات الإغماء وهبوط الضغط المفاجئ، وتركيب المثبتات، وضرب الإبر وقياس ضغط الدم، وهي مهارات ترى أنها تكتسب أهمية خاصة في المناطق التي يصعب فيها الوصول السريع إلى الخدمات الصحية.

وتستعيد واحدة من أبرز قصص نجاح البرنامج، عندما تمكنت إحدى المتدربات من مساعدة امرأة تعرضت لإغماء نتيجة هبوط حاد في ضغط الدم وصل إلى 5، حيث توجهت المتدربة إلى منزل المرأة، وقاست ضغطها وقدمت لها محلولاً إسعافياً، قبل نقلها إلى المستوصف.

وتستطرد ناصر أن الطبيب أبلغ الجمعية لاحقاً بأن سرعة تصرف المتدربة أسهم كثيراً في إنقاذ حياة المريضة.

ومن بين القصص التي تحتفظ بها الجمعية، قصة فتاة تسميها ناصر “سلمى”، كانت تنتمي إلى أسرة لا تكمل فيها الفتيات تعليمهن عادة بعد المرحلة الثانوية.

كانت سلمى تحمل حلماً، لكن الظروف حالت دون تحقيقه، لتدخل سلمى حالة من العزلة والاكتئاب، قبل أن تنضم إلى إحدى دورات النقش التي نظمتها الجمعية.

وبوجود خريجات جامعيات في الجمعية لديهن خبرة في مجال الدعم النفسي، جرى التعامل معها ومساندتها، لتتحول مشاركتها في الدورة لاحقًا إلى بداية طريق جديد.

“سلمى أصبحت اليوم تمارس النقش وتملك مصدر رزق يساعدها وأسرتها” تقول ناصر. 

لماذا تتسرب الفتيات؟

لا ترى رئيسة الجمعية أن تسرب الفتيات من التعليم في القرى يعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة عوامل متشابكة، من بينها ضعف وعي بعض الأسر بأهمية تعليم الفتاة، والزواج المبكر، وحاجة الأسرة إلى من يجلب الماء ويرعى الأغنام، إلى جانب الظروف المعيشية وعدم القدرة على توفير المستلزمات المدرسية.

مشيرةً أيضاً إلى بُعد المدارس عن مساكن بعض الأسر، فضلاً عن استمرار بعض الأفكار التي تحصر دور الفتاة في المنزل.

وهو ما تحاول الجمعية مواجهته، من خلال جلسات توعية تستهدف الأمهات والفتيات، حيث يتم تدشين حلقات توعية لشرح أهمية تعليم الفتاة ووجوبه، وبيان رأي الإسلام فيما يتعلق بضرورة التعليم، وتوضيح أن هذا التعليم سينعكس مستقبلاً على أسرة الفتاة وأطفالها.

مهارات تتحوّل إلى دخل

لا تقتصر أنشطة “بذور الخير” على التوعية، إذ تعمل الجمعية على تدريب النساء في مهارات مختلفة بحسب احتياجاتهن وإقبالهن، بينها النقش، وحياكة الصوف، والخزف، والخياطة، وصناعة الأساور اليدوية، إلى جانب الإسعافات الأولية.

تؤكد ناصر إن عدداً من المستفيدات تمكنّ بالفعل من تحويل المهارات التي اكتسبنّها عبر الجمعية إلى مصدر دخل بسيط يساعد أسرهن، وهو ما تعتبره الجمعية أحد الأهداف الأساسية لبرامجها.

لكن هذه الأنشطة تُنفذ في ظل موارد محدودة للغاية، إذ تقول ناصر إن الجمعية تعتمد 100% على إمكاناتها الذاتية، من خلال رسوم العضوات البالغ عددهن 45 عضوة، وإقامة الأطباق الخيرية، وفرض رسوم رمزية على بعض الدورات.

وتضيف أن أهم ما يساعد الجمعية على الاستمرار هو تعاون العضوات وتطوعهن بالوقت والجهد، قائلة: “نمشي خطوة خطوة بالموجود”.

الجمعية بموارد ذاتية

على الرغم من تعدد الاحتياجات، تشيرناصر إن الجمعية لا تتلقى أي دعم من السلطة المحلية أو المنظمات المحلية والدولية.

وترى أن الجمعيات النسوية في المناطق الريفية، وخصوصاً في أحور، لا تحصل على فرص الدعم ذاتها المتاحة للمنظمات الموجودة في المدن، معتبرة أن هذه الجمعيات “مهمشة تماماً”.

ومع ذلك، تقول إن حاجة المجتمع إلى عمل الجمعية هي ما يمنحها الدافع للاستمرار، مضيفة أن عضواتها نساء واعيات ومثقفات ولديهن الخبرة، وأن مسؤوليتهم هي المساهمة في النهوض بمجتمعهن.

منوهةً إلى أن رؤية أثر ولو بسيط لعملهن على حياة امرأة أو طفلة تجدد طاقاتهن للاستمرار رغم كل الصعاب.

ما تحتاجه نساء أحور

وعطفاً على ذلك ترى رئيسة جمعية “بذور الخير” أن من أكثر القضايا التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، قضية تكثيف إقامة المشاريع التي تساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي للنساء، إلى جانب الاهتمام بالخريجات وتوفير فرص عمل، حتى وإن كانت محدودة.

وتوجه ناصر دعوتها إلى المنظمات والجهات المانحة لدعم ثلاثة مجالات أساسية: التعليم، والرعاية الصحية والتوعية، ومشاريع التمكين الاقتصادي للنساء.

ولا تنظر إلى الجمعية باعتبارها مشروعاً مكتملاً، بل إلى ما تقوم به حالياً باعتباره بداية لمسار أطول، فحلمها، كما تقول، أن يكون اسم “بذور الخير” على مسمّى، “بذرة خير تزرع في كل بيت وتثمر في كل امرأة”.

وتتطلع إلى أن تصل خدمات الجمعية إلى نساء المديرية ومحافظة أبين عموماً، وأن تسهم في توفير ما يحتجنه من دعم وتوعية في مختلف المجالات، وأن تكون الجمعية سبباً في تغيير حياة كثير من النساء والأسر نحو الأفضل.

 

مقالات أخرى