سلام شرقي
في أكتوبر /تشرين ثاني 2023، وضعت منظمة الصحة العالمية محددات لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة، قالت فيها إن عدم فهم الكيفية التي تعمل بها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي غرضين متناقضين إما فائدة أو ضرر للمستخدمين النهائيين، بمن فيهم أخصائيو الرعاية الصحية والمرضى.
منوّهةً إلى أن نظم الذكاء الاصطناعي تطلع على البيانات الصحية بما فيها المعلومات الشخصية الحساسة للمرضى، مؤكدة أن ذلك يستلزم وضع أطر قانونية وتنظيمية متينة لحماية الخصوصية والأمن والسلامة.
وأوصت المنظمة على ضرورة التحقق من صحة البيانات الواردة من مصادر خارجية.
وكان بعض مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي يعرضون مشاكلهم الصحية، ويتشاركون مع آخرين أدوية وطرقاً للعلاج دون زيارة الطبيب. لكن مؤخرًا بدأ المرضى باستشارة الذكاء الاصطناعي، والطلب منه وصفات أو أدوية مناسبة لمشاكلهم الصحية تخفف آلامهم.
خلال أشهر معدودة أصبح الذكاء الاصطناعي الأقرب لي، أتحدث معه حول كل شيء يخصني ، فهو لا يمل من مساعدتي، لحد أني أتخذت منه طبيباً خاصاً، أثق بتوجيهاته ومعلوماته وأعمل بنصائحه حتى أكثر من الطبيب نفسه
الذكاء الاصطناعي كطبيب
اعتقدت مُعلمة الرياضيات، ريم الحسني، أن الكم الهائل من المعلومات التي تقدمها للذكاء الاصطناعي، سيظل حديثًا بين مستخدم وتطبيق، لذلك شاركته الكثير من معلوماتها الشخصية والطبية.
تقول ريم لـ “نسوان فويس” : بدأت استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي المجانية لتبسيط مادة الرياضيات لطلابي؛ لكن الأمر لم يتوقف عند مستوى الاستفادة العلمية من تلك التطبيقات في التعليم والتعلم بل تجاوزه إلى استخدامات كثيرة” .
تضيف: “دفعت اشتراكًا في شات جي بي تي يعادل 10 آلاف ريال يمني، تمثل 25% من المبلغ الذي أجمعه كل شهر من التدريس في إحدى المدارس الأهلية، والدروس الخصوصية في المنزل وعن بعد عبر الإنترنت، وهذا ما كنت عليه حتى نهاية 2025” .
لم يتوقف استخدام ريم لتطبيقات ونماذج الذكاء الاصطناعي في التعليم، فقد بدأت “تألفها”، وتشاركت معها تفاصيل صحتها، الأدوية التي تأخذها دون وصفة طبية، وأحيانًا بوصفة من إحدى صديقاتها في المجال الطبي دون فحوصات. تقول ريم: “خلال أشهر معدودة أصبح الذكاء الاصطناعي الأقرب لي، أتحدث معه حول كل شيء يخصني ، فهو لا يمل من مساعدتي، لحد أني أتخذت منه طبيباً خاصاً، أثق بتوجيهاته ومعلوماته وأعمل بنصائحه حتى أكثر من الطبيب نفسه” كانت مخاوف وانعدام ثقتها بالأطباء، وسرعة استجابة الذكاء، وسهولة اللجوء إليه عاملاً حاسماً في هذا القرب وهذا الانسحاب.
المصنعون يحذرون مراراً
في سياق متصل حذّر المدير التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” سام ألتمان في بودكاست This Past Weekend مع الممثل الأمريكي ثيو فون، من الحديث إلى “شات جي بي تي” في الأمور الخاصة والكشف عن الأسرار الشخصية. مشيراً إلى أن الحديث مع المعالجين والأطباء يكون محميًا بموجب القواعد القانونية، لكن هذا لا ينطبق على المحادثات مع روبوتات الدردشة؛ كما يقول.
وبحسب ألتمان فإن هذا الأمر قد يتسبب بمتاعب قانونية لاحقًا للمستخدم حال مقاضاته في أي وقت من الأوقات، إذ تكون “أوبن إيه آي” ملزمة قانونيًا بتقديم هذه المحادثات التي بينك وبين “شات جي بي تي” إلى الجهات القانونية المسؤولة عنها؛ لكن اللافت في حديث ألتمان، أن العدد الأكثر اتجاهاً لطلب المساعدة والمشورة هم المستخدمين الأصغر سنًا.
تشكو طبيبة النساء، سهى الجبلي من اعتماد بعض المريضات خاصة الفتيات منهن على إجابات الذكاء الاصطناعي عندما يأتين لزيارتها في العيادة.
تقول الجبلي لـ”نسوان فويس”: تزورني إحدى الفتيات بشكل دوري، وفي كل مرة تجلس أمامي تجادل في كثير من التفاصيل و تعارض ما أقوله، إذ يُخيل لها أنها تصحح معلوماتي، وفي كل مرة أخبرها أن الذكاء الاصطناعي لا يقدم المعلومة الدقيقة والكاملة”.
: “البعض أتوقف عن الجدال معهن لمعرفتي أن الذكاء الاصطناعي طبيبهن ولست أنا، وبالتالي أخيرهن: هل ستتركون لي المجال للقيام بعملي، أو استمروا في ملاحقة وهم النصائح والاستشارات الطبية من تطبيقات الذكاء” تضيف الجبلي .
وتؤكد أنها اضطرت في مرات عدة التحول إلى ملقن ومرشد ينقل ويتحدث عن معلومات وتحذيرات بشأن اعتماد المرضى المفرط على الذكاء الاصطناعي .
معين عبرالرحمن”يمكن الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي بدمجها مع تطبيقات المستشفيات لحفظ وترتيب ملفات المرضى وسرعة الاستجابة والتشخيص وكذلك تنبيه الدكتور أو المريض بالزيارات الدورية، وتحسن صحة المريض، وكذلك حفظ سجل الحالة و تحليله، إلى جانب الاكتشاف المبكر للأمراض الخبيثة والتحذير منها لجميع الأمراض”
النساء أكثر وعيًا
ينظر الخبير في مجال الذكاء الاصطناعي، معين عبدالرحمن، أن النساء الآن أكثر وعيًا في استخدام الذكاء الاصطناعي بالذات بعد حملات حماية الخصوصية، وأضاف متحدثًا لـ”نسوان فويس” : “وعي المستخدمين رجالًا ونساء بدأ يظهر مع أن الإقبال على الاستخدام كبير جدًا، لكنه استخدام بدأ يتطور بعد أن كان عشوائي في السابق؛ نظرًا لظهور الوعي في هندسة الأوامر (البرومنت) ” .
ويرى معين أن الاستفادة في مجال الطب كبيرة خاصة في التشخيص السريع وقراءة الأشعة لكنه يعود ليشدد أن هذه الإمكانيات لا تحل محل الطبيب.
ويتابع:” يمكن الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي بدمجها مع تطبيقات المستشفيات لحفظ وترتيب ملفات المرضى وسرعة الاستجابة والتشخيص وكذلك تنبيه الدكتور أو المريض بالزيارات الدورية، ومتابعة حالة المريض الصحية، وكذلك حفظ سجل الحالة و تحليله، إلى جانب الاكتشاف المبكر للأمراض الخبيثة والتحذير منها لجميع الأمراض” وهذا لن يأتي إلا بالإدخال الدقيق لتفاصيل وتحاليل وأشعة المريض وكذلك تقرير متابعة الأطباء.
مخاطر الاعتماد كارثية
يؤكد معين عبدالرحمن أن مخاطر استخدام بعض الفتيات للذكاء الاصطناعي كطبيب خاص، كارثية لأن عملية تهيئة و تحضير أي حساب في أي أداة ذكاء اصطناعي يحتاج إلى الوقت ومتابعة الحالة لفترات طويلة حتى يستطيع تقديم معلومة قريبة للصحة، وليس لاستشارة سريعة، منوهًا أن أدوات الذكاء الاصطناعي فيها المعلومات العامة والمتخصصة.
وأشار عبدالرحمن أن القطاع الطبي خارج اليمن يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنتاج عقاقير طبية كاملة وهذا اختصر سنوات من الأبحاث، وأفاد في التجارب العملية والتطبيقية وتشخيص الأمراض، وصولًا إلى صناعة الأجهزة الكاملة التي يديرها الذكاء الاصطناعي.
ويتوقع عبدالرحمن أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في اليمن واعد، مستشهدًا بأن أغلب اليمنيين يستخدمونه بشكل كبير، والغالبية يستخدمون تطبيقات الشركات الكبرى والمعروفة، وبالتالي التعلم يبدأ عشوائي ويتحول بعد شهور قليلة إلى تخصصات منها البرمجة و التصميم و العروض التقديمية إلى التدريب وصولًا إلى الصحة واللياقة، واستخداماته في تقنين الأكل، والوعي حول الأدوية وتداخلاتها الكيميائية، حيث أصبح كثيرون يشترون الأدوية من الصيدلية ويستعينون بـ Chat GPT لمعرفة تفاصيله.
يتفق طالب الهندسة الطبية الحيوية، أحمد عبدالوهاب، مع أهمية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تطوير وتحديث الأجهزة الطبية، ومواكبة التطور العالمي المتسارع في هذا المجال. لكنه يؤكد على ضرورة التوقف عن استخدام تطبيقات ونماذج الذكاء كمستشار طبي.
ويتابع أحمد حديثه لـ” نسوان فويس”، أن دراسته في مجال الأجهزة الطبية واطلاعه المتواصل يؤكد له الحاجة الماسة لاستثمار الذكاء الاصطناعي، مع رفض فكرة “إدمان” استخدام تطبيقات الذكاء لكل شيء، والتغافل عن مصدر المعلومة الموثوق.
في هذا الصدد نظمت شركة أوكتوبوس إنرجي، فعالية دولية أكد خلالها مؤسس ويكيبيديا، جيمي ويلز، أنه لا يستطيع الوثوق بالذكاء الاصطناعي بما فيه الكفاية، مضيفًا: “من الصعب معرفة كيف سيبدو الذكاء الاصطناعي في غضون 25 عاما. مشكلة ارتكابه أخطاء لا تزال خطيرة للغاية.
من الصعب حصر حجم الاستفادة المتوقعة من إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الطبي؛ لكن الأصعب الحد من استخدام الذكاء الاصطناعي كطبيب، خاصة في حالة الاكتفاء به، وتطبيق كل ما يصدر عنه.

