مابعد النزوح..يمنيات في مواجهة جراح الحرب النفسية

شارك المقال

منيرة أحمد الطيار – نسوان فويس 

لم يكن هناك متسع للوداع، ولا وقت لإنقاذ شقا العمر في عتمة ليلة قاسية صبّت فيها الحرب جحيمها فوق تعز.

وجدت بلقيس نفسها تفر مع أطفالها بملابسهم التي يرتدونها فقط، تركت خلفها بيتاً قضت سنوات في تأثيثه ليضم دفء عائلتها، وحتى الهدايا الثمينة التي جمعتها بحب لتجهيز ابنتها المخطوبة كل هذا التهمتها النيران.

كرب ما بعد الصدمة الفجائي وفقدان البيئة الآمنة يجعل حضور المرأة النفسي عالق تحت سقف بيتها المهجور، بحيث يرفض أن يبرأ وسط الأعباء النفسية والاقتصادية الخانقة

النزوح كنقيض للأمان

نجت بلقيس بروحها، هذا ما يبدو في نظر العابرين، مستقرة في صنعاء، حيث استأجرت غرفتين صغيرتين، لكنها في الحقيقة خرجت بجسد خاوي، ونفسية مدمرة.

في هذا السياق تشخص الأخصائية النفسية، مريم عبده، حالة بلقيس بالقول: “كرب ما بعد الصدمة الفجائي وفقدان البيئة الآمنة يجعل حضور المرأة النفسي عالق تحت سقف بيتها المهجور، بحيث يرفض أن يبرأ وسط الأعباء النفسية والاقتصادية الخانقة المرتبطة بالعيش في بيئة حضرية تفتقر للخصوصية ومثقلة بالقلق المزمن من تراكم الإيجارات” .

هذه المعاناة ليست معزولة بل مجرد نموذج لأزمة صحية عقلية مرعبة تعصف بالبلاد بعد أحد عشر عاماً من النزاع المستمر، إذ تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية وأحدث الدراسات التحليلية الصادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية في فبراير/شباط 2026، أن نحو 80% من النازحين في اليمن يعانون من اضطرابات نفسية حادة تركت لمصيرها دون علاج.

وتكشف الدراسة عن عمق المأساة بمقارنتها مع دول أخرى شهدت نزاعات مسلحة في المنطقة حيث تتخذ التأثيرات النفسية في اليمن طابعاً أكثر حدة واتساعاً إذ وصلت معدلات الاكتئاب لدى النساء في اليمن إلى 62%، والقلق إلى 67% واضطراب ما بعد الصدمة إلى 59% .

أرقامٌ تكشف عن مأساة

وتتحمل النساء في المجتمع عبئاً نفسياً مضاعفاً بعد أن تعرضت 72% منهن للعنف النفسي، وأرهقت أعباء المسؤولية الاقتصادية والرعاية الأسرية أكثر من 73% منهن إثر فقدان المعيلين التقليديين.

وفي مقابل هذا الوجع المتنامي يتجلى الانهيار الأكبر في قطاع الرعاية النفسية إذ لا يتوفر في اليمن بأكمله سوى 46 طبيباً نفسياً بمعدل طبيب واحد لكل 700 ألف نسمة وتكشف البيانات أن قرابة 7 ملايين يمني يعانون اليوم من صدمات وضغوط نفسية حادة في حين لا يتمكن من الوصول المستمر للخدمات سوى 120 ألف شخص فقط مما يترك فجوة كارثية بين حجم المعاناة وقدرة النظام الصحي المنهك.

وعلى النقيض من النزوح السكني في المدن كصنعاء يبرز جحيم مخيمات النزوح الجماعي في مأرب التي تأوي أكثر من مليونين و300 ألف نازح ليضع النساء أمام شكل أكثر قسوة من العذاب.

فالعيش تحت قماش الخيام يتجاوز غياب المأوى إلى رعب يومي من مخاطر الحرائق وجرف السيول، وصدمات مركبة ناجمة عن ذكريات الفقد العنيفة ورؤية الأحباء بأطراف مبتورة.

تبتسم للزبائن وتكافح طوال النهار كإمرأة حديدية لكن ما إن يحل المساء وتختلي بنفسها، حتى تنهار تماماً وتنفرط دموعها مرارةً وقهراً مسترجعة ذكريات استقرارها المفقود وتراكم ديونها

خيامٌ مفتوحة على الخوف

يبين الدكتور مهيوب المخلافي الأخصائي النفساني ومنسق الصحة النفسية بمكتب الصحة بمحافظة مأرب، أن هذا الضغط الرهيب تبلور في صورة اضطرابات نفسية وعضوية مشخصة كالاكتئاب الحاد والوسواس القهري واضطرابات النوم وتضاعفها مخاوف الابتزاز المالي والعاطفي نتيجة غياب الدخل وتراكم الديون كمعيلات وحيدات للأسر.

من جانبه يوضح سيف مثنى، مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بمأرب، أن أولويات الدعم تذهب قسراً نحو المأوى والغذاء باعتبارها خدمات منقذة للحياة، خاصة في ظل أزمة التمويل الدولي التي قلصت برامج حماية صندوق الأمم المتحدة للسكان بنسبة 40%. وان ملف الرعاية النفسية لا يزال هامشياً لغياب الميزانيات التشغيلية والخطط البديلة تقتصر على العيادات المتنقلة.

وهي خطط يراها الدكتور مهيوب المخلافي، جهداً قاصراً لا يغطي سوى 1% إلى 2% فقط من حجم الاحتياج الفعلي الذي يترك النساء عرضة للوصمة المجتمعية القاسية التي تفسر المرض النفسي بأنه سحر أو ضعف إيمان وربطه بالخجل مما يزكي رواج سوق الشعوذة والدجل كبديل تقليدي تائه ينتهي بسببه العديد من المرضى هائمين على وجوههم في الشوارع دون مغيث.

صمودٌ هش تحت الركام

لكن قشرة الصمود تظل واهية مهما بلغت المحاولات، كحال نازحة أخرى حطت بها الرحال في مخيمات مأرب رفضت الاستسلام لعجزها وقررت أن تفتتح مشروعاً يدوياً بسيطاً من داخل خيمتها لتسد رمق أطفالها وتصنع أملاً من بين الركام.

تبتسم للزبائن وتكافح طوال النهار كإمرأة حديدية لكن ما إن يحل المساء وتختلي بنفسها، حتى تنهار تماماً وتنفرط دموعها مرارةً وقهراً مسترجعة ذكريات استقرارها المفقود وتراكم ديونها، لتكتشف أن مشروعها الصغير ليس إلا محاولة بائسة للهرب من واقع يذكرها كل يوم بأنها باتت غريبة.

إنها تجسيد حي لبيانات العيادات المتنقلة التي تؤكد أن حوالي 50% من النساء يواجهن تدهوراً نفسياً حاداً ينعكس سلباً على تماسك الأسرة بأكملها.

 

مقالات أخرى