بيوتٌ مزدحمة.. وكبار السن في عزلة الشاشات

شارك المقال

سوسن الجوفي-نسوان فويس 

 بمرور الوقت تتحول الأجهزة الذكية إلى محور تقوم عليه الحياة داخل المنازل على حساب اللّمة والتشارك الجمعي، إذ يجد كثير من كبار السن أنفسهم معزولين، محاصرين بالوحدة رغم وجود الأبناء والأحفاد من حولهم.

ففي الوقت الذي تستحوذ فيه الشاشات على الأحاديث والاهتمامات والتواصل اليومي، تتسع فجوة صامتة بين أفراد الأسرة الواحدة، لتدفع بكبار السن إلى هامش الحياة الاجتماعية. “نسوان فويس” تقترب من قصص مؤلمة تكشف معاناة هذه الفئة مع التهميش والإهمال في زمن صار كل فرد يعيش عالمه الخاص مع الأجهزة والتطبيقات الافتراضية.

” في إحدى المرات اقتربت من حفيدي الذي لا يتجاوز عمره الثانية عشر ربيعاً، وطلبتُ منه أن يقرأ لي ما يضحكه؛ أجابني : هذا ترند يا جدة ما عتفهموش!”

بيوت ممتلئة بالفراغ 

يسكن الهدوء المميت غرفة أم أبراهيم “65 عاماً”، التي تجد نفسها وحيدة معزولة بالرغم من أن البيت يضم أربعة عشر فرداً هم أبناءها وأحفادها في المنزل. تشكو أم إبراهيم من مرض هشاشة العظام، ما سبب لها وزن زائد منعها من الحركة والمشي بسهولة، ونتيجة لذلك تظل حبيسة غرفتها وحيدة ،لا أحد لتتحدث إليه وتألف وجوده لفترات طويلة، لأن كل فرد في الأسرة مرتبط بتلفوناته: ” “بيتجابرو هم والتلفونات وأنا بينحاكي نفسي” تقول لـ”نسوان فويس”.

 تقضي أم إبراهيم يومها بسماع برامج الإذاعة والاستغفار، وتفتقد للحوار مع أبنائها وأحفادها والتفافهم حولها.

 بنبرة حزن يغلفها الكبرياء تبرر أم إبراهيم سلوك من حولها بالزمن وتقلباته، العصر الذي لا قيمة فيه للقيم التي تعزز من احترام الكبار ووجودهم.

لا يختلف وضع أم إبراهيم عن الحاجة تقية -أم كمال- (70عاماً)، التي تشعر بالغضب والحزن كلما تعالت ضحكات أبناءها وأحفادها في أرجاء المنزل، بينما تقبع وحيدة، شبه معزولة في غرفتها تشاهد التلفاز.

تقول أم كمال لـ”نسوان فويس” :” في إحدى المرات اقتربت من حفيدي الذي لا يتجاوز عمره الثانية عشر ربيعاً، وطلبتُ منه أن يقرأ لي ما يضحكه؛ أجابني : هذا ترند يا جدة ما عتفهموش!”

تضيف: ” أبقى وحيدة في بيت مكون من أربعة طوابق ،يسكنه أولادي وأحفادي، إلا من قدومهم للسلام علي والغداء الجماعي يوم الجمعة”.

وتبدي الحاجة تقية تعّجبها من هوس اقتناء الصغار والكبار للأجهزة الذكية، في منزلها وفي الشارع كلما أطلت من الشباك. وباهتمام وجدية تؤكد مخاطر هذا التسليم المطلق للشاشات:” قد حياة الأوادم كلها في التلفونات واللي ما بش معاه تلفون ماغير يجلس مطنن محدش يقرب صليه “.

تسرد أم كمال بعض من ذكريات الزمن الجميل التي ماتزال تحتفظ بها، والمرتبطة بقيم احترام الأبناء لكبار السن في المنزل كمستشارين وحكماء ، على نقيض ما تلمسه اليوم إذ تم نبذهم في زاوية بعيدة، وانشغل البقية بعالمهم التقني لساعات طويلة على مدار الأيام.

شعور الانتماء المفقود

تشير الاخصائية النفسية نورا خالد لـ”نسوان فويس” إلى أن كبار السن هم أكثر الفئات عرضة للتأثر بانشغال أفراد الأسرة بالأجهزة الذكية، وذلك نظراً لحاجتهم المتزايدة إلى الدعم العاطفي والاهتمام مقارنة بغيرهم من الفئات العمرية، خصوصاً أن الكثير منهم متقاعد، ومشاركاتهم الاجتماعية محدودة، مما يجعل الأسرة هي مصدرهم الأساسي للتواصل، وهو ما يتعذر تحقيقه مع تغير الزمن بفعل تأثير التكنولوجيا، و تغير نمط اهتمامات الأفراد”. 

لا يخلوهذا الوضع من استثناءات لأسر داعمة لمسنيها، مثل أسرة عبدالرحمن شائف، التي تقضي بناتها الأربع الوقت مع والدتهن بالتناوب، بلا هواتف، بلا شواغل تصرفهن عن إعطاءها الاهتمام والإنصات التي يحقق لها الإيناس، والدعم النفسي التي تستحقه.

 تقول (أحلام) -ابنتها- لـ “نسوان فويس” :”وضع والدتي مؤلم بعد تعرضها لحالة اكتئاب حادة بسبب شعورها بأنها أصبحت عبء على الأسرة وأن لا قيمة لوجودها نتيجة مرضها، وهو ما دفعنا لسد هذه الفجوة، وإعادة الأولوية للقاءات العائلية الحميمة، التي توفر الطمأنينة  لها”.

نحن بحاجة للّمة زمان، وقت كان الآباء والأمهات يجتمعون بالأبناء، يتناقشون ويضحكون ويقضون وقتاً ممتلئ بالود والمشاركة، أما اليوم أصبحنا ككبار سن معزولين في عالم لحالنا، منتظرين نظرة عطف وشفقة عند فراغهم من جوالاتهم

الانتظار يسرق العمر

صرامة أم حمزة الخولاني( 58عاماً) في منع تشغيل جهاز الإنترنت المنزلي”المودم” بعد الساعة العاشرة مساءً أجبر أبناءها وبناتها على إيجاد فكرة بديلة للتحايل على الوضع الذي أثار انزعاجهم، إذ يعتبرون أن فترة الليل هي الوقت المناسب لتصفح الإنترنت وإنجاز الكثير من الأعمال، لذلك اقتنوا (مودمات) لاسلكية صغيرة الحجم، على أنها أجهزة شحن للهواتف، وهكذا مُرر هذا التضليل على والدتهم إلى أن عرفت بالصدفة من إحدى جاراتها أنها أجهزة لبث النت.

عاتبت أم حمزة أولادها معبرة عن حزنها على ملازمتهم لهذه الأجهزة التي أبعدتهم عنها وأفقدتها التفافهم حولها وبجانبها: ” نحن بحاجة للّمة زمان، وقت كان الآباء والأمهات يجتمعون بالأبناء، يتناقشون ويضحكون ويقضون وقتاً ممتلئ بالود والمشاركة، أما اليوم أصبحنا ككبار سن معزولين في عالم لحالنا، منتظرين نظرة عطف وشفقة عند فراغهم من جوالاتهم”.

التقنية فوضى هدامة

أكد تقرير علمي وجود أكثر من 7.3 مليار مستخدم للهواتف الذكية حالياً من سكان العالم، عدد البالغين الذين يفحصون هواتفهم في المتوسط 344 مرة يومياً “مرة كل 4 دقائق” ويمضون يطالعون الشاشة ما لا يقل عن 3 ساعات يومياً.

من جانبها ترى أم عصام (54عاماً) مشرفة تربوية في إحدى مدارس العاصمة صنعاء، أن هذه الأجهزة وما تحمله من أفكار وألعاب ومواقف وقصص مفبركة، قد ساعدت على تمرد الأبناء والأحفاد، وبنبرة احتجاج قالت لـ”نسوان فويس”: ” أنادي حفيدي الذي لا يتجاوز عمره العشر سنوات، لكنه يتجاهلني، سلوك ينطبق على بقية الأحفاد الذين ينزوون في زوايا المنزل بهواتفهم النقالة ملتزمين الصمت لساعات لا حوار ولا نقاش فيها !! حتى طلباتهم من بعضهم البعض أصبحت عبر الهاتف”.

محذرة من اتساع دائرة الخطر” إذا لم يتم تقنين استخدام الهواتف النقالة سيصبح أفراد المنزل الواحد أغراب، ولن يكون كبار السن هم الضحايا فقط، وإنما الأسرة وترابطها وتكافلها سيكون الضريبة المدفوعة”

 وهو ما أكدته خديجة عبيد، اخصائية اجتماعية وهي تصف لـ”نسوان فويس” حجم التباعد الأسري الذي خلفته التكنولوجيا بين أفراد الأسرة الواحدة، وضعف التواصل الأسري وتقليص فرص مشاركة الأحداث اليومية فيما بينهم. 

تراجع الحوار الأسري

تجسد صورة أم ناصر( 67عاماً) أسوأ رموز القهر فهي بصحة جيدة جسدياً،  لكنها تعاني من حالة اكتئاب حاد بسبب الساعات الطويلة التي تجلسها مع نفسها بعد وفاة زوجها وأبنها الأوسط، فيما ينشغل بقية من في المنزل بأعمالهم ومشاغلهم وهواتفهم كما قالت إحدى قريباتها التي تعاود زيارتها من حين لآخر، إذ يتجاوز بقاءها في الغرفة ثمان ساعات متواصلة دون الجلوس معها حتى دقائق للسؤال عنها أو حتى محادثتها، باستثناء الوجبات التي تضعها حفيدتها في وسط غرفتها وتنصرف.

 وقدمت عبيد لـ “نسوان فويس” الحلول التي تقلل من المخاطر السلبية في الإفراط من استخدام الهواتف المحمولة على حساب العلاقات الإنسانية، في مقدمتها تخصيص أوقات للحديث بين أفراد الأسرة بدون استخدام الجوالات وتعزيز الرقابة الأسرية والمتابعة على استخدام الأجهزة، إضافة لخلق أنشطة أسرية مشتركة، وليس انتهاء بالحوار المباشر، وإشراك كبار السن دائماً في المناسبات والأنشطة والقرارات الأسرية.

واختتمت عبيد قولها: ” ترميم الأسرة والحفاظ على نواتها والاهتمام بالحوار الأسري الدائم داخل الأسرة وتخصيص وقت للجلوس مع كبار السن والاستماع إليهم من الأمور الهامة.

لفتة رقمية أخيرة

استهلكت التكنولوجيا أوقاتنا حتى اختصرت الحياة في نقرات سريعة على شاشات الهواتف، متجاهلين أن المنازل دافئة بحس وبحضور كبارها، الذين تأسست كثير من البيوت بفعل ثراء خبراتهم وتجاربهم، والتجاهل والتهميش وقلة الاحترام يبتلع علاقاتنا بهم ، العلاقات التي لا تقاس بالبقاء المتواصل بل بمعاني المحبة واحترام وتقديرهم، إذ لا يخاف  الكبير بالسن من الموت بقدر ما يخاف أن يٌمحى من سجل الآخرين.

مقالات أخرى